محررو لقطة AI – 7
14 أكتوبر 2026
دخلت أزمة تنظيم سوق المحروقات في السودان مرحلة جديدة، بعد إعلان وزارة الطاقة والنفط فتح باب المنافسة أمام الشركات الوطنية المؤهلة لاستيراد وقود الطائرات من نوع «جت A1» وزيت الوقود الثقيل المعروف بالفيرنس، في خطوة تستهدف إنهاء احتكار هذين المنتجين وتوسيع قاعدة الشركات العاملة في قطاع الطاقة، لكنها تثير تساؤلات بشأن قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاستفادة من القرار في ظل استمرار اشتراطات مالية صارمة.
وأعلنت الوزارة، في بيان رسمي صدر الاثنين 12 أكتوبر 2026، السماح لجميع الشركات الوطنية المستوفية للشروط بالمنافسة على استيراد المنتجين، مؤكدة أن القرار يستهدف تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص وضمان استقرار إمدادات المشتقات البترولية.
لكن الوزارة أبقت على اشتراط الحصول على موافقة بنك السودان المركزي لإصدار الخطابات والضمانات المالية المرتبطة بـ200 كيلوغرام من الذهب للمجموعات المستوردة، على ألا تضم المجموعة أكثر من أربع شركات.
ويمثل القرار استجابة جزئية لمطالب تقدمت بها 24 شركة سودانية تعمل في قطاع النفط، طالبت بمراجعة ضوابط الاستيراد والتمويل، واتهمت النظام القائم بإضعاف المنافسة وخلق هوامش ربح استثنائية لصالح عدد محدود من المستوردين.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأنه ينقل الأزمة من الجدل حول احتكار السوق إلى اختبار فعلي لقدرة الحكومة على تغيير قواعد المنافسة، دون أن تتحول الاشتراطات المالية إلى حاجز يمنع دخول الشركات الجديدة.
من احتجاج الشركات إلى القرار الحكومي
بدأت المرحلة الأخيرة من الخلاف عندما تقدمت 24 شركة بترولية بمذكرة إلى قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، في السادس من أكتوبر، تطالب فيها بمراجعة السياسات المنظمة لاستيراد المحروقات.
وقالت الشركات إن حصر الاستيراد في مجموعات محدودة أدى إلى اختلالات في المنافسة، وانعكس على استقرار الإمدادات والأسعار.
وأشارت المذكرة إلى أن هوامش الأرباح في بعض شحنات الوقود بلغت نحو سبعة ملايين دولار للشحنة الواحدة، وفق تقديرات الشركات.
وربطت المذكرة هذه الأرباح بالفارق بين سعر الصرف المستخدم في عمليات الاستيراد، الذي قدرته بنحو 5,500 جنيه للدولار، وسعر السوق الموازية الذي قالت إنه بلغ نحو 8,300 جنيه.
ولا تتوافر بيانات مالية مستقلة تؤكد أن هذه الهوامش تحققت فعلًا في جميع الشحنات أو تحدد الشركات المستفيدة منها.
لكن الاتهامات تطرح قضية اقتصادية مهمة تتعلق بتوزيع فرص الاستيراد، وآليات الحصول على العملات الأجنبية، ومدى شفافية الإجراءات المصرفية المرتبطة بالمحروقات.
وبعد ستة أيام من تقديم المذكرة، أعلنت وزارة الطاقة فتح المنافسة في استيراد وقود الطائرات والفيرنس.
ويشير التتابع الزمني إلى أن القرار جاء في سياق تصاعد مطالب الشركات، لكن الوزارة لم تعلن أن المذكرة كانت السبب الوحيد وراء اتخاذه.
كما أن فتح استيراد منتجين محددين لا يعني تحرير سوق المحروقات بالكامل، لأن القرار لم يشمل بالضرورة جميع أنواع الوقود الأخرى.
مئتا كيلوغرام من الذهب.. شرط يثير التساؤلات
تتمثل النقطة الأكثر إثارة للجدل في استمرار الضمانات المالية المرتبطة بالذهب.
فقد اشترطت الوزارة الحصول على موافقة البنك المركزي لإصدار الخطابات والضمانات المتعلقة بـ200 كيلوغرام من الذهب لكل مجموعة مستوردة، وفق الضوابط المعمول بها.
ويبدو أن الحكومة تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تقليل المخاطر المصرفية وضبط عمليات الاستيراد، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجه العملة السودانية.
لكن حجم الضمانات يثير تساؤلًا بشأن عدد الشركات القادرة فعليًا على استيفائها.
فإذا كانت الشركات الصغيرة لا تستطيع توفير الضمانات المطلوبة، فقد تظل فرص الاستيراد محصورة في مجموعات مالية كبيرة، حتى بعد الإعلان رسميًا عن فتح المنافسة.
وهنا يظهر الفرق بين إلغاء الاحتكار من الناحية الإدارية وتحقيق المنافسة الفعلية داخل السوق.
فالقرار الذي يسمح للجميع بالتقدم للاستيراد قد لا يحقق هدفه إذا كانت الشروط المالية لا يستطيع استيفاءها سوى عدد محدود من الشركات.
كما أن البيان لم يوضح بصورة تفصيلية كيفية احتساب قيمة الضمانات، وما إذا كانت تستلزم إيداع الذهب فعليًا أو تقديم ضمانات مصرفية مرتبطة بقيمته، ولا آليات الإفراج عنها بعد اكتمال عمليات الاستيراد.
وتحتاج هذه الجوانب إلى توضيح من بنك السودان المركزي، لأن طريقة تطبيق الضمانات ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد المستفيدين من القرار.
لماذا يهم وقود الطائرات؟
يختلف وقود الطائرات عن المحروقات المستخدمة في السيارات والمركبات البرية، لأنه يخضع لمواصفات فنية دقيقة ترتبط بسلامة التشغيل وكفاءة المحركات.
ويؤثر انتظام إمداداته في قدرة شركات الطيران على تشغيل رحلاتها، وتحديد تكاليفها، والمحافظة على جداول النقل الجوي.
وتزداد أهمية هذه الإمدادات في السودان بسبب الظروف التي فرضتها الحرب على قطاع الطيران والمطارات والبنية التحتية.
فقد أدت الحرب إلى تعطيل مرافق حيوية وتضرر منشآت إنتاج وتخزين الوقود، ما زاد اعتماد البلاد على الإمدادات المستوردة.
ولا يقتصر أثر انتظام وقود الطائرات على الرحلات التجارية، بل يمكن أن يمتد إلى خدمات النقل الإنساني والإجلاء الطبي والرحلات المرتبطة بإيصال الإمدادات، بحسب قدرة المطارات على العمل وتوافر التصاريح الأمنية.
أما الفيرنس، فهو وقود ثقيل يستخدم في بعض العمليات الصناعية ومنشآت توليد الطاقة، ولذلك قد تؤثر إمداداته في تكلفة تشغيل المنشآت التي تعتمد عليه.
لكن فتح الاستيراد لا يعني تلقائيًا انخفاض أسعار المنتجين.
فذلك يتوقف على حجم المنافسة الفعلية، وتكاليف الشحن والتأمين، وسعر الصرف، والرسوم الحكومية، وقدرة المستوردين على توفير الإمدادات بصورة منتظمة.
أزمة أكبر من قرار الاستيراد
تعاني سوق الطاقة السودانية مشكلات هيكلية تفاقمت بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.
فقد تعرضت البنية التحتية النفطية لأضرار كبيرة، وتعطلت مصفاة الجيلي التي كانت توفر جزءًا أساسيًا من احتياجات البلاد من المنتجات البترولية.
وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، في وقت تواجه فيه البلاد صعوبات في الحصول على النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
كما أن تراجع قيمة الجنيه السوداني يرفع التكلفة المحلية للوقود المستورد، حتى عندما لا تتغير أسعاره العالمية.
ولهذا فإن إصلاح سوق المحروقات لا يمكن أن يعتمد على زيادة عدد المستوردين وحدها.
فالسوق تحتاج أيضًا إلى قواعد واضحة لتخصيص النقد الأجنبي، وإجراءات شفافة لمنح التراخيص، ورقابة على تكاليف الاستيراد والتوزيع.
كما تحتاج الحكومة إلى توضيح العلاقة بين دورها المباشر في استيراد الوقود، الذي أعلنت توسيعه خلال يونيو الماضي، ودور الشركات الخاصة في توفير الإمدادات.
فغياب الوضوح في توزيع الأدوار قد يؤدي إلى استمرار التنافس غير المتكافئ بين الشركات، أو ظهور أشكال جديدة من السيطرة على السوق.
هل تنخفض الأسعار؟
يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى المستهلكين والقطاعات الاقتصادية هو ما إذا كان القرار سيؤدي إلى خفض الأسعار وتحسين توافر الوقود.
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن تؤدي زيادة المنافسة إلى تقليص هوامش الأرباح غير المبررة، خصوصًا إذا حصلت الشركات على فرص متساوية للاستيراد والتمويل.
لكن هذه النتيجة ليست مضمونة.
فإذا استمرت فجوة أسعار الصرف، أو بقيت الضمانات المالية حكرًا على مجموعات محدودة، فقد تتغير أسماء الشركات المستوردة دون حدوث تحول كبير في بنية السوق.
كذلك فإن أي انخفاض في تكلفة الاستيراد قد لا يصل إلى المستهلك النهائي إذا لم تتوافر آليات فعالة لمراقبة الأسعار وتكاليف التوزيع.
ولذلك فإن الحكم على نجاح القرار يجب ألا يستند إلى الإعلان الحكومي وحده، وإنما إلى النتائج التي ستظهر بعد بدء عمليات الاستيراد وفق الضوابط الجديدة.
وسيكون من الضروري معرفة عدد الشركات التي حصلت على الموافقات، وحجم الشحنات التي استوردتها، والفارق بين تكاليف الاستيراد والأسعار المحلية.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
التطور الجوهري هو أن الحكومة انتقلت من تلقي مطالب الشركات إلى إصدار قرار رسمي يفتح المنافسة في استيراد وقود الطائرات والفيرنس.
لكن القرار لم يلغِ اشتراطات الضمانات المرتبطة بالذهب، ولم يوضح عدد الشركات المؤهلة أو موعد وصول أولى الشحنات بموجب الإجراءات الجديدة.
كما لم تصدر بيانات تؤكد حدوث انخفاض فعلي في الأسعار أو تغير في حصص الشركات المسيطرة على السوق.
وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة، عندما تبدأ الشركات في التقدم للحصول على الموافقات المصرفية والتراخيص اللازمة.
ومن المهم أيضًا متابعة ما إذا كانت الحكومة ستوسع الإصلاح ليشمل منتجات بترولية أخرى، أو ستراجع الاشتراطات المالية التي اعترضت عليها الشركات.
إن قرار فتح استيراد وقود الطائرات والفيرنس يمثل خطوة مهمة في محاولة معالجة الاختلالات التي تعانيها سوق المحروقات السودانية، لكنه لا يكفي وحده لضمان انتهاء الاحتكار. فالمنافسة الحقيقية لا تتحقق بمجرد السماح للشركات بتقديم طلبات الاستيراد، وإنما تتطلب شروطًا عادلة وشفافة، وإجراءات مصرفية واضحة، ورقابة تمنع تحول الامتيازات الاقتصادية من مجموعة محدودة إلى أخرى. وفي اقتصاد أنهكته الحرب وتراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطنين، تصبح إدارة سوق الوقود قضية تتجاوز مصالح الشركات إلى استقرار النقل والإنتاج والخدمات الأساسية. وستكون قيمة القرار في قدرته على تحسين الإمدادات وتقليل التكاليف، لا في عدد الشركات التي يُسمح لها نظريًا بدخول السوق. أما إذا بقيت الضمانات المالية وأسعار الصرف والإجراءات الإدارية عوامل تمنع المنافسة الفعلية، فقد ينتهي الاحتكار على الورق بينما تستمر أسبابه في الواقع.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات