محررو لقطة AI – 3
24 سبتمبر 2026
السودان ليس بلدًا بلا أرض زراعية، ولا بلدًا بلا ماء، ولا دولة عجزت تاريخيًا عن إنتاج الغذاء. ومع ذلك، يواجه اليوم واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم.
هذه المفارقة هي المدخل الحقيقي لفهم الأزمة.
فوفق أحدث تقييم متكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي أكثر من 40% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو خمسة ملايين في مرحلة «الطوارئ»، و135 ألف شخص في مستوى «الكارثة». كما تواجه 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان خطر المجاعة إذا ازداد القتال أو النزوح أو تدهور وصول الغذاء والمساعدات.
لكن اختزال كل ذلك في عبارة «نقص الغذاء» يخفي القصة الحقيقية.
أزمة السودان ليست أزمة كمية الطعام الموجودة داخل البلاد فقط، وإنما انهيار الطريق الكامل الذي ينقل الطعام من الأرض إلى الإنسان.
الحرب ضربت الحقل أولًا
الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا في السودان.
تقول منظمة الأغذية والزراعة إن القطاع يوفر سبل العيش لنحو ثلثي السكان. لكن الحرب دمرت بنية زراعية كاملة: حقول أصبح الوصول إليها خطرًا، مخزونات تعرضت للنهب، أسواق تعطلت، وبنية تحتية تضررت، بينما نزح مزارعون وعمال من مناطق إنتاجهم.
وهكذا تبدأ رحلة الجوع قبل أن تصل السلعة إلى السوق.
المزارع يحتاج إلى الوقود والبذور والأسمدة والعمالة والتمويل والأمن.
إذا فقد واحدًا منها، ينخفض إنتاجه.
أما في السودان، فقد تعرضت عدة حلقات للضرب في الوقت نفسه.
وتشير أحدث نشرة لمنظمة الأغذية والزراعة، الصادرة في سبتمبر، إلى أن إنتاج الحبوب في 2025 جاء دون المتوسط بسبب نقص المدخلات الزراعية، بينما أصبحت توقعات محصول 2026 نفسها موضع قلق.
ثم جاءت السماء بمشكلة أخرى
لو كانت الحرب العامل الوحيد لكانت الأزمة شديدة بما يكفي.
لكن موسم 2026 أضاف عاملًا مناخيًا.
تقول «فاو» إن الأمطار التراكمية بين يونيو ومنتصف أغسطس جاءت دون المتوسط في معظم مناطق الزراعة، وإن النقص كان واضحًا بصورة خاصة في مناطق الإنتاج الرئيسية جنوب شرقي البلاد.
وفي ولايتي سنار والقضارف، اللتين تنتجان معًا في المتوسط نحو ربع محصول الذرة الرفيعة في السودان، انخفضت الأمطار بنحو 20% و30% على التوالي عن المتوسط طويل الأجل.
وهذا يعني أن السودان يواجه معادلة مزدوجة:
الحرب تقلص قدرة الناس على الزراعة، والمناخ يضغط على إنتاج من استطاعوا الزراعة أصلًا.
لكن من المهم عدم قلب ترتيب الأسباب.
الطقس عامل مضاعف للخطر، أما المحرك الرئيسي للأزمة الغذائية الحالية، وفق تقييم «فاو»، فهو الصراع المستمر منذ أبريل 2023.
الطعام قد يكون موجودًا.. لكن الطريق إليه مغلق
هذه واحدة من أكثر النقاط أهمية في فهم المجاعات الحديثة.
الجوع لا يعني دائمًا عدم وجود طعام في الدولة.
قد يوجد القمح أو الذرة أو الدخن في منطقة، بينما يعجز سكان منطقة أخرى عن الحصول عليه.
لماذا؟
لأن الطريق غير آمن.
أو لأن السوق تعطلت.
أو لأن الشاحنات لا تستطيع المرور.
أو لأن المنطقة محاصرة.
أو لأن تكلفة النقل رفعت سعر الطعام إلى مستوى لا يستطيع المواطن دفعه.
وتقول لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل إن القلق في السودان لا يتعلق بالنزوح وحده، بل أيضًا بـتعطيل الوصول إلى الغذاء والصحة والمياه وسبل العيش في مناطق القتال.
وتظهر آثار ذلك بصورة قاسية في دارفور وكردفان.
ففي الفاشر وكادقلي، أدت ظروف الحصار واضطراب الإمدادات إلى ارتفاعات هائلة في أسعار الذرة والدقيق، ووصلت أسعار الذرة والدخن في سوق الفاشر خلال فترات سابقة إلى أكثر من ضعفها خلال شهر واحد.
هنا يتحول الطريق نفسه إلى جزء من سعر الرغيف.
ثم انهارت قدرة الناس على الشراء
حتى عندما تصل السلعة إلى السوق، تبقى هناك مشكلة أخرى:
هل يستطيع المواطن شراءها؟
أحدث بيانات التضخم التي تناولتها «لقطة AI» تضع التضخم السنوي عند 26.14% في أغسطس، بينما يتعرض الجنيه لضغوط حادة.
وهنا يصبح الجوع مرتبطًا بالدخل بقدر ارتباطه بالإنتاج.
الأسرة التي كان راتبها يكفي لشراء جوال من الحبوب قد لا تستطيع اليوم شراء الكمية نفسها.
والأسرة التي نزحت قد تكون فقدت الراتب نفسه.
والمزارع قد يكون فقد الأرض أو المحصول.
والتاجر يضيف تكلفة الوقود والنقل والمخاطر وسعر الدولار إلى السلعة.
وهكذا يمكن أن تكون أكياس الطعام موجودة في السوق، بينما يكون بينها وبين الأسرة حاجز غير مرئي:
السعر.
ولهذا تشير «فاو» في أحدث تقييماتها إلى أن أسعار الحبوب ما تزال عند مستويات مرتفعة بصورة استثنائية.
النزوح لا ينقل الإنسان فقط.. بل يفصله عن رزقه
هناك نحو 8.6 مليون نازح داخليًا بحسب تقديرات نهاية يوليو التي أوردتها «فاو».
وهذا الرقم مهم اقتصاديًا بقدر أهميته الإنسانية.
عندما يهرب المزارع من قريته لا ينتقل جسده فقط.
يتوقف الحقل.
وتُترك الحيوانات.
وتضيع أدوات الإنتاج.
ويفقد العامل وظيفته.
ويغلق صاحب المتجر متجره.
ثم يصل الجميع إلى مدينة أو مخيم ويصبحون مستهلكين يحتاجون إلى الغذاء بدل أن يكون بعضهم منتجين له.
هذه واحدة من أخطر حلقات الأزمة السودانية:
الحرب تزيد عدد المحتاجين إلى الطعام في الوقت نفسه الذي تقلل فيه عدد القادرين على إنتاجه.
طويلة مثال حي
ما يحدث الآن في طويلة بشمال دارفور يقدم صورة مصغرة لهذه الدائرة.
الناس يصلون إليها هربًا من القتال، لكن بعض موجات النزوح الأخيرة أصبحت مرتبطة أيضًا بالجوع والعطش وفقدان سبل الحياة.
ثم يصل النازحون إلى تجمعات مكتظة تحتاج بدورها إلى مزيد من الماء والغذاء والمراحيض والرعاية الصحية.
إذا لم تزد الخدمات بالسرعة نفسها التي يزيد بها عدد السكان، تبدأ المرحلة التالية:
سوء التغذية.
ثم المرض.
وهنا لا يعود نقص الغذاء منفصلًا عن الكوليرا أو الإسهالات أو المياه الملوثة.
فالجسم الذي يعاني سوء التغذية يصبح أكثر هشاشة أمام المرض، والطفل المصاب بالإسهال يفقد العناصر الغذائية التي يحتاج إليها، فتتغذى الأزمتان على بعضهما.
وتقدر المنظمات الأممية أن نحو 825 ألف طفل سيعانون سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026.
لماذا لا تحل المساعدات المشكلة؟
المساعدات تستطيع إنقاذ الأرواح.
لكنها تواجه في السودان ثلاث مشكلات متزامنة: الوصول، والأمن، والتمويل.
في بعض مناطق القتال يصبح إيصال شاحنة غذاء عملية أمنية ولوجستية معقدة.
والطرق قد تتغير السيطرة عليها.
والعاملون الإنسانيون أنفسهم يواجهون المخاطر.
كما أن نقص التمويل يحد من قدرة الوكالات على توسيع عملياتها.
وتؤكد أحدث تقييمات IPC أن القيود على الوصول الإنساني ما تزال شديدة، وأنها لا تعرقل تقديم المساعدة فقط، وإنما تجعل جمع المعلومات نفسها أصعب في بعض المناطق الأكثر تضررًا.
وهذه نقطة خطيرة.
فقد تكون الأزمة أسوأ في الأماكن التي نعرف عنها أقل.
لماذا تحسن الرقم ولم تنته الأزمة؟
هناك مفارقة تحتاج إلى تفسير.
في أواخر 2024 كان نحو 24.6 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وكانت المجاعة قد رُصدت في عدة مناطق. أما أحدث تحليل فيضع العدد عند نحو 19.5 مليونًا.
هذا تحسن مهم في الرقم الإجمالي، لكنه لا يعني انتهاء الأزمة.
فالتصنيف الحالي نفسه يقول إن 135 ألف شخص ما زالوا في مستوى «الكارثة»، وإن 14 منطقة تواجه خطر المجاعة إذا ساءت الظروف. كما أن نقص البيانات خلال موسم الشح بين يونيو وسبتمبر يجعل بناء صورة وطنية كاملة أكثر صعوبة.
والأهم أن الجوع أصبح شديد التفاوت جغرافيًا.
قد تتحسن الأسواق في منطقة، بينما يعيش الناس في منطقة محاصرة على بعد مئات الكيلومترات واقعًا مختلفًا تمامًا.
لذلك فإن عبارة «السودان جائع» صحيحة في وصف حجم الكارثة، لكنها غير كافية لفهم خريطتها.
تفكيك الأزمة يقود إلى نتيجة واحدة
إذا جمعنا أجزاء الصورة، تصبح سلسلة الجوع السودانية واضحة:
تبدأ الحرب، فينزح المزارع.
ينخفض الإنتاج.
تتعطل الطرق والأسواق.
ترتفع تكلفة النقل.
يضعف الجنيه.
ترتفع الأسعار.
يفقد المواطن دخله.
تتعثر المساعدات.
ثم يأتي الجفاف أو ضعف الأمطار ليضغط على الموسم الزراعي التالي.
وفي النهاية تظهر النتيجة في جسد طفل مصاب بسوء التغذية.
لذلك فإن إرسال الغذاء، رغم ضرورته القصوى، يعالج الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة.
أما تفكيك أسباب الأزمة فيحتاج إلى إعادة فتح طرق الإمداد، وحماية الإنتاج الزراعي، وتأمين وصول المساعدات، واستعادة الأسواق والخدمات الصحية والمياه، ومنح المزارعين البذور والوقود والمدخلات التي تسمح لهم بالعودة إلى الحقول.
وقبل ذلك كله، يحتاج إلى تقليل العنف الذي يعيد إنتاج الأزمة في كل موسم زراعي جديد.
السودان يملك الأرض والماء والمزارع والخبرة الزراعية.
لكن الطعام يحتاج إلى أكثر من أرض خصبة.
يحتاج إلى مزارع يستطيع الوصول إلى حقله، وشاحنة تستطيع عبور الطريق، وسوق يستطيع العمل، وعملة تستطيع شراء السلعة، وأسرة تمتلك دخلًا يكفي للحصول عليها.
ولهذا فإن السؤال في السودان لم يعد: أين الطعام؟
السؤال الأصعب هو: كم حاجزًا أصبح يقف بين الطعام والجائع؟
محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات