الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من الميناء إلى جيب المواطن.. رسوم جديدة تفتح معركة حول تكلفة الواردات السودانية

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من الميناء إلى جيب المواطن.. رسوم جديدة تفتح معركة حول تكلفة الواردات السودانية
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 9
8 أكتوبر 2026

تتصاعد في السودان الاعتراضات على توسيع تطبيق نظام الإقرار المسبق للشحنات المستوردة، بعدما حذر مستوردون وخبراء جمركيون من أن الإجراءات الجديدة قد تضيف أعباء مالية بالدولار إلى تكلفة الواردات، وتنعكس على أسعار السلع الأساسية في بلد يعاني أصلًا من انهيار قطاعات الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويأتي الجدل عقب شروع سلطات الجمارك في توسيع نظام الإقرار المسبق للشحنات، المعروف اختصارًا باسم ACD، ليشمل موانئ ومعابر جمركية إضافية خلال أكتوبر، بعدما بدأ تطبيقه في الميناء الجنوبي بمدينة بورتسودان.

وتقول السلطات إن النظام يهدف إلى تسريع إجراءات التخليص الجمركي عبر تقديم بيانات الشحنات ومستنداتها قبل وصولها، بما يسمح بفحص المعلومات مبكرًا وتقليل زمن الانتظار وتكاليف التخزين. غير أن مستوردين وخبراء تحدثوا إلى راديو دبنقا في تقرير نُشر يوم 7 أكتوبر يرون أن الرسوم المصاحبة للنظام قد تحول إجراءً يفترض أن يسهل التجارة إلى عبء إضافي على المستهلكين. 

ولا يتعلق الخلاف بمبدأ تحديث الجمارك، وإنما بكيفية تنفيذ التحديث وتكلفته والجهة التي تدير بيانات التجارة السودانية.

فالسودان يحتاج بالفعل إلى تطوير أنظمته الجمركية، خصوصًا بعد سنوات من الاضطرابات التي أصابت الموانئ والمعابر وطرق النقل. لكن التحديث الإداري لا يحقق أهدافه الاقتصادية بمجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى منصة إلكترونية، إذا لم يصاحبه انخفاض حقيقي في تكلفة إنجاز المعاملات وزمن الإفراج عن البضائع.

وهنا تظهر المشكلة التي يثيرها المستوردون.

توضح التعرفة المنشورة على منصة خدمات الإقرار المسبق أن الرسوم تبلغ 150 دولارًا للحاوية، سواء كانت بطول 20 أو 40 قدمًا، و150 دولارًا للشاحنة البرية، بينما تخضع البضائع السائبة والسائلة لرسم يبلغ 80 سنتًا للطن، بحد أدنى قدره 600 دولار للشحنة وفق التصنيف المنشور. وهذه رسوم إدارية مستقلة عن الرسوم الجمركية التقليدية وتكاليف النقل والتأمين والتخزين. 

وقد يبدو مبلغ 150 دولارًا محدودًا عند مقارنته بقيمة حاوية تحمل بضائع بمئات الآلاف من الدولارات. لكنه يصبح أكثر تأثيرًا عندما يضاف إلى سلسلة طويلة من المصروفات، تشمل أجور الشحن والتأمين والمناولة والتخليص والنقل الداخلي والضرائب والرسوم المحلية.

ولا تتوزع هذه التكاليف دائمًا بصورة متساوية على السلع.

فالمستورد الذي يجلب بضائع مرتفعة القيمة قد يستطيع استيعاب رسم إضافي محدود، بينما يكون تأثيره النسبي أكبر على شحنات السلع منخفضة القيمة أو الكميات الصغيرة. كما أن التكاليف التي تُدفع بالدولار تصبح أكثر حساسية في اقتصاد يعاني نقص العملات الأجنبية وتقلب سعر الصرف.

وهذا ما يجعل النقاش مرتبطًا مباشرة بالأسعار داخل الأسواق السودانية.

فالمستورد لا يتحمل بالضرورة الزيادة وحده، بل قد يضيفها إلى سعر البيع بالجملة، ثم تنتقل عبر التجار ووسائل النقل والتوزيع إلى المستهلك النهائي.

لكن حجم الزيادة الفعلية لا يمكن تحديده من الرسوم وحدها؛ فهو يعتمد على قيمة الشحنة وكميتها، وما إذا كان النظام الجديد سيخفض بالفعل تكاليف التأخير والتخزين بما يعوض الرسوم الإضافية.

وتلك هي المعادلة التي ينبغي اختبارها قبل إصدار حكم اقتصادي نهائي على النظام.

فالرقمنة الناجحة لا تُقاس بعدد الشهادات الإلكترونية التي تصدرها، وإنما بمقدار ما توفره من وقت ومال.

وفي حديثه لراديو دبنقا، انتقد عضو غرفة المستوردين معاوية أبازيد توقيت توسيع النظام، معتبرًا أن الاقتصاد السوداني يواجه ظروفًا استثنائية تجعل إضافة رسوم جديدة خطوة تحتاج إلى إعادة تقييم.

وأشار إلى أن التأخير في التخليص الجمركي يضاعف الأعباء المالية على المستوردين، وأن معالجة الاختناقات الإدارية وتحسين ساعات العمل وكفاءة الإجراءات يجب أن تسبق تحميل التجارة أعباء إضافية. 

أما الخبير الجمركي دفع الله عبد الله يوسف، فأثار جانبًا آخر من القضية يتعلق بإدارة البيانات التجارية.

وقال إن السودان يستخدم منذ سنوات نظامًا جمركيًا إلكترونيًا يعرف باسم «أسيكودا»، وإن بعض وظائف تقديم المستندات مسبقًا يمكن تطويرها داخل المنظومة القائمة، بدل الاستعانة بجهة خارجية لإدارة إجراءات إضافية.

كما أبدى مخاوف من منح شركة مسجلة في الإمارات إمكانية الوصول إلى معلومات تجارية حساسة، تشمل مصادر البضائع وأسعارها ومواعيد وصولها. وهذه مخاوف طرحها الخبير، ولم أجد دليلًا مستقلًا يثبت وقوع تسريب للبيانات أو إساءة استخدامها. 

وتحتاج هذه النقطة إلى معالجة مؤسسية دقيقة.

فالمعلومات التجارية ليست مجرد أرقام داخل فواتير. إنها تكشف حجم احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية، والشركات التي تستوردها، ومصادر الإمداد، والأسعار التي تدفعها، وأحيانًا مواعيد وصول الشحنات.

وفي الظروف الطبيعية تخضع هذه المعلومات لضوابط تتعلق بالسرية التجارية وحماية البيانات. أما في دولة تعيش حربًا واسعة، فإن أهمية حماية المعلومات المرتبطة بسلاسل الإمداد تصبح أكبر.

لكن الاستعانة بشركة خارجية لا تمثل بذاتها دليلًا على وجود خطر أمني. المسألة الحاسمة هي طبيعة التعاقد، ومكان تخزين البيانات، وصلاحيات الوصول إليها، والرقابة القانونية والتقنية المفروضة على الجهة المشغلة.

وهذه التفاصيل ينبغي أن تكون واضحة للجهات الرقابية والمستوردين.

في المقابل، تقدم الجمارك السودانية مبررات اقتصادية وإدارية لتوسيع النظام.

فقد قال رئيس اللجنة العليا للإقرار المسبق، اللواء شرطة أمير زين العابدين عمر، إن التوسع يستهدف تقليص زمن التخليص الجمركي، والحد من انتظار الشحنات، وتخفيض تكاليف التخزين، وتعزيز الشفافية ومكافحة التلاعب في المستندات التجارية. 

وهذه أهداف يصعب الاعتراض عليها من حيث المبدأ.

لكن نجاحها يتطلب نشر مؤشرات قابلة للقياس، توضح متوسط زمن التخليص قبل تطبيق النظام وبعده، وحجم الرسوم المحصلة، ونسبة الشحنات التي تعرضت للتأخير، ومقدار الوفر الذي تحقق للمستوردين.

ومن دون هذه المؤشرات ستبقى المناقشة محصورة بين وعود حكومية بتسهيل التجارة وتحذيرات القطاع الخاص من ارتفاع تكلفتها.

وتزداد أهمية الملف بسبب موقع بورتسودان في الاقتصاد السوداني.

فالميناء يمثل البوابة البحرية الرئيسية للواردات والصادرات، وأصبح خلال الحرب أكثر أهمية بعد تعطل مساحات واسعة من البنية الاقتصادية في الخرطوم ومناطق الإنتاج التقليدية.

وقد سجل الميناء الجنوبي خلال يونيو 2026 مناولة أكثر من 26 ألف حاوية معيارية، بحسب بيانات مؤسسة الموانئ البحرية، بالتزامن مع استئناف بعض عمليات إعادة الشحن واستقبال سفن تجارية أكبر. 

وهذا يعني أن أي تغيير في إجراءات الموانئ يمكن أن يؤثر على قطاع واسع من التجارة، وليس على مجموعة محدودة من المستوردين.

كما أن السودان يواجه وضعًا اقتصاديًا مختلفًا عن الظروف التي تُطبق فيها الإصلاحات الجمركية عادة.

فالحرب أدت إلى توقف مصانع، وتعطيل مناطق زراعية، وانقطاع طرق نقل، وتراجع دخول ملايين الأسر. وفي مثل هذه الظروف تصبح تكلفة وصول السلع إلى الأسواق عنصرًا أساسيًا في تحديد قدرة السكان على الحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية.

ولهذا ينبغي ألا يُختزل الجدل في الدفاع عن النظام الجديد أو المطالبة بإلغائه.

السؤال الأهم هو ما إذا كانت الحكومة تستطيع تحقيق الرقمنة والرقابة الجمركية من دون زيادة العبء الصافي على الاقتصاد.

وقد يكون الحل في مراجعة هيكل الرسوم، أو تخفيضها للسلع الأساسية، أو توسيع الاستثناءات الإنسانية، أو إثبات أن التوفير الناتج عن تقليل التأخير يتجاوز التكلفة الجديدة.

كما ينبغي توضيح طبيعة التعاقد مع الجهة المشغلة، وآليات حماية المعلومات، وحصة الدولة من الإيرادات، والأساس القانوني للرسوم.

وما ينبغي متابعته خلال الأيام المقبلة هو موقف وزارة المالية والجمارك من اعتراضات المستوردين، وما إذا كانت ستنشر بيانات تفصيلية عن النتائج الفعلية لتطبيق النظام في الميناء الجنوبي.

فالاقتصاد السوداني لا يحتاج إلى إجراءات أسرع فقط، وإنما إلى إجراءات أقل تكلفة وأكثر شفافية.

وإذا كانت الغاية من الرقمنة تسهيل التجارة، فإن اختبار نجاحها الحقيقي سيكون في السوق: هل تصل البضائع أسرع وبكلفة أقل، أم يدفع المواطن رسومًا جديدة مقابل إجراءات لم تتغير بما يكفي؟

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً