الجمعة، 16 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الذهب يضخ 2.3 مليار دولار في اقتصاد الحرب.. لكن كم يفقد السودان خارج القنوات الرسمية؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الذهب يضخ 2.3 مليار دولار في اقتصاد الحرب.. لكن كم يفقد السودان خارج القنوات الرسمية؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 3
7 أكتوبر 2026

حقق السودان حصائل بلغت 2.292 مليار دولار من صادرات الذهب عبر القنوات الرسمية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، في واحد من أبرز المؤشرات الاقتصادية التي أعلنت منذ اندلاع الحرب، بينما تجاوز قطاع التعدين مستهدفاته السنوية في الإنتاج والإيرادات قبل نهاية العام بثلاثة أشهر. غير أن الأرقام القياسية، على أهميتها لاقتصاد يعاني نقص النقد الأجنبي وتراجع قطاعات إنتاجية واسعة، تعيد إلى الواجهة سؤالًا ظل ملازمًا للذهب السوداني لسنوات: كم من المعدن الذي تنتجه البلاد يصل فعلًا إلى الخزانة والقنوات الرسمية، وكم منه ما يزال يتسرب عبر التهريب والأسواق الموازية؟

وأعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي الجهة الحكومية المشرفة والمنظمة لقطاع التعدين، أن الأداء التراكمي من يناير وحتى نهاية سبتمبر أظهر وصول حصائل صادرات الذهب إلى 2.292 مليار دولار. كما بلغت الإيرادات المحلية للشركة تريليونًا و886 مليار جنيه، بما يعادل 131% من المستهدف الموضوع للعام، في حين بلغ تنفيذ المستهدف الإنتاجي للذهب 105%. وتقول الشركة إن هذه النتائج تمثل أعلى مستويات أداء تحققها منذ تأسيسها. 

الأرقام تبدو لافتة بصورة خاصة لأن تحقيق 105% من الخطة الإنتاجية و131% من الخطة الإيرادية حدث قبل انقضاء الربع الأخير من العام. وهذا يعني أن القطاع تجاوز بالفعل أهداف 2026 في اثنين من أهم مؤشراته، بينما ما تزال أمامه ثلاثة أشهر لإضافة إنتاج وإيرادات جديدة. لكن الشركة لم تكشف، ضمن البيانات المنشورة عن الاجتماع، إجمالي كمية الذهب المنتجة بالأطنان خلال الفترة نفسها، وهو رقم ضروري لتكوين صورة أكثر اكتمالًا عن أداء القطاع. 

وتتجاوز أهمية هذه الأرقام حدود قطاع التعدين نفسه. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تعرض الاقتصاد السوداني لضربة واسعة شملت الصناعة والزراعة والتجارة والجهاز المصرفي والبنية التحتية، بينما تراجعت قدرة الدولة على الحصول على العملات الأجنبية في الوقت الذي ازدادت فيه حاجتها إليها لتمويل استيراد الوقود والقمح والأدوية ومدخلات الإنتاج. وفي هذا الواقع أصبح الذهب أحد أهم الموارد المتاحة لتوفير النقد الأجنبي.

لكن قوة الرقم المعلن لا تلغي مشكلة قديمة في الاقتصاد السوداني، وهي الفجوة بين الذهب الذي تنتجه البلاد والذهب الذي يظهر في سجلات الصادرات الرسمية. وتشير بيانات أوردتها سودان تربيون إلى أن السودان أنتج نحو 70 طنًا من الذهب خلال عام 2025، بينما سجل بنك السودان المركزي تصدير نحو 14 طنًا فقط عبر القنوات الرسمية. وإذا أخذت هذه الأرقام كما هي، فإنها تكشف حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في السيطرة على سلسلة إنتاج وشراء وتصدير أهم مواردها المعدنية. 

ولهذا فإن ارتفاع حصائل الصادرات إلى 2.292 مليار دولار خلال تسعة أشهر يمثل تطورًا مهمًا، لكنه لا يسمح وحده بالقول إن مشكلة التهريب انتهت. فالمعيار الأكثر دقة ليس مقدار الدولارات التي تحققت فقط، وإنما نسبة الذهب المنتج التي مرت عبر القنوات الرسمية مقارنة بإجمالي الإنتاج الحقيقي. ومن دون نشر الرقم الكامل للإنتاج بالأطنان والكميات المصدرة رسميًا، سيظل من الصعب قياس حجم التحسن في السيطرة على السوق.

وكان وزير المعادن نور الدائم طه قد أعلن في أغسطس أن الصادرات الرسمية خلال النصف الأول من 2026 عادلَت بالفعل إجمالي الصادرات الرسمية المسجلة خلال عام 2025 بأكمله، في مؤشر على أن الحكومة نجحت في جذب كميات أكبر إلى المسارات الرسمية. وتؤكد أرقام سبتمبر استمرار هذا الاتجاه، لكنها تضع على الحكومة في المقابل مسؤولية تقديم بيانات أكثر تفصيلًا توضح أين حدث التحسن وكيف انعكس على موارد الدولة. 

المشكلة أن الذهب السوداني لا يتحرك في سوق اقتصادية طبيعية. فالحرب قسمت مناطق السيطرة، وأضعفت الرقابة على الحدود، وأبقت مناطق تعدين وإنتاج مهمة خارج السيطرة المباشرة للحكومة. كما أن جزءًا كبيرًا من النشاط يعتمد على التعدين الأهلي وشبكات واسعة من المنتجين والوسطاء والتجار، وهو ما يجعل السيطرة على حركة المعدن من موقع الإنتاج إلى التصدير أكثر تعقيدًا.

وفي السنوات الأخيرة أصبح الذهب أيضًا جزءًا من اقتصاد الحرب نفسه. فقد وثقت دراسات مستقلة ارتباط تجارة الذهب السوداني بشبكات إقليمية تمتد إلى دول الجوار ومراكز تجارة خارج السودان، كما أصبحت السيطرة على المناجم وطرق النقل والأسواق عنصرًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة إلى القوى المتصارعة. ولهذا فإن إدخال كمية أكبر من الذهب إلى القنوات الرسمية لا يتعلق فقط بزيادة إيرادات الدولة، وإنما أيضًا بتقليص المساحة التي تعمل فيها شبكات التجارة غير الرسمية.

ويضيف التعدين الأهلي طبقة أخرى من التعقيد. وتشير تقديرات الشركة السودانية للموارد المعدنية التي نقلتها «ألترا سودان» إلى أن نحو ستة ملايين شخص يعملون في التعدين الأهلي، ما يعني أن أي محاولة لإعادة تنظيم السوق لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها. فالفارق بين السعر الذي يحصل عليه المنتج داخل السوق الرسمية وما يمكن أن يحصل عليه خارجها، وسهولة البيع والحصول على النقد، وأسعار الصرف والرسوم، كلها عوامل تحدد الطريق الذي ستسلكه كل غرام من الذهب بعد خروجه من المنجم. 

ومن هنا تصبح مكافحة التهريب مسألة اقتصادية بقدر ما هي أمنية. فإذا كانت القنوات الرسمية توفر سعرًا غير منافس أو إجراءات أكثر تعقيدًا، ستظل السوق الموازية قادرة على جذب المنتجين. أما إذا تمكنت الدولة من جعل البيع الرسمي أكثر جاذبية مع تشديد الرقابة على الحدود ومراكز الشراء والتصدير، فإن ارتفاع الحصائل يمكن أن يصبح تحولًا مستدامًا وليس مجرد قفزة مرتبطة بظروف السوق.

كما ينبغي التفريق بين ثلاثة أرقام كثيرًا ما تختلط في النقاش العام: قيمة الذهب المنتج، وحصيلة الذهب المصدر رسميًا، والإيرادات التي تحصل عليها الدولة من القطاع. الرقم البالغ 2.292 مليار دولار هو حصيلة صادرات الذهب المعلنة حتى سبتمبر، بينما الرقم البالغ 1.886 تريليون جنيه يتعلق بإيرادات الشركة السودانية للموارد المعدنية. ولذلك لا يعني إعلان صادرات بملياري دولار أن المبلغ كله دخل الخزانة العامة باعتباره إيرادًا حكوميًا. 

وهذه نقطة جوهرية في قراءة الخبر اقتصاديًا. فالصادرات توفر النقد الأجنبي للاقتصاد، لكن الفائدة التي تحصل عليها الدولة تعتمد على طريقة تنظيم التصدير، والرسوم والعوائد والضرائب، ومدى عودة حصائل الصادر عبر الجهاز المصرفي، ثم كيفية استخدام هذه الموارد. وبالتالي فإن ارتفاع قيمة الصادرات يصبح أكثر تأثيرًا عندما يقترن بنظام مالي قادر على الاحتفاظ بالنقد الأجنبي وتوجيهه نحو احتياجات الاقتصاد.

ويأتي ذلك في وقت يحتاج فيه السودان إلى العملات الأجنبية بصورة استثنائية. توقف أجزاء واسعة من الإنتاج المحلي وتعطل مصفاة الخرطوم زادا الاعتماد على الاستيراد، بينما يضغط الطلب على الدولار على سعر الجنيه وتكلفة السلع. وفي مثل هذا الوضع يمكن لمليارات الدولارات الناتجة عن الذهب أن تتحول إلى إحدى أهم أدوات تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، إذا دخلت بالفعل عبر النظام الرسمي واستُخدمت ضمن سياسة نقدية واقتصادية واضحة.

الأرقام الجديدة تحمل إذن وجهين. الأول إيجابي ولا يحتاج إلى التقليل منه: قطاع التعدين تجاوز مستهدفاته السنوية قبل نهاية العام، والصادرات الرسمية ولدت 2.292 مليار دولار، والإيرادات تجاوزت الخطة الموضوعة بنسبة 31%. أما الوجه الثاني فهو أن الأرقام نفسها تجعل المطالبة بالشفافية أكثر إلحاحًا، لأن الذهب أصبح موردًا أكبر وأشد تأثيرًا في اقتصاد البلاد. 

السؤال الذي ينبغي أن يلي إعلان هذه النتائج ليس فقط: كم حقق السودان من الذهب؟ بل كم طنًا أنتج بالفعل، وكم طنًا صدر رسميًا، وما نسبة ما تم تهريبه أو تداوله خارج القنوات الرسمية، وكم من حصائل الصادر عاد إلى الجهاز المصرفي، وكيف استُخدمت تلك الموارد؟

إذا بدأت الدولة في نشر هذه السلسلة من البيانات بصورة منتظمة، يمكن قياس ما إذا كان السودان يستعيد السيطرة على مورده الأهم فعلًا. أما الاكتفاء بإعلان القيمة الإجمالية للصادرات، على أهميتها، فيترك الجزء الأصعب من قصة الذهب بلا إجابة.

في بلد خسر كثيرًا من موارده التقليدية بسبب الحرب، تبدو الـ2.292 مليار دولار نافذة مهمة لاقتصاد يبحث عن النقد الأجنبي. لكن الاختبار الحقيقي ليس مقدار الذهب الذي يخرج من باطن الأرض، بل مقدار ما يستطيع السودان الاحتفاظ بقيمته داخل اقتصاده. فالذهب يصبح ثروة وطنية عندما تصل عائداته إلى الاقتصاد، لا بمجرد استخراجه من المنجم.

محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً