الجمعة، 18 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الذهب بلا خوذة ولا إنقاذ.. كارثة «الزرع» تفتح ملف الموت داخل مناجم السودان

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الذهب بلا خوذة ولا إنقاذ.. كارثة «الزرع» تفتح ملف الموت داخل مناجم السودان
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 7
18 سبتمبر 2026

لم تعد كارثة منجم «الزرع» قرب النهود مجرد حادث انهيار أودى بحياة عشرات المعدنين. فمع استمرار البحث عن المفقودين، بدأت المأساة تكشف مشكلة أعمق في قطاع الذهب السوداني: آلاف العمال يدخلون آبارًا وحفريات عميقة في بيئات هشة، بينما تغيب في كثير من مواقع التعدين الأهلي أبسط متطلبات التدعيم والحماية وفرق الإنقاذ المتخصصة.

وقالت مصادر محلية لوكالة أسوشيتد برس إن عدد الجثامين المنتشلة من منجم الزرع في غرب كردفان ارتفع إلى 82 جثمانًا حتى الأربعاء، فيما لا يزال عشرات في عداد المفقودين. وكانت شبكة أطباء السودان قد أعلنت في حصيلة سابقة انتشال 67 جثمانًا، محذرة من ارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث. لذلك تبقى الحصيلة النهائية غير محسومة حتى الآن. 

لكن الرقم، على فداحته، ليس وحده ما يكشف حجم الكارثة.

فشهادات الناجين والمصادر المحلية تشير إلى أن عمليات الإنقاذ جرت بوسائل بدائية، في منطقة ذات تربة رملية هشة، ومن دون فرق إنقاذ متخصصة أو معدات كافية للوصول إلى عمال عالقين في أعماق تتجاوز 30 مترًا في بعض الآبار. وذكرت أسوشيتد برس أن آلة رفع واحدة فقط كانت متاحة في مرحلة من عمليات الإنقاذ. 

ست آبار.. وانهيار واحد يجر الآخر

إحدى أخطر التفاصيل التي ظهرت بعد الكارثة تتعلق بطريقة إنشاء الآبار نفسها.

فبحسب شهادات من الموقع، كانت فتحات التعدين متقاربة إلى درجة أن انهيار إحداها ساهم في انهيار الآبار المجاورة، ما أدى إلى دفن أعداد كبيرة من العمال في وقت متقارب. 

ويقول مرصد كردفان إن موقع التعدين يمتد لأكثر من كيلومتر في أرض رملية هشة، بينما أكد ناجون أن طبيعة التربة جعلت محاولات الوصول إلى العالقين أكثر خطورة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من سبب انهيار حفرة بعينها:

من سمح بالعمل بهذا العدد من الآبار المتجاورة، وفي أرض هشة، ومن دون منظومة إنقاذ قادرة على التدخل عند الكارثة؟

شبكة أطباء السودان: غياب لأبسط شروط السلامة

شبكة أطباء السودان وجهت انتقادًا مباشرًا للأوضاع داخل مواقع التعدين في المنطقة، وقالت إن منجم الزرع يفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة والحماية اللازمة للعاملين.

واعتبرت أن التعدين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مع غياب اشتراطات السلامة ووسائل الحماية والإنقاذ، يحول العمل إلى خطر مباشر على حياة المدنيين. وطالبت الجهات المسيطرة على المنطقة بتحمل مسؤوليتها ووقف التعدين العشوائي وتوفير الإمكانات الطبية واللوجستية لعمليات الإنقاذ. 

والمنجم يقع في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع، ولذلك تقع المسؤولية المباشرة عن إدارة النشاط وحماية المدنيين في الموقع على السلطة الفعلية الموجودة هناك.

لكن أزمة السلامة في التعدين السوداني أقدم وأوسع من الحرب الحالية ومن منطقة سيطرة طرف واحد.

فالسودان شهد انهيارات قاتلة في مناجم أخرى خلال سنوات سابقة؛ وفي 2021 قتل انهيار منجم 38 شخصًا، بينما أودى حادث آخر في 2023 بحياة 14 عاملًا. 

أي أن «الزرع» ليس بداية المشكلة.

إنه فقط أكثر صورها دموية في الفترة الأخيرة.

التعدين الأهلي.. اقتصاد ضخم برقابة ضعيفة

المفارقة أن السودان ليس بلدًا هامشيًا في إنتاج الذهب.

إنه من كبار المنتجين الأفارقة، لكن جزءًا كبيرًا من المعدن يأتي من التعدين الأهلي وغير المنظم، حيث يعمل المعدنون في مواقع بعيدة وبوسائل محدودة، وبعضها آبار مهجورة أو غير خاضعة لإشراف هندسي منتظم. 

وتقول وزارة الداخلية السودانية إن عمليات التعدين الرسمية تستمر حاليًا في ست ولايات هي البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية وكسلا والقضارف والنيل الأزرق، بينما تؤكد أن الحرب جعلت الموارد المعدنية أكثر أهمية لميزانية الدولة. 

وهنا تظهر المفارقة الأكبر:

كلما ازدادت أهمية الذهب للاقتصاد، يفترض أن تزداد معه قيمة حماية الإنسان الذي يستخرجه.

لكن التعدين الأهلي في أجزاء واسعة من البلاد يعمل وفق المعادلة المعاكسة: قيمة المعدن مرتفعة، بينما قيمة السلامة منخفضة.

أين تبدأ شروط السلامة؟

السلامة في المناجم ليست خوذة وحذاءً فقط.

قبل دخول العامل إلى البئر أصلًا، يفترض أن تكون هناك معرفة بطبيعة التربة والصخور، وتحديد للمسافات الآمنة بين الحفر، وتدعيم لجدران الأنفاق، وتهوية مناسبة، ومراقبة لاحتمالات الانهيار، وتنظيم لعدد العمال داخل البئر، وخطة واضحة للإخلاء.

وعندما يقع الحادث، تبدأ طبقة أخرى من الحماية:

معدات رفع، أجهزة اتصال، إسعاف، فرق مدربة على الإنقاذ تحت الأرض وآليات ثقيلة يمكن استدعاؤها بسرعة.

ما ظهر في «الزرع» كان النقيض تقريبًا.

السكان والعمال حاولوا إنقاذ زملائهم بأدوات بسيطة بينما كانت الأرض نفسها مهددة بانهيارات إضافية. 

الحرب أزالت ما تبقى من الرقابة

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتضاعف المشكلة.

في مناطق واسعة تراجعت مؤسسات الدولة، وانقسمت السيطرة العسكرية، وتعطلت أجهزة رقابية وخدمية، وأصبح الوصول إلى بعض مناطق التعدين صعبًا أو مستحيلًا بالنسبة للسلطات المركزية.

وفي غرب كردفان، حيث يقع منجم الزرع، تسيطر قوات الدعم السريع على المنطقة، بينما تستمر الحرب بينها وبين الجيش السوداني. 

هذا الواقع يخلق فراغًا خطيرًا:

التعدين لا يتوقف لأن الناس يحتاجون إلى الدخل، والذهب مطلوب لتمويل الاقتصاد وشبكات التجارة والحرب، لكن مؤسسات التفتيش والسلامة والإنقاذ لا تعمل بالمستوى نفسه.

فتبقى الآبار مفتوحة بينما تختفي الدولة التي يفترض أن تراقبها.

الذهب يمول الحرب أيضًا

هناك طبقة أخرى تجعل إصلاح القطاع أكثر تعقيدًا.

خبراء تابعون للأمم المتحدة وثقوا أن كميات كبيرة من الذهب السوداني تُهرّب إلى الخارج، وأن الذهب المنتج في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع يمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات بالنسبة لها. 

وهذا يحول المنجم من مجرد مكان عمل إلى جزء من اقتصاد حرب.

وعندما تدخل المعادن في شبكات التمويل العسكري والتهريب، تصبح الأولوية في بعض البيئات هي استخراج أكبر كمية ممكنة، لا بناء قطاع منظم يستطيع العامل أن يعود منه حيًا إلى أسرته.

الفقر يدفع العامل إلى البئر

ولا يمكن وضع المسؤولية على المعدنين أنفسهم.

في بلد مزقته الحرب، وانهارت فيه قطاعات اقتصادية واسعة وفقد ملايين الأشخاص مصادر دخلهم، يصبح التعدين الأهلي بالنسبة لكثيرين واحدًا من الخيارات القليلة المتاحة للحصول على المال.

العامل الذي يدخل حفرة غير مدعمة قد يعرف الخطر.

لكنه يوازن بين خطرين:

احتمال انهيار المنجم، وحاجة أسرته إلى الطعام.

وهذا ما يجعل اشتراطات السلامة مسؤولية تنظيمية لا خيارًا فرديًا يترك للعامل الفقير.

الكارثة المقبلة يمكن منعها

السودان لا يستطيع إغلاق قطاع التعدين الأهلي غدًا.

مئات الآلاف يعتمدون عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والذهب أصبح موردًا اقتصاديًا بالغ الأهمية.

لكن هناك فارقًا بين الاعتراف بوجود التعدين الأهلي وبين قبول أن تعمل المناجم بلا خرائط هندسية أو تدعيم أو تفتيش أو معدات إنقاذ.

وأول اختبار بعد كارثة الزرع يجب ألا يكون إصدار بيان تعزية جديد.

بل معرفة من كان يدير الموقع، وهل كان هناك أي تقييم هندسي للآبار، ومن كان مسؤولًا عن مراقبة المسافات بينها، ولماذا لم توجد معدات إنقاذ قريبة رغم وجود أعداد كبيرة من العمال تحت الأرض.

ثم يجب أن يمتد التحقيق إلى ما وراء غرب كردفان.

فإذا كانت الظروف نفسها موجودة في عشرات المواقع الأخرى، فإن السؤال ليس ما إذا كان منجم آخر سينهار.

السؤال هو متى سينهار، وكم عاملًا سيكون داخله عندما يحدث ذلك؟

كارثة الزرع يجب ألا تُقرأ باعتبارها ثمنًا طبيعيًا لاستخراج الذهب.

فالذهب موجود تحت الأرض منذ آلاف السنين؛ الذي صنع المقبرة هو أن الإنسان نزل إليه بلا حماية، ثم عندما انهارت الأرض لم تكن هناك دولة ولا معدات تصل إليه في الوقت المناسب.

محررو لقطة AI – 7

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً