محررو لقطة AI
30 أكتوبر 2026
أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تطلع السودان إلى تطوير علاقاته مع روسيا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مؤكدًا أن حكومته تسعى إلى إنهاء الحرب عبر تسوية سودانية لا تخضع لإملاءات خارجية، وذلك خلال مشاركته في القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي اختتمت أعمالها الخميس 29 أكتوبر في العاصمة الروسية موسكو.
وقال البرهان، في خطاب نشرته وكالة السودان للأنباء «سونا»، إن بلاده تواجه تحديات كبيرة نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، متهمًا قوات الدعم السريع بتلقي دعم سياسي ولوجستي من أطراف إقليمية ودولية، دون أن يقدم في الخطاب تفاصيل جديدة عن الجهات المتهمة أو طبيعة ذلك الدعم.
وأعرب عن تقديره للمواقف الروسية الداعمة لسيادة السودان ووحدة أراضيه، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الخرطوم وموسكو تشهد تطورًا متواصلًا، وأن البلدين يحتفلان هذا العام بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وأكد أن السودان يعمل على تهيئة الظروف للانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي من خلال حوار سوداني، يفضي إلى فترة انتقالية تعقبها انتخابات حرة بمراقبة إقليمية ودولية.
وجاءت تصريحات البرهان في وقت تسعى فيه روسيا إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في أفريقيا، بينما تبحث الحكومة السودانية عن دعم دولي يعزز موقفها الدبلوماسي ويساعدها في التعامل مع التداعيات العسكرية والاقتصادية للحرب.
وتكمن أهمية الخطاب في أنه جمع بين ثلاثة ملفات مترابطة: مستقبل التسوية السياسية، والعلاقات الاستراتيجية مع روسيا، وموقف الخرطوم من التدخلات الخارجية في الحرب.
موسكو تعود إلى مركز الحسابات السودانية
لا تمثل العلاقات السودانية الروسية تطورًا جديدًا، إذ ارتبط البلدان منذ عقود بتعاون سياسي وعسكري واقتصادي شمل التدريب والتسليح والاستثمارات والتنسيق الدبلوماسي.
لكن الحرب السودانية منحت هذه العلاقات أهمية إضافية، خصوصًا مع تزايد حاجة الخرطوم إلى الدعم السياسي في المؤسسات الدولية، وإلى إعادة بناء منشآتها الاقتصادية والخدمية التي تعرضت للدمار.
وكانت روسيا قد استخدمت حق النقض في مجلس الأمن في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار يتعلق بالحرب السودانية، كما عارضت توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله.
وقد اعتبرت الحكومة السودانية هذه المواقف دعمًا لسيادة الدولة ومؤسساتها، بينما أثارت اعتراضات من أطراف دولية ترى أن القيود على تدفق الأسلحة ضرورية للحد من استمرار النزاع.
ويعكس هذا التباين طبيعة العلاقات بين الخرطوم وموسكو، حيث تتداخل الاعتبارات المتعلقة بالسيادة الوطنية مع المصالح العسكرية والاقتصادية والمواقف داخل مجلس الأمن.
ويطرح التقارب الحالي سؤالًا بشأن مدى استعداد روسيا لترجمة دعمها السياسي إلى اتفاقيات اقتصادية وعسكرية جديدة، وما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستتضمن التزامات قابلة للتنفيذ في ظل الحرب.
وفد سوداني يحمل ملفات الأمن والاقتصاد
تكتسب تركيبة الوفد السوداني المشارك في القمة دلالة خاصة، إذ ضم وزير الخارجية ووزير المالية والمدير العام لجهاز المخابرات العامة والمدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية.
ويشير حضور هذه المؤسسات إلى اتساع الملفات المطروحة للتعاون، وإن كان لا يثبت وحده التوصل إلى اتفاقيات عسكرية أو اقتصادية جديدة.
وكان السفير السوداني لدى روسيا، محمد الغزالي التجاني سراج، قد تحدث قبل انعقاد القمة عن فرص التعاون في الطاقة والنفط والتعدين والزراعة والبنية التحتية والتعليم العالي.
كما أشار إلى إمكانية مساهمة الشركات الروسية في إعادة إعمار السودان.
وتبرز أهمية هذه المجالات في ضوء الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الاقتصاد السوداني، خصوصًا في قطاعات الكهرباء والنقل والصناعة والخدمات.
لكن تحويل هذه الفرص إلى مشروعات فعلية يتطلب اتفاقيات تمويل وتنفيذ، وضمانات أمنية، وآليات واضحة لحماية الاستثمارات.
ولا يكفي الإعلان عن الرغبة في التعاون لتحديد حجم المكاسب الاقتصادية المتوقعة، خصوصًا أن استمرار العمليات العسكرية يرفع تكلفة المشروعات ويزيد مخاطر الاستثمار.
ماذا يعني الحديث عن سلام دون تدخل خارجي؟
جدد البرهان في خطابه موقفه الرافض للإملاءات الخارجية بشأن مستقبل السودان، مؤكدًا أن التسوية ينبغي أن تستند إلى حوار وطني يحدد السودانيون من خلاله مستقبل دولتهم.
لكن هذا الموقف يثير تساؤلات بشأن العلاقة بين رفض التدخلات السياسية والعسكرية الخارجية وبين الحاجة إلى الوساطة الدولية والمساعدات الإنسانية.
فالحرب السودانية أصبحت مرتبطة بشبكات مصالح إقليمية ودولية معقدة، كما أن الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار شاركت فيها أطراف خارجية متعددة.
ومن ثم، فإن نجاح أي تسوية يتطلب تحديد الفرق بين التدخل الذي يفرض ترتيبات سياسية على السودانيين، والوساطة التي تساعد الأطراف الوطنية على الوصول إلى اتفاق.
كما أن الحديث عن حوار سوداني شامل يحتاج إلى تحديد الجهات التي ستشارك فيه، والضمانات التي ستوفر لحرية العمل السياسي، وموقف القوى المدنية التي تطالب بإنهاء هيمنة المؤسسات العسكرية على السلطة.
وتبرز كذلك مسألة العلاقة بين وقف الحرب والانتقال الديمقراطي.
فإجراء انتخابات حرة يتطلب بيئة أمنية مستقرة، ومؤسسات قضائية مستقلة، وضمانات لمشاركة النازحين واللاجئين، وقدرة على ممارسة النشاط السياسي دون تهديد.
ولهذا فإن الإعلان عن الانتخابات باعتبارها نهاية للفترة الانتقالية لا يكفي وحده لتحديد مسار التحول الديمقراطي.
روسيا وأفريقيا.. مصالح تتجاوز السودان
شارك في القمة الروسية الأفريقية ممثلون لنحو 48 دولة أفريقية، بينهم قرابة عشرين رئيس دولة وحكومة، وفق تغطية وكالة أسوشيتد برس.
وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغبة بلاده في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية والأمنية مع الدول الأفريقية، مشيرًا إلى أن حجم التجارة بين روسيا وأفريقيا تجاوز 27 مليار دولار خلال العام الماضي.
كما تحدث عن التعاون في مجالات الطاقة والتعدين والصناعة والنقل والزراعة والتعليم.
ودعم بوتين المطالب الأفريقية بالحصول على تمثيل أكبر في مجلس الأمن، معتبرًا أن غياب التمثيل الدائم للقارة يمثل خللًا في النظام الدولي.
لكن التوسع الروسي في أفريقيا يثير أيضًا نقاشًا بشأن طبيعة التعاون الأمني، ودور الشركات العسكرية، ومدى استفادة الاقتصادات المحلية من الاستثمارات الخارجية.
فبعض الحكومات الأفريقية ترى في موسكو شريكًا يوفر بدائل للعلاقات التقليدية مع الدول الغربية، بينما يحذر منتقدون من مخاطر الاعتماد على الدعم العسكري الخارجي وضعف الرقابة على بعض الاتفاقيات.
وتأتي مشاركة السودان في هذا السياق الأوسع، حيث تسعى دول أفريقية إلى تنويع شراكاتها الدولية في ظل المنافسة بين القوى الكبرى.
هل تتحول الشراكة إلى اتفاقيات ملموسة؟
يبقى الاختبار الأساسي للعلاقات السودانية الروسية مرتبطًا بنتائج الزيارة، وليس بالتصريحات السياسية وحدها.
فمن المهم معرفة ما إذا كانت المحادثات ستؤدي إلى اتفاقيات جديدة في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، أو إلى ترتيبات تتعلق بالتعاون العسكري.
كما ينبغي متابعة أي لقاء ثنائي بين البرهان وبوتين، وما إذا كان سيتضمن إعلانًا رسميًا بشأن ملفات التعاون التي يجري بحثها منذ سنوات.
ولم يتضمن الخطاب المنشور إعلانًا عن توقيع اتفاقية عسكرية جديدة أو تقديم التزامات روسية محددة بشأن تسليح الجيش السوداني.
ومن الضروري المحافظة على هذا التمييز، خصوصًا مع انتشار توقعات بشأن طبيعة التعاون العسكري المحتمل بين البلدين.
إن مشاركة البرهان في قمة موسكو تعكس محاولة السودان تعزيز حضوره في شبكة العلاقات الدولية، مستفيدًا من التقارب مع روسيا ومواقفها داخل مجلس الأمن.
لكن قدرة هذه العلاقات على إحداث تحول حقيقي ستظل مرتبطة بمدى مساهمتها في إنهاء الحرب، وإعادة بناء الاقتصاد، وتوفير الظروف اللازمة لانتقال سياسي يحظى بقبول السودانيين.
فالشراكات الخارجية قد توفر دعمًا دبلوماسيًا واقتصاديًا مهمًا، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الأزمة السياسية التي ساهمت في وصول السودان إلى حرب أبريل 2023.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات