محررو لقطة – 7
3 أكتوبر 2026
لم تكن سيطرة الجيش السوداني على منطقة المزروب في شمال كردفان، الجمعة، مجرد إضافة بلدة جديدة إلى خريطة انتشاره العسكري. فالموقع الذي انتقلت السيطرة عليه بعد معارك مع قوات الدعم السريع يقع على واحد من المحاور التي تمنح الحركة بين شمال كردفان وغربها قيمة عسكرية تتجاوز المساحة الجغرافية للمنطقة نفسها، خصوصًا أن التطور جاء بعد أيام قليلة من تقدم الجيش في سودري وأم شرو ومناطق أخرى شمالي الولاية.
وأعلن الجيش أن قواته والقوات المساندة لها سيطرت على المزروب بعد معارك وصفها بـ«الشرسة»، وقال إنه ألحق بقوات الدعم السريع خسائر في الأفراد والمركبات، من دون إعلان أرقام يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. وحتى وقت نشر التقارير الأولى عن المعارك، لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على إعلان الجيش السيطرة على المنطقة. وأظهرت مقاطع مصورة راجعها «راديو تمازج» مقاتلين تابعين للجيش والقوات المتحالفة معه داخل المزروب.
أهمية المزروب تبدأ من موقعها. فالمنطقة تقع في محلية غرب بارا بشمال كردفان، على مسافة تقارب 90 كيلومترًا غرب بارا، وتمثل نقطة اتصال بين شمال كردفان وغرب كردفان. وقال متحدث عسكري إن السيطرة عليها تدخل ضمن مساعي قطع خطوط إمداد الدعم السريع، بينما تشير تقارير ميدانية إلى أن الطرق الصحراوية المحيطة بها استُخدمت في تحريك المقاتلين والإمدادات بين كردفان ودارفور.
وهنا تظهر الدلالة الأوسع للعملية. فالحرب في كردفان لم تعد معركة على المدن وحدها، وإنما باتت إلى حد كبير معركة طرق وإمداد. الطرف الذي يسيطر على عقد الطرق يستطيع نقل القوات والوقود والذخائر بسرعة أكبر، ويجبر خصمه في المقابل على استخدام طرق أطول وأكثر عرضة للرصد والهجوم. ولهذا اعتبر محلل عسكري تحدث لـ«راديو تمازج» أن الأهمية المتزايدة للقتال في كردفان ترتبط بالسيطرة على طرق الحركة أكثر من ارتباطها بالاستحواذ على بلدة بعينها.
وتزداد أهمية المزروب عند وضعها إلى جوار التطورات التي سبقتها. ففي 25 سبتمبر أعلن الجيش السيطرة على سودري، ثم أعلن في اليوم التالي السيطرة على أم شرو، بعدما كان قد تحدث قبل ذلك عن استعادة 11 منطقة في شمال كردفان. وبهذا يصبح التقدم نحو المزروب جزءًا من حركة أوسع، لا عملية معزولة، هدفها توسيع نطاق السيطرة شمال وغرب الولاية وتقليص المساحة التي تستطيع قوات الدعم السريع التحرك عبرها بحرية.
لكن السؤال الأكبر هو: هل يعني ذلك أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام الجيش نحو غرب كردفان ثم دارفور؟
عسكريًا، توفر السيطرة على المزروب للجيش موقعًا أفضل للضغط غربًا، وهو ما دفع غرفة طوارئ دار حمر إلى القول إن السيطرة على المنطقة تفتح طريقًا باتجاه ولاية غرب كردفان. كما أن تثبيت وجود الجيش في هذا القطاع يمكن أن يسمح له بتوسيع عملياته إلى مناطق لا تزال تشهد وجودًا لقوات الدعم السريع، وإجبار الأخيرة على إعادة توزيع قواتها لحماية خطوطها الممتدة بين كردفان ودارفور. لكن وصف الطريق إلى دارفور بأنه أصبح «مفتوحًا» سيكون سابقًا لأوانه، لأن السيطرة على نقطة مهمة لا تعني وحدها السيطرة على سلسلة طويلة من الطرق والمناطق الممتدة غربًا.
ويظل العامل الحاسم هو تثبيت السيطرة. فالاستيلاء على منطقة أثناء هجوم سريع يختلف عن القدرة على الاحتفاظ بها وتأمين طرق الوصول إليها ومنع الهجمات المضادة. وستكون مراقبة التحركات التالية للجيش أكثر أهمية من إعلان السيطرة نفسه: هل يتجه غربًا؟ هل يربط قواته الموجودة في سودري بالمحاور الأخرى؟ وهل يستطيع الحفاظ على خطوط إمداده عبر المسافات الواسعة لشمال كردفان؟
في المقابل، قد تدفع خسارة المزروب قوات الدعم السريع إلى تعديل انتشارها والاعتماد على طرق بديلة أو محاولة استعادة المنطقة. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية للمزروب لن تُقاس فقط بمن يرفع رايته داخلها اليوم، وإنما بمن يستطيع التحكم في الطرق المحيطة بها خلال الأسابيع المقبلة.
كما أن التحولات العسكرية تحمل كلفة مباشرة على المدنيين. فقد ظلت شمال كردفان خلال الأشهر الماضية واحدة من بؤر النزوح المتصاعد، وقالت الأمم المتحدة في أغسطس إن أكثر من 107 آلاف نازح كانوا موجودين في محلية شيكان وحدها، بينهم أكثر من 83 ألفًا في مدينة الأبيض، في وقت حذرت فيه من تأثير القتال على الخدمات الإنسانية ووصول المساعدات.
لهذا فإن أي توسع جديد للعمليات العسكرية غربًا يضع القرى ومسارات النزوح وطرق الإغاثة أمام مخاطر إضافية، حتى عندما يتغير ميزان السيطرة على الأرض. وقد شددت الأمم المتحدة مرارًا على التزام طرفي الحرب بحماية المدنيين والبنية التحتية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
ما حدث في المزروب إذن يمثل تغييرًا مهمًا في خريطة العمليات بشمال كردفان، خصوصًا لأنه يأتي ضمن سلسلة تقدمات للجيش بدأت قبل الوصول إليها. وإذا استطاع الجيش تثبيت سودري والمزروب وربطهما بمحاوره الأخرى، فقد يزداد الضغط على خطوط الدعم السريع الممتدة باتجاه غرب كردفان ودارفور. أما إذا تحولت المنطقة إلى ساحة كر وفر، فإن دلالتها ستظل تكتيكية أكثر منها تحولًا استراتيجيًا حاسمًا.
المعركة الحقيقية التي بدأت تتضح في كردفان ليست فقط: من يسيطر على المدينة التالية؟ بل من يسيطر على الطريق الذي يصل الوسط بالغرب، ومن يستطيع إبقاء قواته وإمداداته تتحرك عليه؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال قد تتحدد المرحلة المقبلة من حرب كردفان، وربما الطريق الذي ستسلكه الحرب نفسها باتجاه دارفور.
محررو لقطة – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات