الجمعة، 16 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

أين اختفت المصانع؟.. رحلة رأس المال السوداني من خطوط الإنتاج إلى الهجرة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

أين اختفت المصانع؟.. رحلة رأس المال السوداني من خطوط الإنتاج إلى الهجرة
💬 تعليق 0

الحلقة الثالثة والأخيرة: هل تعود الماكينات؟.. المعركة لاسترداد رأس المال السوداني

تحقيق استقصائي

محررو لقطة AI – 13

5 أكتوبر 2026

في أبريل 2026، عاد صوت الماكينات إلى المصنع السوداني الماليزي للصناعات الفولاذية في الخرطوم. أعلنت الحكومة استئناف الإنتاج، وقالت إن المصنع وصل إلى طاقة تقدر بنحو عشرة آلاف طن من الحديد شهريًا، بينما تحدث رئيس مجلس إدارته في إفادة أخرى خلال الفترة نفسها عن إنتاج أولي بلغ نحو سبعة آلاف طن شهريًا وخطة للوصول إلى 12 ألف طن. وبصرف النظر عن اختلاف الأرقام المرتبط على الأرجح بمرحلة القياس، كانت عودة المصنع تحمل دلالة تتجاوز إنتاج الحديد نفسه: بعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبح من الممكن تشغيل مصنع كبير في الخرطوم من جديد. (Sudan Government⁠)

لكن الرجل نفسه الذي أعلن عودة مصنعه قدم رقمًا يجعل الاحتفال أكثر تعقيدًا. فقد قال عاطف عبد القادر، القيادي باتحاد الغرف الصناعية، إن نحو 10% فقط من المصانع السودانية كانت قد عادت إلى التشغيل حتى أواخر أبريل 2026. وهو تقدير قطاعي وليس تعدادًا صناعيًا شاملًا، لكنه يكشف حجم المسافة بين عودة مصنع واحد وعودة القطاع الصناعي بأكمله. (Sudan Tribune⁠)

في الحلقتين السابقتين من هذا التحقيق تتبعنا هذه المسافة من طرفيها. بدأنا بالمصانع التي دمرتها الحرب أو نهبت معداتها أو توقفت لأن الكهرباء والتمويل والعمال وسلاسل التوريد انهارت من حولها، ثم عبرنا الحدود وراء جزء من رأس المال السوداني الذي أعاد تأسيس نشاطه في مصر وأسواق إقليمية أخرى.

والآن نعود إلى السودان بسؤال مختلف: ما الذي يحتاجه المستثمر حتى يعيد الماكينات معه؟

العودة بدأت.. لكن الدمار أسرع من الإصلاح

لا تبدأ الإجابة من الصفر. فهناك بالفعل منشآت صناعية عادت إلى العمل، وأخرى تخضع لإعادة التأهيل.

في نهاية أغسطس 2026، كانت مجموعة جياد للصناعات الهندسية في منطقة الباقير تعمل على إعادة تأهيل مصانعها وخطوط إنتاجها. وخلال زيارة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان للمجموعة، قدمت إدارة جياد شرحًا للأضرار التي أصابت منشآتها وخطط إعادة تشغيل قطاعاتها المختلفة. وما أعلنته المجموعة يعكس صورة تتكرر في عدد من المنشآت: المصنع لم يختفِ، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء قدرته الإنتاجية تدريجيًا. (Suna⁠)

وفي الخرطوم بحري، وثقت رويترز منذ أواخر 2025 عودة مهندسين وعمال إلى بعض المصانع ومحاولتهم إصلاح معدات تعرضت للنهب والتخريب. كانت تلك المشاهد مهمة لأنها قدمت صورة مختلفة عن صور الخراب التي سيطرت على المدينة طوال الحرب: عمال يقفون مرة أخرى أمام الماكينات، لكنهم يعملون وسط آثار الدمار ويحاولون استعادة ما يمكن استعادته. تقرير رويترز عن محاولات إعادة تشغيل مصانع الخرطوم⁠

هذه العودة، على أهميتها، لا تلغي حجم المشكلة. فبيانات وزارة الصناعة التي نقلها اتحاد الغرف الصناعية تشير إلى تضرر نحو 1,800 منشأة صناعية، بينها قرابة 650 مصنعًا دمرت بالكامل، فيما تراوحت تقديرات خسائر القطاع بين 50 و58 مليار دولار. وهي، كما أوضحنا في الحلقة الأولى، تقديرات حكومية وقطاعية وليست جردًا محاسبيًا مستقلاً لكل منشأة. (Sudan Tribune⁠)

لذلك لا ينبغي قياس التعافي بعدد المصانع التي أقيمت فيها مراسم إعادة تشغيل، وإنما بنسبة ما عاد فعليًا إلى إنتاج مستقر وقادر على الاستمرار.

لماذا يمكن إصلاح الماكينة ولا يعود المصنع؟

قد يبدو الحل مباشرًا: تمويل إعادة الإعمار، استيراد الآلات، ثم تشغيل المصانع. لكن شهادات الصناعيين تكشف أن الأمر أكثر تعقيدًا.

أشار عاطف عبد القادر إلى أن بعض المصانع واجهت تأخيرات تجاوزت 310 أيام في عمليات إعادة التشغيل، رغم أن المدة المقدرة في البداية كانت نحو 50 يومًا. ومن العقبات التي ذكرها إجراءات استيراد قطع الغيار، وشهادات المنشأ، ورسوم التخزين في الموانئ، وصعوبة الحصول على المواد الخام والإجراءات المصرفية. (Sudan Tribune⁠)

وهذه العقبات تكشف أن المصنع لا يتعافى داخل أسواره وحدها. يمكن لصاحبه إصلاح خط الإنتاج، لكن ذلك لن يكفي إذا كانت الكهرباء غير مستقرة أو إذا تعذر تمويل المادة الخام أو تأخر استيراد قطعة غيار في الميناء أو أصبحت تكلفة النقل أعلى من قدرة المنتج على المنافسة.

وكل يوم يبقى فيه المصنع متوقفًا يضيف تكلفة جديدة. الأجور والصيانة والحراسة والتمويل لا تختفي بالضرورة، بينما يفقد المنتج حصته في السوق لمصلحة البديل المستورد أو المنتج الذي أصبح يصنع خارج السودان.

ومن هنا تصبح سرعة إعادة التشغيل جزءًا من السياسة الصناعية نفسها، وليست مجرد مسألة إدارية.

المال.. العقدة التي تسبق الماكينة

بعد الحرب، يحتاج المصنع إلى نوعين من التمويل في الوقت نفسه. الأول لإصلاح ما دمر، والثاني لتوفير رأس المال التشغيلي الذي يشتري المواد الخام ويدفع الأجور والطاقة والنقل حتى تبدأ دورة الإنتاج من جديد.

لكن هذا يحدث في اقتصاد تعرض لانكماش حاد. ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن الحرب قلصت الاقتصاد السوداني بأكثر من 40% وأدت إلى إغلاق نحو ثلث الشركات. (UNDP⁠)

وفي سبتمبر 2026، عندما جمع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة المالية مسؤولين ومؤسسات مالية وشركات وتجارًا وشركاء دوليين في الخرطوم لبحث التعافي الاقتصادي، كانت المشكلات التي وضعت على الطاولة واضحة: محدودية الوصول إلى التمويل، واضطراب طرق التجارة، وارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التنسيق بين الأطراف المختلفة. (UNDP⁠)

وهذا يعني أن المستثمر الذي يفكر في إعادة مصنع بملايين الدولارات لا ينظر فقط إلى ما إذا كانت المنطقة آمنة اليوم. يريد أن يعرف كيف سيمول شراء الماكينات، وكيف سيحصل على العملة الأجنبية لاستيراد المدخلات، وهل يستطيع التأمين على أصوله، وكيف يحول الأموال، وما إذا كان قادرًا على توقع تكلفة الإنتاج بعد ستة أشهر أو سنة.

وتزداد صعوبة هذه الحسابات مع اضطراب العملة. ففي سبتمبر 2026، وثقت رويترز تراجعًا حادًا جديدًا للجنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وقالت إن سعر الدولار في السوق الموازية ارتفع من نحو 4,100 جنيه في مايو إلى قرابة 7,500 جنيه في سبتمبر. بالنسبة إلى مصنع يعتمد على مواد خام أو قطع غيار مستوردة، لا يبقى انهيار العملة رقمًا في سوق الصرف؛ بل ينتقل مباشرة إلى تكلفة الإنتاج. (Reuters⁠)

المعركة الحقيقية هي تكلفة المخاطرة

هنا نصل إلى القضية التي تربط هذه الحلقة بما كشفناه في الحلقة الثانية.

المستثمر الذي ظل داخل السودان لا يقارن وضعه بما كان عليه قبل الحرب فقط. بعض المستثمرين أصبح لديهم الآن بديل فعلي في الخارج.

من أعاد تأسيس مصنع أو شركة في مصر، أو أصبح يدير سيولته من الإمارات، أو بنى شبكة جديدة للموردين والعملاء، لن يتخذ قرار العودة على أساس الحنين وحده. سيضع تكلفة الكهرباء والتمويل والنقل والتأمين والضرائب والجمارك وسعر الصرف أمام تكلفة التشغيل في البلد الذي انتقل إليه.

وهذا لا يعني أن المستثمر لن يعود. لكنه يعني أن السودان أصبح ينافس على استعادة رأس ماله.

وهذه نقطة جوهرية ربما تغيب عندما يختصر النقاش في عبارة «عودة المستثمرين». فالاستثمار لا يعود بقرار إداري، ولا بمجرد انتهاء المواجهة العسكرية في منطقة معينة. إنه يعود عندما تصبح المخاطر قابلة للحساب والعائد قادرًا على تعويضها.

ماذا يحتاج المصنع حتى يعود؟

تكشف الوقائع التي جمعناها خلال الحلقات الثلاث أن العقبات ليست منفصلة عن بعضها. إصلاح الكهرباء دون إصلاح النظام المصرفي لا يكفي، وتوفير التمويل دون استقرار سعر الصرف لا يحل المشكلة، وإعفاء المعدات من بعض الرسوم لن يكون حاسمًا إذا بقي نقل المواد الخام مكلفًا أو ظلت المنشأة غير قابلة للتأمين.

ولهذا فإن إعادة الصناعة تحتاج إلى حزمة واحدة تبدأ بحصر دقيق للمصانع المتضررة وتحديد ما يمكن إصلاحه، ثم فتح مسار سريع وشفاف لاستيراد الآلات وقطع الغيار ومدخلات الإنتاج، وإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والطرق في المناطق الصناعية، وتوفير أدوات تمويل وضمان للمصانع القابلة للحياة.

ويأتي التأمين في قلب هذه المعادلة. فالمستثمر الذي فقد مصنعًا كاملًا في الحرب سيجد صعوبة في ضخ رأسمال جديد إذا لم يستطع حماية الاستثمار من خسارة مماثلة. وكلما ارتفعت المخاطر غير القابلة للتأمين، ارتفع العائد الذي سيطلبه رأس المال أو اختار مكانًا آخر.

كما يحتاج السودان إلى معالجة مشكلة لا تظهر في صور إعادة افتتاح المصانع: العمالة التي تفرقت خلال الحرب. عودة المهندسين والفنيين وأصحاب الخبرات تحتاج بدورها إلى السكن والخدمات والتعليم والصحة والنقل والأمان، لأن العامل لا يعود إلى ماكينة في فراغ، وإنما يعود إلى مدينة يستطيع أن يعيش فيها.

هل يمكن جذب المال الذي خرج؟

خلال سبتمبر 2026 ظهرت إشارة مهمة إلى أن العلاقة مع رأس المال السوداني في الخارج يمكن أن تتحول من الحديث عن «الهجرة» إلى محاولة إشراكه في إعادة البناء.

فقد نظمت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «يونيدو» بعثة للقطاع الخاص إلى بورتسودان وكسلا والقضارف ضمت 17 شركة أوروبية وشركات يقودها سودانيون في المهجر، والتقت بنحو 200 من أصحاب الأعمال المحليين. وتركزت المهمة على التصنيع الزراعي والآلات الزراعية والطاقة المتجددة والتبريد والمياه وإنتاج الغذاء. (UNIDO ITPO Germany⁠)

المهم في هذه المبادرة ليس عدد المشاركين وحده، بل طبيعة القطاعات التي استهدفتها. ففي القضارف وكسلا ركزت الزيارات على سلاسل القيمة الزراعية والتصنيع المحلي للمحاصيل، وعلى تقنيات يمكن أن تزيد القيمة المضافة داخل السودان بدل تصدير المواد الخام ثم شراء المنتجات المصنعة بسعر أعلى. (UNIDO ITPO Germany⁠)

هذه النقطة تعيدنا مباشرة إلى إحدى أهم نتائج الحلقة الثانية. فالمشكلة ليست فقط في مكان إقامة صاحب رأس المال، وإنما في المكان الذي تحدث فيه القيمة المضافة.

يمكن لرجل الأعمال السوداني أن يعيش في القاهرة أو دبي وأن يظل استثماره مفيدًا للاقتصاد السوداني إذا كان يمول مصنعًا داخل البلاد. والعكس صحيح: قد يعيش المستثمر داخل السودان بينما يضع استثماره الإنتاجي الجديد في الخارج.

إذن، المعركة ليست لإعادة الأشخاص بقدر ما هي لإعادة الإنتاج.

من تصدير السمسم إلى تصنيع السمسم

هذه الفكرة مهمة خصوصًا لاقتصاد يمتلك موارد زراعية ومعدنية كبيرة.

إذا خرج السمسم أو الصمغ أو الحبوب أو الثروة الحيوانية في صورتها الأولية، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة التي يمكن إضافتها عبر التنظيف والتعبئة والتصنيع والتخزين والتسويق ينتقل إلى الاقتصاد الذي يقوم بهذه العمليات.

ولهذا ركزت بعثة يونيدو الأخيرة على معالجة الحبوب والسمسم والتصنيع الزراعي وسلاسل التبريد والطاقة، وعلى ربط الشركات المحلية بالتكنولوجيا والاستثمار الخارجي. (UNIDO ITPO Germany⁠)

وهنا يمكن أن تتحول إعادة الإعمار من محاولة استعادة المصانع القديمة فقط إلى فرصة لتغيير بنية الصناعة نفسها. فإعادة مصنع بالطريقة التي كان يعمل بها قبل الحرب قد تعيد جزءًا من الاقتصاد السابق، لكنها لن تكون كافية إذا كان ذلك الاقتصاد نفسه يعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد نسبة كبيرة من السلع المصنعة.

السؤال الأوسع إذن ليس: كيف نعيد مصنع 2023؟

بل: أي صناعة يريد السودان بناءها بعد 2026؟

العودة ليست إلى الخرطوم فقط

الحرب كشفت أيضًا مشكلة التركيز الجغرافي للصناعة.

كان وجود جزء كبير من المصانع والخدمات المالية والإدارية في العاصمة أحد الأسباب التي جعلت ضربة الحرب شديدة. ولذلك فإن إعادة بناء القاعدة الصناعية بالطريقة الجغرافية نفسها قد تعيد إنتاج الهشاشة ذاتها.

وما حدث خلال الحرب يقدم بديلًا جزئيًا. فقد انتقلت أعمال إلى بورتسودان وكسلا والقضارف وعطبرة ومناطق أخرى، وأصبحت ولايات شرق السودان أكثر أهمية في شبكات التجارة والإنتاج.

وبعثة يونيدو في سبتمبر لم تتركز في الخرطوم، بل تحركت بين بورتسودان وكسلا والقضارف، حيث توجد الزراعة والموانئ وطرق التجارة وإمكانات التصنيع الغذائي. (UNIDO ITPO Germany⁠)

إذا تحولت هذه التجربة إلى سياسة طويلة المدى، فقد يصبح التعافي فرصة لبناء خريطة صناعية أقل تركيزًا في العاصمة، بحيث ترتبط الصناعات بمناطق الإنتاج الزراعي والموانئ والأسواق، بدل إعادة كل شيء إلى المكان نفسه الذي كان فيه قبل الحرب.

لكن لا ينبغي الخلط بين المبادرات والتعافي

وجود منتدى اقتصادي أو بعثة استثمارية أو إعادة افتتاح مصنع لا يعني أن القطاع الصناعي تعافى.

هذه نقطة ضرورية لأن مرحلة ما بعد الدمار كثيرًا ما تنتج أرقامًا عن المشروعات والاتفاقيات والزيارات، بينما المعيار الحقيقي أكثر صرامة: كم مصنعًا ينتج بصورة منتظمة؟ كم عاملًا عاد إلى وظيفته؟ ما حجم الإنتاج مقارنة بما قبل الحرب؟ كم تبلغ الصادرات الصناعية؟ وما نسبة المواد الخام السودانية التي أصبحت تصنع داخل البلاد بدل خروجها في صورتها الأولية؟

حتى سبتمبر 2026، لا توجد قاعدة بيانات عامة متكاملة تجيب عن كل هذه الأسئلة، فيما يظل تقدير أن نحو 10% فقط من المصانع قد عادت إلى التشغيل مؤشرًا على أن الطريق ما زال طويلًا. (Sudan Tribune⁠)

ولهذا فإن أحد أهم متطلبات التعافي قد لا يكون مصنعًا جديدًا، وإنما قاعدة بيانات صناعية موثوقة تعرف الدولة والمستثمر من خلالها ما دمر، وما عاد، وما يحتاج إلى تمويل، وما انتقل إلى الخارج، وما يمكن استعادته.

من دون ذلك ستظل الدولة تتحدث عن «إعادة الصناعة» بينما لا تعرف بدقة حجم الصناعة التي تحاول إعادتها.

ثلاث سنوات.. وثلاث خرائط للصناعة السودانية

بعد تتبع هذا الملف عبر الحلقات الثلاث، تظهر أمامنا ثلاث خرائط مختلفة.

الأولى هي خريطة ما قبل أبريل 2023: صناعة تتركز بدرجة كبيرة في العاصمة وتعتمد على شبكة من المصارف والموانئ والطاقة والعمال وسلاسل الإمداد.

الثانية صنعتها الحرب: مصانع دمرت أو نهبت، شركات انتقلت إلى مناطق أكثر أمنًا، عمال تفرقوا، ورأس مال عبر الحدود. وفي بعض الحالات انتقل الإنتاج إلى مصر، بينما لعبت الإمارات دورًا أوضح في شبكات السيولة والإدارة والتجارة، وظهرت وجهات أخرى للمشروعات ورواد الأعمال.

أما الخريطة الثالثة فلم تكتمل بعد.

إنها الخريطة التي ستحددها القرارات التي تتخذ الآن: هل يعاد تركيز الصناعة في الخرطوم؟ هل تنشأ مراكز إنتاج جديدة في الولايات؟ هل تستخدم أموال السودانيين في الخارج لإعادة التصنيع داخل البلاد؟ وهل تستطيع المصانع المحلية منافسة الشركات التي أعادت بناء نفسها في أسواق أكثر استقرارًا؟

هذه ليست أسئلة نظرية. الإجابة عنها ستحدد أين ستكون الوظائف والضرائب والقيمة المضافة خلال السنوات المقبلة.

أين اختفت المصانع؟

بدأ هذا التحقيق بسؤال بسيط في ظاهره: أين اختفت المصانع؟

بعد ثلاث حلقات، أصبحت الإجابة أكثر وضوحًا، لكنها ليست رقمًا واحدًا ولا دولة واحدة.

بعض المصانع تحول إلى ركام. بعضها بقي قائمًا لكن الماكينات توقفت. بعضها فقد معداته وعماله. بعضها انتقل إلى مناطق أخرى داخل السودان. وبعض رأس المال عبر الحدود وأعاد بناء نشاطه في مصر أو استقر ماليًا وإداريًا في أسواق إقليمية أخرى.

وفي المقابل، بدأت ماكينات أخرى تدور من جديد في الخرطوم والباقير ومناطق أخرى، بينما تحاول مؤسسات دولية وقطاع الأعمال فتح قنوات جديدة للتمويل والتكنولوجيا والاستثمار. (UNIDO ITPO Germany⁠)

لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد أين اختفت المصانع، وإنما أين ستدور الماكينات في السنوات المقبلة؟

إذا دارت في السودان، سيعود معها جزء من الوظائف والقيمة المضافة والضرائب والخبرة الصناعية. وإذا ظلت في الخارج، فقد يستمر رأس المال السوداني في النجاح والنمو، لكن جانبًا متزايدًا من ثماره الاقتصادية سيولد خارج البلد الذي خرج منه.

الحرب تستطيع أن تدمر المصنع في يوم واحد. أما إعادة بناء الثقة التي تجعل صاحبه يضع أمواله فيه مرة أخرى، فقد تحتاج إلى سنوات.

وهذا ربما يكون الاختبار الأصعب لمرحلة ما بعد الحرب: ليس إعادة الجدران التي سقطت، وإنما بناء اقتصاد يجعل المستثمر الذي وجد بديلًا خارج السودان ينظر إلى الداخل مرة أخرى ويجد سببًا اقتصاديًا كافيًا للعودة.

محررو لقطة AI – 13

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً