محررو لقطة AI – 7
18 سبتمبر 2026
قبل ثلاثة أشهر فقط من الموعد المعلن لأول انتخابات وطنية في تاريخ جنوب السودان، أقال الرئيس سلفا كير رئيس المفوضية الوطنية للانتخابات أبيدنيغو أكوك كاكول، ووضع مكانه الأمين العام للمفوضية غابرييل بول دينغ ماجوك.
القرار في حد ذاته مهم، لكن ما جعله أكثر إثارة للأسئلة هو ما لم تقله الرئاسة: لماذا أُقيل الرجل الذي كان يقود الاستعداد لأول اقتراع منذ استقلال البلاد عام 2011؟
لم يقدم كير سببًا علنيًا للإقالة، بحسب رويترز وأسوشيتد برس ووسائل إعلام جنوب سودانية. ولذلك لا توجد حتى الآن قاعدة واقعية تسمح بالجزم بأن الهدف هو تأجيل الانتخابات أو إحكام السيطرة عليها أو معالجة خلل إداري داخل المفوضية. هذه كلها تفسيرات مطروحة، وليست حقائق مثبتة.
لكن توقيت القرار، وحالة الاستعداد للانتخابات، والطريقة التي اتُّخذ بها، تجعل السؤال عن الدوافع مشروعًا وضروريًا.
الرجل الذي حدد موعد الانتخابات أُقيل قبلها بثلاثة أشهر
أكوك ليس موظفًا جديدًا في المؤسسة.
عُيّن رئيسًا للمفوضية في أغسطس 2012، ثم أعيد تعيينه في نوفمبر 2023 بعد إعادة تشكيل المفوضية بموجب ترتيبات اتفاق السلام المنشط لعام 2018.
وفي يونيو الماضي كانت المفوضية التي يرأسها هي التي أعلنت رسميًا 22 ديسمبر 2026 موعدًا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مع تحذيرها في الوقت نفسه من وجود مشكلات قانونية ومالية تواجه العملية.
أي أن كير لم يغيّر رئيس مؤسسة هامشية.
لقد غيّر رأس المؤسسة التي تملك قانونًا مسؤولية تسجيل الناخبين، واعتماد المرشحين، وتدريب العاملين، وإدارة الاقتراع وتسوية بعض المنازعات الانتخابية وإعلان النتائج.
وحدث ذلك بينما عقارب الساعة الانتخابية تتحرك بسرعة.
المفاجأة الأكبر: لا يوجد سجل ناخبين حتى الآن
هنا تصبح الإقالة أكثر حساسية.
حتى 2 سبتمبر 2026، أي قبل نحو أسبوعين فقط من إقالة أكوك، أكدت المفوضية رسميًا أن تسجيل الناخبين لم يبدأ أصلًا.
وقالت بوضوح إنه لم يُسجل ناخب واحد بعد، ولا يوجد حتى الآن سجل انتخابي يمكن إجراء الاقتراع على أساسه.
كانت المفوضية لا تزال تدرب مسؤولي اللجان الانتخابية في الولايات العشر والمناطق الإدارية الثلاث على إجراءات التسجيل، وتقيّم مراكز التسجيل وتنفذ حملات التثقيف المدني والانتخابي.
وهذا يعني أن الرئيس غيّر قائد العملية الانتخابية قبل بدء واحدة من أعقد مراحلها مباشرة.
في دولة مستقرة ذات سجل انتخابي جاهز ومؤسسات انتخابية راسخة، قد يكون تغيير رئيس المفوضية قبل ثلاثة أشهر مشكلة يمكن احتواؤها.
لكن جنوب السودان يبدأ تقريبًا من الصفر.
إذن.. هل السبب فشل الاستعدادات؟
هذا أحد التفسيرات الممكنة.
العملية واجهت تأخرًا في التمويل والاستعدادات، وأكوك نفسه تحدث سابقًا عن مشكلات مالية وقانونية تعرقل عمل المفوضية.
وقد يكون اختيار غابرييل بول دينغ ماجوك محاولة لتسريع التنفيذ.
فهناك تفصيل مهم يقلل من فرضية أن الرئاسة تريد هدم كل ما أُنجز والبدء من جديد:
الرئيس الجديد لم يأتِ من خارج المفوضية.
كان أمينها العام.
وبالتالي فهو يعرف المؤسسة وملفاتها والاستعدادات الجارية، بل إن بيانات المفوضية نفسها كانت تشير إليه بصفته أحد كبار مسؤوليها قبل ترقيته إلى الرئاسة.
هذه قرينة يمكن أن تدعم تفسير «استمرارية الإدارة مع تغيير القيادة».
لكن الرئاسة لم تقل ذلك.
ولو كانت الإقالة بسبب ضعف الأداء أو بطء التحضيرات، يبقى السؤال: لماذا لم يُذكر هذا السبب رسميًا؟
أم أن الانتخابات نفسها ستتأجل؟
هذه هي القراءة الأكثر تداولًا بين منتقدي القرار، لكنها ليست حقيقة مثبتة.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا أبراهام كول نيون وصف الخطوة بأنها تكتيك للتأخير، وقال إن تغيير القيادة في هذه اللحظة قد يزيد تعقيد تسجيل الناخبين والقرارات التي يجب إنجازها قبل ديسمبر.
لكن هذا تقييم سياسي وأكاديمي.
حتى الآن لم تعلن حكومة جنوب السودان تأجيل الانتخابات، وما يزال الموعد الرسمي هو 22 ديسمبر 2026.
وهنا يجب تذكر تاريخ طويل من التأجيلات.
جنوب السودان لم يجر انتخابات وطنية منذ استقلاله عام 2011، ومددت الفترة الانتقالية مرارًا بعد الحرب الأهلية واتفاق السلام لعام 2018.
لذلك فإن أي اضطراب مؤسسي قبل الموعد الجديد يعيد فورًا سؤالًا قديمًا:
هل ستصل البلاد فعلًا إلى صندوق الاقتراع هذه المرة؟
الحكومة أزالت عقبتين كبيرتين قبل الإقالة
هناك حقيقة أخرى تجعل فرضية «التأجيل المتعمد» غير محسومة.
قبل نحو أسبوعين من إقالة أكوك، وقّع كير تعديلًا دستوريًا أزال اثنين من أكبر الشروط التي كانت تعرقل إجراء الانتخابات: إكمال التعداد السكاني وإتمام الدستور الدائم قبل الاقتراع.
وبموجب التعديل أصبح من الممكن المضي إلى انتخابات ديسمبر من دون انتظار العمليتين.
هذه الخطوة تتحرك في الاتجاه المعاكس للتأجيل.
فمن جهة، أزالت الحكومة عوائق قانونية لفتح الطريق نحو الانتخابات.
ومن جهة أخرى، غيرت فجأة رئيس المفوضية المسؤولة عن تنفيذها.
وهذا التناقض هو بالضبط ما يجعل دوافع الإقالة غير واضحة حتى الآن.
السؤال الأخطر: هل تمت الإقالة وفق القانون؟
المسألة لا تتعلق بالتوقيت وحده.
قانون الانتخابات الوطني يحدد أسبابًا وإجراءات لعزل رئيس المفوضية، بينها ثبوت الانحياز، وعدم القدرة على أداء المهام، وسوء السلوك الجسيم.
لكن الرئاسة لم تقل إن أكوك ارتكب واحدًا من هذه الأفعال.
ولم تعلن حتى الآن، في المصادر التي راجعتها، عن عملية قانونية خلصت إلى تحقق أحد أسباب العزل.
ولهذا اعترض محللون قانونيون وسياسيون على الطريقة التي تمت بها الإقالة.
وقال الباحث بوبويا جيمس إدموند إن القانون، وفق تفسيره، لا يمنح الرئيس سلطة منفردة لعزل رئيس المفوضية من دون اتباع الإجراءات المحددة، محذرًا من أن ذلك يمكن أن يضيف مزيدًا من عدم اليقين للعملية الانتخابية.
هذا أيضًا تفسير قانوني منسوب لصاحبه، وليس حكمًا قضائيًا صدر ببطلان قرار كير.
لكن غياب تفسير رسمي يجعل السؤال القانوني أثقل.
أكوك نفسه لا يكشف السر
الرجل المقال لم يقدم حتى الآن رواية تفسر ما حدث.
وقال أكوك لـEye Radio إنه علم بإقالته عبر اتصال هاتفي، وإنه ممتن للقرار وشكر الرئيس، من دون الكشف عن وجود خلاف بينه وبين الرئاسة أو تقديم تفسير لسبب إبعاده.
وهذا الصمت يترك فراغًا سياسيًا كبيرًا.
فلو كان هناك صراع علني حول التمويل، أو سجل الناخبين، أو طريقة التسجيل، أو استقلال المفوضية، لكان من الممكن ربط الإقالة به.
لكن الأدلة المنشورة حتى الآن لا تثبت واحدًا من هذه السيناريوهات.
هل القضية هي السيطرة على المفوضية؟
هذا هو الاحتمال السياسي الأكثر حساسية، ولذلك يحتاج إلى أكبر قدر من الحذر.
في أي انتخابات، استقلال الجهة التي تدير الاقتراع عنصر أساسي في ثقة الناخبين والمرشحين.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يكون رئيس الدولة نفسه طرفًا سياسيًا رئيسيًا، بينما يملك سلطة تؤثر في قيادة المؤسسة الانتخابية.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تثبت أن كير أقال أكوك لكي يضع شخصًا أكثر ولاءً على رأس المفوضية.
الذي يمكن قوله بثقة هو أن التغيير أثار مخاوف بشأن استقلال العملية والثقة بها، خصوصًا بسبب توقيته وغياب تفسير رسمي له.
وهذا فارق مهم بين الوقائع والاستنتاج السياسي.
الأمم المتحدة كانت تحذر قبل القرار
قبل الإقالة بأيام، قالت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان إن الضمانات والظروف اللازمة لانتخابات سلمية وذات مصداقية ما تزال غير متوافرة بالكامل.
وحذرت من أن البلاد أمام خيارين: إما انتخابات يمكن أن تعمق الانقسام والصراع، أو استغلال المرحلة لاستعادة الحوار السياسي وحماية المدنيين ووضع الضمانات اللازمة لانتقال سلمي وموثوق.
وهذا التحذير لا يعني أن الأمم المتحدة دعت إلى إلغاء الانتخابات.
بل يضع معيارًا مختلفًا:
السؤال ليس فقط هل ستفتح صناديق الاقتراع في 22 ديسمبر؟
بل هل ستكون هناك عملية يستطيع المواطن المشاركة فيها بحرية، ويتنافس فيها المرشحون بصورة عادلة، وتوجد آليات موثوقة لمعالجة النزاعات الناتجة عنها؟
ثلاثة أشهر.. وقائمة مهام هائلة
الوقت المتبقي هو المشكلة الأكبر.
التسجيل لم يكن قد بدأ في مطلع سبتمبر.
يجب إنشاء سجل الناخبين.
وتشغيل مراكز التسجيل.
وإتمام التثقيف الانتخابي.
ثم الانتقال إلى الترشيحات والتحضير اللوجستي وتدريب العاملين وتأمين مراكز الاقتراع وتوزيع المواد الانتخابية.
وكل ذلك في دولة تعاني ضعف البنية التحتية والعنف المحلي وصعوبات النقل والتمويل.
لذلك لا يحتاج جنوب السودان إلى الانتظار حتى ديسمبر لمعرفة ما إذا كانت الانتخابات تسير في مسارها الحقيقي.
الأسابيع القليلة المقبلة ستكشف ذلك.
إذا بدأ تسجيل الناخبين سريعًا، واستمر تمويل المفوضية، ونُشر جدول تفصيلي قابل للتنفيذ، فقد يصبح تغيير الرئيس مجرد انتقال إداري مثير للجدل.
أما إذا تأخر التسجيل واستمرت التغييرات المؤسسية، فسوف تزداد قوة التساؤلات التي يطرحها منتقدو القرار بشأن إمكانية الوصول أصلًا إلى اقتراع ديسمبر.
السر ليس في اسم الرئيس الجديد
ربما يكون السؤال الخطأ هو: لماذا اختار كير غابرييل بول دينغ؟
فالرجل موجود أصلًا داخل المفوضية ويعرف ملفاتها.
السؤال الأكثر أهمية هو:
لماذا كان من الضروري إبعاد أكوك الآن؟
بعد أكثر من عقد من قيادة المفوضية، وبعد أن أعلن موعد الانتخابات، وبعد أن بدأ تدريب مسؤولي التسجيل، وقبل ثلاثة أشهر فقط من أول اقتراع وطني منذ الاستقلال، انتهت مهمته بقرار رئاسي لم يتضمن تفسيرًا علنيًا.
إلى أن تقدم الرئاسة سببًا موثقًا، ستظل كل محاولة لتحديد الدافع النهائي تحليلًا لا حقيقة.
لكن هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى تحليل:
جنوب السودان يستعد لأول انتخابات في تاريخه، ولم يبدأ تسجيل ناخبيه بعد، وفي اللحظة التي كان يفترض أن تنتقل فيها الاستعدادات من الورق إلى الميدان، تغير الرجل الموجود على رأس المؤسسة التي ستدير الصندوق.
وهذا وحده كافٍ لجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا ليس للمفوضية الجديدة فقط، بل لمصداقية موعد 22 ديسمبر 2026 نفسه.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات