محررو لقطة AI – 3
4 أكتوبر 2026
في واحدة من أكبر موجات العودة منذ اندلاع الحرب، سجلت المنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من 1.1 مليون شخص إلى السودان من دول الجوار خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 وحتى نهاية أغسطس 2026، في تحول ديموغرافي وإنساني لافت يحدث بينما لا تزال الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد.
وبحسب أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة، بلغ عدد الأشخاص الذين عبروا إلى السودان عبر سبع نقاط حدودية 1,110,605 أشخاص، جاء نحو 80% منهم من مصر، فيما عاد 20% من تشاد، وأقل من 1% من كل من إثيوبيا وإريتريا.
وتشمل نقاط الرصد معبري أشكيت وأرقين على الحدود مع مصر، والقلابات–متيما على الحدود الإثيوبية، واللفة في كسلا على الحدود مع إريتريا، إلى جانب أدريكونق قرب الجنينة وأم دخن والطينة على الحدود مع تشاد.
لكن الرقم الكبير لا يروي القصة كاملة.
فالعودة إلى السودان لا تعني بالضرورة أن أكثر من مليون شخص عادوا لأن الحرب انتهت أو لأن الظروف أصبحت آمنة في جميع مناطق البلاد. بيانات المنظمة نفسها تكشف أن دوافع الحركة أكثر تعقيدًا، وأن جزءًا من العائدين لا يزال يعيش حالة انتقال وعدم يقين.
أكثر من نصفهم يقولون إن الأمن تحسن
بحسب استطلاعات المنظمة، قال نحو 54% ممن عبروا الحدود إن تحسن الوضع الأمني في مناطقهم الأصلية كان أحد الأسباب الرئيسية للعودة.
لكن هناك أسبابًا أخرى: 21% أشاروا إلى زيارات عائلية، و20% إلى فرص العمل والتجارة داخل السودان، كما ذكر 20% صعوبات قانونية واجهوها خارج البلاد. ويمكن للمستجيب الواحد ذكر أكثر من سبب، ولذلك لا ينبغي جمع هذه النسب باعتبارها أجزاءً من إجمالي واحد.
وهذه التفاصيل مهمة لأنها تمنع قراءة الرقم باعتباره ببساطة «عودة طوعية بسبب انتهاء الخطر».
فبعض السودانيين يعودون لأن مدنهم أصبحت أكثر هدوءًا، بينما يعود آخرون بعدما تقلصت قدرتهم على تحمل تكاليف الحياة في دول اللجوء، أو بسبب أوضاع الإقامة والعمل، أو بحثًا عن فرصة اقتصادية داخل البلاد.
مصر وحدها تمثل أربعة أخماس العودة
ربما تكون هذه أبرز دلالة في التقرير.
نحو 80% من العائدين جاءوا من مصر.
وإذا طبقنا النسبة على العدد الإجمالي، فنحن نتحدث عن قرابة 888 ألف شخص عبروا من مصر إلى السودان خلال الفترة التي يغطيها الرصد.
وهذا يعكس حجم الحركة البشرية التي نشأت بين البلدين منذ اندلاع الحرب، لكنه يعني أيضًا أن أي تغير في ظروف الإقامة والعمل وتكاليف المعيشة وحركة الحدود في مصر يمكن أن ينعكس مباشرة على معدلات العودة إلى السودان.
أما تشاد، التي استقبلت أعدادًا ضخمة من الفارين من دارفور، فجاء منها نحو 20% من العائدين الذين سجلتهم نقاط الرصد.
العودة لا تسير في اتجاه واحد
هناك رقم آخر ربما يكون أكثر أهمية من رقم المليون نفسه.
تقول المنظمة إن نحو 68% من الأشخاص الذين عبروا إلى السودان كانوا ينوون العودة إلى مناطقهم الأصلية خلال الأشهر الثلاثة التالية، بينما قال 21% إنهم يعتزمون الانتقال إلى مكان آخر داخل السودان، و11% كانوا يخططون للتحرك مرة أخرى إلى خارج البلاد.
وهذا يكشف أن حركة السكان ليست خطًا مستقيمًا من «اللجوء» إلى «العودة».
هناك أسر تدخل السودان ثم تنتقل إلى ولاية أخرى، وأخرى تختبر الظروف في مناطقها الأصلية قبل اتخاذ قرار الاستقرار، وبعض الأشخاص قد يغادرون البلاد مرة أخرى إذا لم يجدوا الأمن أو الخدمات أو فرص المعيشة.
ولهذا تستخدم المنظمة بيانات حركة عبور الحدود، وهي ليست بالضرورة مساوية لعدد الأشخاص الذين عادوا واستقروا بصورة دائمة في منازلهم.
مليون إنسان يعودون إلى ماذا؟
هذا هو السؤال الأصعب.
المنظمة الدولية للهجرة نفسها تحذر من أن مناطق العودة لا تزال تعاني أضرار الحرب ونقص الخدمات الأساسية، بما في ذلك المساكن والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية. وفي الوقت نفسه يستمر النزوح الجديد من مناطق القتال، خصوصًا في دارفور وكردفان.
فالأسرة التي تعود إلى الخرطوم مثلًا قد تجد منزلًا متضررًا وشبكة كهرباء أو مياه لم تستعد عملها بالكامل، فضلًا عن مخاطر الذخائر غير المنفجرة في بعض المناطق.
أما العودة إلى أجزاء من دارفور أو كردفان فتطرح مشكلة أكثر تعقيدًا، لأن خطوط القتال نفسها لا تزال تتحرك.
وبذلك يعيش السودان ظاهرتين متناقضتين في اللحظة نفسها: ناس يعودون إلى مناطق هدأت، وناس يفرون من مناطق اشتعلت.
العودة قد تكون بداية أزمة أخرى
العودة الجماعية خبر إيجابي عندما تكون طوعية وآمنة ومستدامة، لكنها تضع ضغطًا هائلًا على المدن التي تستقبل السكان من جديد.
كل أسرة عائدة تحتاج إلى منزل ومياه وكهرباء ومدرسة للأطفال ومرفق صحي وفرصة للحصول على دخل.
وإذا كانت أعداد السكان ترتفع بسرعة أكبر من قدرة الخدمات على العودة، فقد تتحول العودة من مؤشر تعافٍ إلى أزمة جديدة داخل المدن.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام السلطات والمنظمات الإنسانية: لم يعد المطلوب فقط مساعدة النازحين واللاجئين، وإنما أيضًا إعادة بناء الخدمات في المناطق التي يعودون إليها.
الرقم الكبير يحمل رسالة أخرى
قبل أشهر فقط كانت صورة السودان في تقارير الهجرة الدولية مرتبطة أساسًا بأعداد الذين يغادرونه.
الآن ظهر اتجاه معاكس يمكن قياسه بوضوح.
في يونيو الماضي كان عدد العابرين عائدين من دول الجوار منذ يناير 2024 نحو 953,964 شخصًا. وبنهاية أغسطس تجاوز الرقم 1.11 مليون. وهذا يعني إضافة أكثر من 156 ألف حركة عودة مسجلة خلال شهرين فقط.
لكن الوصول إلى المليون ليس إعلانًا بأن أزمة النزوح انتهت.
بل هو بداية سؤال أصعب:
هل يستطيع السودان أن يجعل العودة مستدامة، أم أن بعض هؤلاء سيجدون أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة؟
الإجابة لن تحددها أرقام المعابر وحدها، وإنما الأمن والخدمات والعمل وقدرة المدن والقرى المدمرة على استقبال سكانها من جديد.
محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات