الإثنين، 2 نوفمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

بنك السودان يطرح صندوقاً لتمويل السلع الاستراتيجية.. وإصلاح المصارف أمام اختبار الثقة والسيولة ،،

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

بنك السودان يطرح صندوقاً لتمويل السلع الاستراتيجية.. وإصلاح المصارف أمام اختبار الثقة والسيولة ،،
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI

2 نوفمبر 2026

في تحرك يستهدف احتواء الضغوط المتزايدة على الأسواق وإعادة تنشيط القطاع المصرفي، أعلن بنك السودان المركزي اتجاهه لإنشاء صندوق لتوفير التمويل اللازم لاستيراد السلع الاستراتيجية، بالتوازي مع طرح مقترح لإنشاء مجلس أعلى للصادرات، وفتح نقاش مع ممثلي المصارف حول الإصلاح والحوكمة ورؤوس الأموال.

وتأتي هذه الخطوات في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني أزمة مركبة تتداخل فيها ندرة النقد الأجنبي، وتراجع قيمة الجنيه، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعطل سلاسل الإمداد، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمؤسسات المصرفية جراء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

وبحسب ما أعلنه البنك المركزي في الأول من نوفمبر، ترأست المحافظ آمنة ميرغني حسن التوم اجتماعاً موسعاً خُصص لبحث الأطر والآليات المناسبة لإنشاء الصندوق، بمشاركة الجهاز المصرفي والجهات ذات الصلة. وناقش الاجتماع طبيعة السلع المستهدفة، والجهات التي يمكن أن تشارك في الصندوق، والخيارات التمويلية المتاحة، والجوانب الفنية والتنظيمية لعمله.

صندوق السلع الاستراتيجية.. ما الذي يستهدفه؟

تقوم فكرة الصندوق على تنسيق الموارد المالية المتاحة وتوجيهها نحو تمويل استيراد السلع التي تمثل أولوية للاقتصاد والمستهلكين، بما يساعد على تحسين تدفق الإمدادات والحد من الاختناقات في الأسواق.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل الأزمات المتكررة التي شهدتها الخرطوم ومدن أخرى، خصوصاً في الوقود والدقيق والخبز، حيث أدى نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد إلى زيادة الضغوط على الأسر والقطاعات التجارية والإنتاجية.

لكن الإعلان عن إنشاء الصندوق لا يعني أنه بدأ العمل فعلياً أو أن التمويل أصبح متاحاً للمستوردين. فما زالت التفاصيل الأساسية بحاجة إلى إعلان واضح، وفي مقدمتها حجم الموارد التي ستُخصص له، ومصادرها، والسلع التي سيغطيها، وآليات اختيار المستوردين، والضوابط التي ستضمن وصول التمويل إلى أغراضه المحددة.

وتتوقف فعالية الصندوق على قدرته على توفير النقد الأجنبي، لا مجرد إعادة توزيع الموارد المحلية المحدودة. فإذا لم تتوفر مصادر مستدامة للعملات الأجنبية، فقد يظل أثره محدوداً أمام حجم الطلب على الواردات الأساسية.

المجلس الأعلى للصادرات.. محاولة لاستعادة موارد النقد الأجنبي

وفي مسار موازٍ، أعلن البنك المركزي مقترحاً لإنشاء مجلس أعلى للصادرات، بهدف الانتقال من معالجة ملف الصادرات بصورة متفرقة إلى إدارة مؤسسية تربط بين الإنتاج والتمويل والنقل والتخزين والتأمين والإجراءات المصرفية والجمركية والتسويق الخارجي واسترداد حصائل الصادر.

ويعكس هذا المقترح إدراكاً لأهمية الصادرات في معالجة أزمة النقد الأجنبي، خصوصاً أن السودان يمتلك موارد يمكن أن توفر عائدات كبيرة، من بينها الذهب والماشية والمنتجات الزراعية والصمغ العربي.

غير أن المشكلة لا تتعلق بحجم الموارد وحده، بل بقدرة الدولة على تنظيم إنتاجها وتصديرها، وضمان عودة عائداتها إلى الجهاز المصرفي. فكلما خرجت حصائل الصادرات من القنوات الرسمية، تراجعت قدرة البنك المركزي على توفير العملات الأجنبية للمستوردين والتدخل في سوق الصرف.

وكانت تقارير اقتصادية قد أشارت إلى أن الفجوة بين إنتاج الذهب والصادرات المسجلة رسمياً تمثل أحد التحديات الرئيسية أمام الاستفادة من هذا المورد في دعم الاقتصاد. كما أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن عائدات الموارد لا تتحول بالضرورة إلى إيرادات عامة أو احتياطيات نقدية متاحة للدولة.

ويحتاج المجلس المقترح، إذا أُنشئ، إلى صلاحيات واضحة وآليات رقابة ومحاسبة، حتى لا يتحول إلى كيان إداري إضافي دون قدرة فعلية على معالجة مشكلات التصدير والتهريب وتعدد الرسوم والقيود.

إصلاح القطاع المصرفي.. الأزمة أعمق من نقص السيولة

الملف الثالث الذي تحرك فيه البنك المركزي يتعلق بإعادة ترتيب القطاع المصرفي وتهيئته لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار. فقد عقدت المحافظ اجتماعاً مع ممثلي مُلّاك المصارف، بحضور النائب الأول للمحافظ المعتصم عبدالله أحمد ونائب المحافظ سامي عبدالحفيظ، لمناقشة التحديات التي تواجه المؤسسات المصرفية ومتطلبات تطويرها.

وشملت المناقشات الحوكمة، ورؤوس أموال المصارف، والأطر التشريعية والتنظيمية، وتحسين قدرتها على مواصلة العمل وتوفير التمويل للقطاعات الإنتاجية والاستثمارية.

وتكشف هذه الملفات عن حجم الأزمة التي أصابت الجهاز المصرفي خلال الحرب. فقد تضررت البنية التشغيلية لعدد من المصارف، وتعطلت فروع وخدمات في مناطق واسعة، وتراجعت ثقة قطاعات من المواطنين في التعاملات المصرفية، بينما أصبحت التحويلات الإلكترونية والخدمات الرقمية أكثر أهمية في ظل صعوبة الوصول إلى النقد.

ولا يمكن اختزال الإصلاح المصرفي في زيادة رؤوس الأموال أو تعديل اللوائح؛ فالمطلوب أيضاً معالجة الديون المتعثرة، وتقييم أصول المصارف، وتحسين إدارة المخاطر، وضمان حقوق المودعين، وتطوير أنظمة الدفع والتسوية، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات المالية والجمهور.

وكان البنك المركزي قد أدرج إصلاح الجهاز المصرفي وتطوير البنية التحتية للمدفوعات وتعزيز الشمول المالي ضمن توجهاته للعام 2026، كما تضمنت خطته الاستراتيجية للفترة 2026–2030 إعادة بناء دور القطاعين المصرفي والمالي في دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي.

الجنيه السوداني.. التحدي الذي يختبر كل المبادرات

تواجه التحركات الجديدة اختباراً مباشراً يتمثل في تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة الواردات. فقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز في سبتمبر الماضي أن العملة السودانية فقدت قرابة نصف قيمتها في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش منذ مايو، مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7,500 جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو.

وربط التقرير بين تدهور العملة والانقسام الاقتصادي الذي فرضته الحرب، وتراجع العائدات الرسمية للصادرات، واعتماد المستوردين على شراء الدولار من السوق الموازية لتمويل السلع الأساسية.

وفي أغسطس الماضي، كان البنك المركزي قد أعلن مراجعة أثر تدخلاته في سوق النقد الأجنبي، وبحث مع مديري المصارف التجارية سبل زيادة عرض العملات الأجنبية وتوفير الموارد اللازمة لاستيراد السلع الضرورية والاستراتيجية، مع التشديد على إعادة حصائل الصادرات إلى الجهاز المصرفي.

وتوضح هذه التطورات أن الصندوق الجديد لا يعمل بمعزل عن أزمة سعر الصرف؛ إذ إن توفير التمويل للاستيراد يتطلب موارد أجنبية حقيقية، بينما يتطلب استقرار العملة زيادة الصادرات، وتحسين تدفق عائداتها، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية.

من القرارات إلى التنفيذ.. أين تكمن الصعوبة؟

تواجه المبادرات المعلنة عدة عقبات، أبرزها استمرار الحرب والانقسام الجغرافي، وتراجع الإنتاج، وضعف الإيرادات العامة، وصعوبة استعادة النشاط المصرفي في المناطق المتضررة. كما أن تعدد السلطات ومراكز السيطرة يضعف قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة سياسة مالية ونقدية موحدة في جميع أنحاء البلاد.

وهناك تحدٍ آخر يتعلق بالشفافية. فتمويل السلع الاستراتيجية يحتاج إلى إعلان واضح عن حجم الأموال المتاحة، والجهات المستفيدة، وأسعار التمويل، والكميات التي تم استيرادها، ومدى انعكاس ذلك على الأسعار النهائية للمستهلكين. ومن دون هذه المعلومات، يصعب قياس نجاح الصندوق أو التأكد من وصول موارده إلى السلع التي أُنشئ من أجلها.

أما إصلاح المصارف، فيحتاج إلى جدول زمني وإجراءات قابلة للقياس، لا إلى اجتماعات تشاورية فقط. ومن المهم أن تشمل هذه الإجراءات مراجعة أوضاع المصارف، ومعالجة المؤسسات المتعثرة، وحماية الودائع، وتوسيع الخدمات الرقمية، وإعادة تشغيل الفروع التي توقفت بسبب الحرب.

هل يستطيع البنك المركزي استعادة دوره؟

يمثل التحرك الأخير محاولة لإعادة البنك المركزي إلى موقع أكثر فاعلية في إدارة الأزمة الاقتصادية، عبر الجمع بين تمويل الواردات وتنظيم الصادرات وإصلاح المؤسسات المصرفية. لكن نجاح هذه المسارات مرتبط بعضها ببعض؛ فلا يمكن توفير استيراد مستقر دون موارد أجنبية، ولا يمكن زيادة هذه الموارد دون صادرات منظمة، ولا يمكن إدارة دورة مالية موثوقة دون مصارف قادرة على العمل واستعادة ثقة المواطنين.

والأهم أن التمويل وحده لا يعالج اختلالات الاقتصاد إذا استمر تراجع الإنتاج واتساع الإنفاق المرتبط بالحرب وتعدد أسواق النقد. فاستقرار الأسعار يحتاج إلى زيادة المعروض من السلع، وتحسين الإنتاج المحلي، وتخفيض تكاليف النقل، وضبط الأسواق، إلى جانب سياسات نقدية ومالية منسقة.

وبذلك، لا يُقاس نجاح بنك السودان في المرحلة المقبلة بعدد الصناديق والمجالس التي يعلن عنها، بل بقدرته على تحويلها إلى تمويل فعلي يصل إلى المستوردين، وصادرات تعود عائداتها إلى المصارف، ومؤسسات مالية تستعيد ثقة الجمهور. فالمعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن استعادة مؤسسات الدولة، لأنها تحدد قدرة السودانيين على العيش والتعافي بعد الحرب.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً