الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

تكرار الجريمة ولا خوف من رادع

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

تكرار الجريمة ولا خوف من رادع
💬 تعليق 0

عبود النصيح

في 11 أكتوبر 2026، لم يكن السؤال في شمال الوادي عن الذهب الذي يبحث عنه المعدّنون، بل عن الطائرات التي قصفت مواقعهم، وعن الدولة التي كان يفترض أن تحميهم. أفاد ناجون بأن غارات جوية استهدفت مخيمات وآبارًا للتعدين قرب الحدود السودانية المصرية، وقالوا إن أكثر من 200 شخص قُتلوا وأُصيب مئات. واتهم بعضهم الجيش المصري بالوقوف وراء الهجوم، مستندين إلى وجود سابق لحرس الحدود المصري وتحذيرات تلقوها من دورية مصرية. هذه اتهامات خطيرة تستوجب التحقيق، لكنها لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل وحسم دقيق لموقع الضربات والجهة التي نفذتها. 

وتختلف الحصائل المنشورة اختلافًا كبيرًا: تحدث ناجون نقلت عنهم «سودان تربيون» عن أكثر من 200 قتيل، فيما قالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن 72 معدّنًا قُتلوا، وقدّرت «شبكة أطباء السودان» القتلى بـ13 والمصابين بـ28 على الأقل، مع احتمال ارتفاع العدد. ولم تتمكن «رويترز» من التحقق مستقلًا من اتهام المجموعة للقوات الجوية المصرية، وقالت إن الجيش المصري لم يعلّق على الحادثة، وإن وزارة خارجيته لم ترد فورًا على طلب للتعليق. التفاوت في الأرقام لا يبرر التشكيك في وقوع الضربة أو تجاهل الضحايا؛ بل يجعل فتح تحقيق عاجل وشفاف ضرورة لا تحتمل التأجيل. 

الغضب من استهداف المدنيين مشروع، وأي دولة يثبت أنها قصفت عمالًا مدنيين تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن فعلها. فإذا ثبت أن طائرات مصرية ضربت موقعًا داخل الأراضي السودانية، فذلك اعتداء بالغ الخطورة على حياة السودانيين وسيادة بلادهم، ولا يجوز أن يُختزل في خلاف على التعدين أو في تحذير سابق بإخلاء المنطقة. الاشتباه في التعدين غير القانوني أو عبور الحدود، إن ثبت، يُعالج عبر القانون والإجراءات القضائية والتنسيق بين الدول؛ لا بقصف مخيمات وآبار قد يكون فيها مدنيون.

لكن المساءلة لا تقف عند القاهرة. فالحكومة السودانية مطالبة بالإجابة عن سؤال موجع: أين كانت حين تعرض مواطنوها للغارات، وما الذي فعلته لحمايتهم؟ وبحسب ما أوردته «سودان تربيون» و«رويترز» و«العربي الجديد» حتى مساء الأحد، لم يصدر تعليق رسمي سوداني معلن على الضربات الأخيرة. وبينما كانت روايات الناجين والمنظمات تتحدث عن قتلى وجرحى وفرار العاملين، ظل موقف الدولة وإجراءاتها غائبين عن المشهد. الصمت لا يثبت مسؤولية أي طرف، لكنه يترك المواطنين بلا تفسير ويضاعف الشكوك حول قدرة الحكومة على حماية حدودها ورعاياها. 

والأشد إيلامًا أن المنطقة شهدت حادثة سابقة. ففي سبتمبر، قال رئيس هيئة الأركان ياسر العطا، تعليقًا على واقعة يونيو، إن ما حدث جرى داخل الأراضي المصرية، وإن معدّنين سودانيين دخلوا الحدود وعملوا هناك، مضيفًا أن تنسيقًا جرى لاحقًا بين البلدين وسُحبت قوات سودانية من المنطقة. ذلك التصريح تناول حادثة يونيو، ولا يشكل ردًا على غارات أكتوبر. لكنه يجعل على الحكومة واجبًا إضافيًا: أن توضح للرأي العام موقع الضربات الأخيرة، وما إذا كانت داخل السودان أم خارجه، وأن تنشر ما لديها من خرائط ومعلومات بدل ترك السيادة موضع روايات متعارضة. 

على الخرطوم أن تتحرك الآن في مسارين متوازيين. تبدأ الأول بإرسال فريق مستقل إلى المنطقة لحصر القتلى والمصابين والمفقودين، وتوثيق آثار القصف وجمع شهادات الناجين، وتأمين نقل الجرحى إلى المستشفيات وإبلاغ أسر المفقودين. ويشمل الثاني مطالبة القاهرة بإيضاح رسمي، والاحتجاج عبر القنوات الدبلوماسية، والسعي إلى تحقيق مستقل أو مشترك تُعلن نتائجه. وإذا لم تتعاون الجهات المعنية، فعلى السودان عرض ما يملكه من أدلة أمام الهيئات الإقليمية والدولية المختصة وطلب المساءلة.

وحماية الأرواح تقتضي أيضًا إجراءات وقائية لا تنتظر الغارة التالية. على الحكومة أن تحسم وضع الحدود في مواقع التعدين، وتعلن للمواطنين خرائط واضحة للمناطق الخطرة، وتوفر إنذارًا مبكرًا واتصالات وإسعافًا، وتمنع تجمع آلاف العاملين في مواقع نائية بلا حماية أو خدمات. وإذا كانت الدولة تعرف أن المنطقة شهدت توترًا وضربات سابقة، فإن ترك الناس فيها من دون تحذير واضح أو خطة إخلاء ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه تقصير يمس واجبها في حماية مواطنيها.

لا ينبغي أن يتحول الغضب إلى خصومة بين الشعبين السوداني والمصري؛ فالمسؤولية تقع على من يثبت أنه أصدر أمرًا أو نفذ ضربة غير مشروعة. لكن صون العلاقات لا يعني إسكات الضحايا، كما أن احترام السيادة لا يتحقق ببيان غاضب وحده. إذا ثبت أن طيرانًا مصريًا قصف مدنيين داخل السودان، فعلى الحكومة السودانية أن تتصرف بما يحفظ حق الضحايا ويمنع تكرار الهجمات. وإذا ثبت أن الموقع خارج حدود السودان، فعليها أن تشرح ذلك وتحمي مواطنيها من العودة إلى منطقة الخطر. أما أن تتكرر الغارات، وتتضارب الأرقام، وتغيب الدولة عن الرد والتحقيق والحماية، فذلك ما يجعل عنوان «تكرار الجريمة ولا خوف من رادع» سؤالًا موجّهًا إلى القاهرة والخرطوم معًا.

عبود النصيح

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً