الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

أين اختفت المصانع؟.. رحلة رأس المال السوداني من خطوط الإنتاج إلى الهجرة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

أين اختفت المصانع؟.. رحلة رأس المال السوداني من خطوط الإنتاج إلى الهجرة
💬 تعليق 0

الحلقة الثانية: المصنع الذي عبر الحدود.. أين استقر رأس المال السوداني بعد الحرب؟

تحقيق استقصائي

محررو لقطة AI – 13

30 سبتمبر 2026

بعد ثلاث سنوات من احتراق مصنع «ساميل» في الخرطوم، عادت الماكينات إلى الدوران. لكن العامل الذي كان يبحث عن المصنع في السودان لن يجده في موقعه القديم، ولن يجد خط الإنتاج الجديد في بحري أو أم درمان أو حتى في ولاية سودانية أكثر أمنًا. ففي مايو 2026، افتتحت الشركة مصنعها الجديد داخل المنطقة الحرة لقناة السويس في مصر، لتواصل إنتاج الأغذية العلاجية الجاهزة للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد. (Groupe Nutriset⁠)

هذه ليست قصة شركة سودانية فتحت مكتبًا تجاريًا في القاهرة، ولا مستثمر اشترى عقارًا لحماية مدخراته من الحرب. إنها حالة موثقة لمنشأة إنتاجية دُمر موقعها في السودان ثم أعيد بناء النشاط الصناعي خارج البلاد. وتقول مجموعة «Nutriset» الفرنسية، الشريك في المشروع، إن المصنع المصري جاء بعد التدمير المفاجئ لموقع الإنتاج السابق في السودان، وإن المنشأة الجديدة أُنشئت لضمان استمرارية العمليات والإمداد. (Groupe Nutriset⁠)

في الحلقة الأولى من هذا التحقيق تتبعنا ما فعلته الحرب بالمصانع داخل السودان، من الدمار والنهب إلى فقدان الكهرباء والعمال والتمويل، وانتهينا أمام سؤال لم نجد له رقمًا رسميًا شاملًا: كم مصنعًا أو شركة إنتاجية لم يتوقف نشاطها فقط، وإنما انتقل كله أو جزء منه إلى خارج البلاد؟

في هذه الحلقة نحاول الاقتراب من الإجابة. والنتيجة التي تكشفها الوثائق والدراسات والمقابلات المنشورة أكثر تعقيدًا من عبارة «هروب رأس المال». فالمال السوداني لم يذهب إلى مكان واحد، كما أن المصنع وصاحبه وحسابه المصرفي لم ينتقلوا بالضرورة إلى الدولة نفسها. بعض الشركات نقل الإنتاج إلى مصر، وبعض رؤوس الأموال كانت تملك أصلًا حسابات خارج السودان، خصوصًا في الإمارات، بينما أعادت مشروعات صغيرة ومتوسطة تأسيس نفسها في القاهرة وكمبالا ومناطق أخرى. وبين هذه المسارات نشأ اقتصاد سوداني عابر للحدود لم يكن بهذا الحجم قبل الحرب.

من الخرطوم إلى السويس

قصة «ساميل» تمنحنا أوضح نموذج لما يمكن تسميته بالهجرة الصناعية.

قبل الحرب كان المصنع السوداني جزءًا من شبكة «PlumpyField» الدولية المرتبطة بمجموعة Nutriset، وينتج أغذية علاجية جاهزة لمواجهة سوء التغذية. وعندما دُمر المصنع في 2023، لم يكن الخيار التجاري الوحيد هو انتظار استقرار الخرطوم وإعادة البناء في الموقع نفسه. بعد ثلاثة أعوام ظهر المصنع الجديد في المنطقة الحرة لقناة السويس، بشراكة بين مجموعة Nutriset ومجموعة يعقوب السودانية. (Groupe Nutriset⁠)

الموقع الجديد لا يقدم للشركة مجرد أرض بديلة. فالمنطقة تقع داخل عقدة لوجستية تربط البحر الأحمر بالمتوسط والأسواق الدولية، وهو ما وصفته Nutriset بأنه يعزز القدرة الإقليمية على الإنتاج ويسهل الوصول السريع إلى المناطق التي تحتاج الأغذية العلاجية. ومن منظور الشركة، يبدو القرار مفهومًا: الإنتاج يجب أن يستمر، خصوصًا عندما تكون السلعة مرتبطة ببرامج مكافحة سوء التغذية.

لكن القصة تبدو مختلفة عند النظر إليها من زاوية الاقتصاد السوداني. فخط الإنتاج الذي كان يوفر وظائف ويشتري خدمات ويضيف قيمة داخل السودان أصبح يؤدي هذه الوظائف الاقتصادية في دولة أخرى. لم يختفِ الاستثمار، لكنه تغير جغرافيًا.

وهذا هو الفارق الأساسي بين رأس مال دمرته الحرب ورأس مال أنقذ نفسه منها. الأول يمثل خسارة مباشرة، أما الثاني فقد يستمر وينمو، لكن خارج الاقتصاد الذي نشأ فيه.

مصر لم تستقبل الأفراد فقط

ما حدث مع ساميل ليس دليلًا على انتقال الصناعة السودانية كلها إلى مصر، لكنه ليس حالة منفصلة عن اتجاه أوسع أيضًا.

في دراسة ميدانية موسعة عن مجتمعات الأعمال العربية في مصر، وجدت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن عددًا من الشركات السودانية المتوسطة والكبيرة التي انتقلت بعد الحرب استطاعت إعادة تأسيس أعمالها في مصر اعتمادًا على رأس المال والخبرة والشبكات التجارية التي كانت تملكها قبل أبريل 2023. وبحسب الدراسة، لم تبدأ شركات كثيرة من الصفر، وإنما واصلت مجالات عملها السابقة من خلال نقل رأس المال والسلع والخبرات، أو فتح فروع مصرية مع المحافظة قدر الإمكان على جزء من النشاط في السودان. (Carnegie Endowment⁠)

وتشير المقابلات الميدانية التي استندت إليها الدراسة إلى استثمارات سودانية في إنتاج الغذاء وتجارة المحاصيل والثروة الحيوانية والاستشارات الهندسية وقطاعات خدمية أخرى. كما استفاد بعض رجال الأعمال من شبكات مصرية ودولية كانت قائمة قبل الحرب، وهو ما سمح لهم بالتحرك بطريقة لم تكن متاحة لأصحاب المشروعات الصغيرة. (Carnegie Endowment⁠)

وهذه نقطة مهمة في التحقيق، لأن الحرب لم تخلق جميع العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر من الصفر. كان هناك رأس مال سوداني ونشاط تجاري واستثمارات في مصر قبل أبريل 2023، وكانت لبعض رجال الأعمال مساكن وحسابات وعلاقات تجارية هناك. ولذلك سيكون من الخطأ اعتبار كل شركة سودانية تعمل اليوم في مصر «شركة هاجرت بسبب الحرب».

ما فعلته الحرب هو تسريع مسار قائم، وتحويل مصر بالنسبة إلى بعض الشركات من سوق خارجي أو محطة تجارية إلى مكان لاستمرار النشاط نفسه.

القاهرة فتحت الباب للاستثمار

في يناير 2025، استضافت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة المصرية ملتقى لرجال الأعمال السودانيين بحضور ممثلين لعدد كبير من الشركات السودانية العاملة في مصر. وقال رئيس جهاز التمثيل التجاري المصري خلال الملتقى إن قيمة الاستثمارات السودانية في مصر بلغت نحو 240 مليون دولار. (Invest in Egypt⁠)

الرقم مهم، لكن الأهم بالنسبة إلى هذا التحقيق هو طبيعة الرسالة التي وجهتها القاهرة إلى المستثمر السوداني. فقد دعا الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار مجتمع الأعمال السوداني إلى الاستثمار في المناطق الحرة بجنوب مصر، خصوصًا قفط في قنا والمنطقة الحرة بأسوان، مشيرًا إلى الميزة التي يمكن أن توفرها هذه المواقع للاستثمارات المرتبطة بالمواد الخام والصناعات الوسيطة القادمة من السودان. كما تحدث المنتدى عن بناء سلاسل قيمة بين البلدين في صناعات مثل الأغذية والمنسوجات. (Invest in Egypt⁠)

هذا التطور يغير طبيعة المسألة. فانتقال النشاط الصناعي لا يحدث فقط لأن المستثمر يهرب من الحرب؛ هناك دولة أخرى تعرض بنية تحتية وموانئ ومناطق حرة وحوافز وسوقًا كبيرًا وموقعًا يسمح بالتصدير.

ولا يحمل ذلك في ذاته اتهامًا لمصر. جذب الاستثمار وظيفة طبيعية لأي سياسة اقتصادية. لكن من وجهة النظر السودانية يطرح الأمر سؤالًا مختلفًا: إذا أصبحت البيئة المجاورة قادرة على استقبال رأس المال السوداني وتوفير شروط الإنتاج له، فما الذي سيقدمه السودان لإقناعه بالعودة؟

رأس المال الكبير وجد طريقًا.. والصغير وجد القاهرة

تكشف دراسة كارنيغي أن الحرب أنتجت مسارين مختلفين جدًا لرجال الأعمال السودانيين في مصر.

الشركات المتوسطة والكبيرة، خصوصًا تلك التي كانت تمتلك قبل الحرب حسابات بالعملات الأجنبية وشبكات دولية، استطاعت نقل جانب من أعمالها بصورة منظمة نسبيًا. وتشير الدراسة إلى أن شركات كثيرة كانت لديها حسابات خارج السودان، وغالبًا في الإمارات، وهو ما وفر لها حماية من انهيار النظام المصرفي السوداني وسهّل إعادة تأسيس النشاط في مصر. (Carnegie Endowment⁠)

أما على الطرف الآخر، فقد وصل إلى مصر آلاف السودانيين الذين كانت مشروعاتهم أصغر بكثير. أعاد بعضهم فتح مطاعم ومقاهٍ ومتاجر بقالة وصالونات ومشروعات عائلية صغيرة، خصوصًا في أحياء مثل فيصل، لكن كثيرًا من هذه الأنشطة ظل يعمل بصورة غير رسمية ويواجه صعوبات الإقامة والتسجيل والحصول على الحسابات المصرفية والتمويل. (Carnegie Endowment⁠)

وهنا تكشف الحرب تفاوتًا قاسيًا في قدرة رأس المال على النجاة. صاحب الشركة الكبيرة يستطيع أن ينقل السيولة والإدارة، ويستفيد من حساب خارجي، ويدخل في شراكة مع مصنع قائم أو يؤسس شركة جديدة. أما صاحب الورشة أو المصنع الصغير فقد يصل إلى القاهرة بنفسه، بينما تبقى آلاته وثروته خلفه في السودان.

لذلك فإن عبارة «هروب رأس المال» لا تصف الجميع بالطريقة نفسها. جزء من رأس المال هاجر باعتباره استثمارًا، وجزء آخر هاجر صاحبه بينما فقد المشروع الذي كان يملكه.

عندما يصبح المصنع المصري امتدادًا للشركة السودانية

هناك تحول آخر أكثر دلالة من فتح شركة أو مكتب جديد.

وجدت دراسة كارنيغي أن بعض المستثمرين السودانيين أصبحوا يستخدمون شبكات الإنتاج المصرية لاستمرار أعمالهم، بما في ذلك التعامل مع المواد والسلع القادمة من السودان ضمن نشاط تجاري وإنتاجي عابر للحدود. (Carnegie Endowment⁠)

كما قال الأمين العام لاتحاد الصناعات السوداني عباس علي السيد في أبريل 2026 إن عددًا من الشركات السودانية نقل عمليات التصنيع إلى مصر، ثم أصبحت تصدر منتجاتها المصنوعة هناك مرة أخرى إلى السودان. وقال إن عودة المصانع السودانية التي تعمل في مصر ليست متوقعة في المدى القريب. وهذه إفادة قطاعية مهمة، لكنها لا تقدم قائمة شاملة بأسماء تلك المصانع، ولذلك لا يمكن تحويلها إلى رقم لم يعلنه الاتحاد. (Sudan Tribune⁠)

إذا أخذنا هذا المسار كما وصفه اتحاد الصناعات، فنحن أمام تغير اقتصادي أعمق من مجرد خروج الأموال. فقد تصبح المادة الخام سودانية، وصاحب رأس المال سودانيًا، والسوق النهائية سودانية، بينما تتم عملية التصنيع والقيمة المضافة وتوظيف العمال واستهلاك الطاقة ودفع جانب من الرسوم والضرائب خارج السودان.

ثم يعود المنتج النهائي إلى السوق السودانية باعتباره سلعة مصنعة في الخارج.

وهنا تصبح كلفة الحرب أكبر من قيمة المصنع الذي فُقد. فالاقتصاد يخسر جزءًا من العملية التي تحول المادة الخام إلى سلعة أعلى قيمة.

فيض النعم.. الاستثمار يبحث عن أرض أخرى

تقدم مجموعة «فيض النعم» نموذجًا مختلفًا عن ساميل. فالمجموعة تمتلك تاريخًا متنوعًا في السودان يشمل تصنيع وتعبئة الأغذية والكرتون والورق والبلاستيك والأعلاف والإنتاج الحيواني، بحسب بيانات المجموعة نفسها. (Faid Al Naam⁠)

وبعد الحرب توسع نشاط مرتبط بالمجموعة في مصر، خصوصًا في المجال الزراعي والأمن الغذائي. وتظهر هذه الحالة أن انتقال رأس المال لا يتطلب دائمًا فك ماكينة من الخرطوم وتركيبها في القاهرة حتى نكون أمام أثر اقتصادي للحرب؛ فقد يعاد توجيه الاستثمار الجديد نفسه إلى بلد يستطيع المستثمر فيه شراء الأرض وتأمين الكهرباء والتمويل والوصول إلى السوق.

ولهذا نفرق في هذا التحقيق بين نقل مصنع قائم وبين نقل مركز الاستثمار المستقبلي. الحالة الأولى يمكن إثباتها بوضوح في ساميل. أما الثانية فهي أوسع وأصعب قياسًا، لكنها قد تكون على المدى الطويل أكثر تأثيرًا؛ لأن المصنع الذي لم يُبنَ في السودان لن يظهر أصلًا في قوائم المصانع التي دمرتها الحرب.

الإمارات.. حين يسبق الحساب المصرفي المصنع

إذا كانت مصر هي الوجهة التي تظهر فيها أقوى الأدلة على انتقال النشاط الإنتاجي، فإن الإمارات تظهر في صورة مختلفة.

دراسة كارنيغي وجدت أن شركات سودانية متوسطة وكبيرة كانت تملك قبل الحرب حسابات بالعملات الأجنبية خارج السودان، وغالبًا في الإمارات. وساعدت هذه الحسابات على حماية جانب من السيولة من تقلبات الجنيه ومن انهيار النظام المصرفي بعد الحرب، كما أتاحت لبعض رجال الأعمال إقامة وشبكات دولية سهلت حركتهم بين الأسواق. (Carnegie Endowment⁠)

هذا يعني أن جزءًا من رأس المال السوداني لم يبدأ رحلته خارج البلاد في أبريل 2023. كانت البنية المالية العابرة للحدود موجودة بالفعل، ثم جعلتها الحرب أكثر أهمية.

لكن الأدلة التي راجعناها لا تسمح بالقفز من ذلك إلى القول إن المصانع السودانية انتقلت جماعيًا إلى الإمارات. المتاح يثبت بدرجة أقوى دور الإمارات في السيولة والحسابات والإدارة والشبكات التجارية، بينما تقدم مصر دليلًا أوضح على الإنتاج والتصنيع.

والتمييز بين الاثنين ضروري لفهم أين ذهب رأس المال فعلًا.

ليست القاهرة ودبي وحدهما

تظهر خريطة النزوح الاقتصادي وجهات أخرى، ولكن بأوزان مختلفة.

تقرير BTI لعام 2026 يشير إلى انتقال شركات خاصة سودانية إلى مناطق أكثر أمنًا داخل البلاد، مثل بورتسودان وعطبرة، وإلى دول إقليمية تشمل مصر والإمارات وأوغندا وإثيوبيا والسعودية وجنوب السودان. (BTI 2026⁠)

كما أجرت مؤسسة 249Startups دراسة على أكثر من 400 من أصحاب الأعمال ورواد الأعمال السودانيين بعد الحرب، وشملت مواقع داخل السودان وخارجه. واختارت الدراسة القاهرة وكمبالا تحديدًا لدراسة المشروعات السودانية التي أعادت تأسيس نفسها خارج البلاد، إلى جانب بورتسودان وكسلا والقضارف والولاية الشمالية داخل السودان. (249Startups⁠)

لكن وجود شركات سودانية في كمبالا أو أديس أبابا أو الرياض لا يعني تلقائيًا أن مصنعًا انتقل إليها. وحتى الآن، لا توفر المصادر التي راجعناها في هذه البلدان أدلة مماثلة لحالة ساميل تسمح بتقديمها بوصفها مراكز رئيسية لهجرة المصانع السودانية.

ولهذا تظل مصر الحالة الأوضح في التحقيق عندما يتعلق السؤال بالتصنيع نفسه، بينما تعكس بقية الوجهات انتشارًا أوسع لرأس المال والأعمال والأشخاص.

رقم الـ40 مليار دولار.. لماذا لم نعتمده؟

خلال البحث ظهر رقم يستحق التوقف عنده، لا بسبب ضخامته فقط وإنما بسبب الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها الصحافة الاستقصائية مع الأرقام.

في أبريل 2026 قال الأمين العام لاتحاد الصناعات السوداني إن استثمارات السودانيين في العقارات المصرية ارتفعت إلى نحو 40 مليار دولار مقارنة بنحو 23 مليار دولار عند اندلاع الحرب. (Sudan Tribune⁠)

بحثنا عن تأكيد مستقل لهذا الرقم في البيانات المصرية الرسمية المتاحة، ولم نعثر على رقم مماثل يمكن مطابقته معه. وفي المقابل، قالت الهيئة العامة للاستثمار والتمثيل التجاري المصري إن قيمة الاستثمارات السودانية في مصر بلغت نحو 240 مليون دولار في بيانات معلنة خلال 2025. (Invest in Egypt⁠)

الرقمان لا يقيسان بالضرورة الشيء نفسه؛ الأول تقدير من اتحاد صناعي سوداني لقيمة استثمارات عقارية، والثاني رقم مصري رسمي للاستثمارات السودانية وفق تعريفات الاستثمار المستخدمة لدى الجهات المصرية. لذلك سيكون من الخطأ وضع الرقمين في مقارنة مباشرة أو استنتاج أن أحدهما يثبت خطأ الآخر.

ولهذا لا يعتمد هذا التحقيق رقم 40 مليار دولار باعتباره حقيقة مالية مثبتة، وإنما يسجله بصفته تقديرًا صادرًا عن اتحاد الصناعات السوداني لم نجد له حتى الآن تأكيدًا مستقلًا مماثلًا.

وهذه ليست مسألة شكلية. ففي ملف تتداخل فيه الأموال التي غادرت السودان مع شراء العقارات وتسجيل الشركات والحسابات المصرفية والاستثمارات الصناعية، يمكن لرقم ضخم غير محدد التعريف أن يغير صورة الظاهرة كلها.

من يملك القدرة على عدم العودة؟

تكشف المقابلات التي اعتمدت عليها دراسة كارنيغي نتيجة ربما تكون أهم من تحديد الدولة التي استقبلت رأس المال.

الشركات الصغيرة التي انتقلت إلى مصر تواجه تكاليف مرتفعة ومنافسة ومشكلات إقامة وتمويل، ولذلك قد تكون عودتها إلى السودان أكثر احتمالًا إذا استقرت الأوضاع. أما الشركات المتوسطة والكبيرة التي نجحت في تأسيس نشاط مستقر وربط نفسها بالسوق المصرية والدولية، فترى الدراسة أن لديها قدرة أكبر على البقاء في مصر وإدارة وجود اقتصادي عابر للحدود. (Carnegie Endowment⁠)

وهنا يتغير سؤال إعادة الإعمار.

فالدولة تستطيع أن تطلب من المستثمر العودة، لكن المستثمر الذي أعاد بناء مصنعه خارج السودان سيقارن بين بيئتين: الكهرباء، الميناء، العملة، التمويل، التأمين، الضرائب، العمالة، حجم السوق، استقرار القوانين وإمكانية تحويل الأموال.

وبقدر ما تتحسن حياته الاقتصادية في البلد الجديد، تصبح عبارة «العودة إلى الوطن» وحدها أقل قدرة على حسم قرار بملايين الدولارات.

المصنع الذي خرج قد يصبح أصعب من المصنع الذي دُمر

لهذا ربما لا يكون أخطر ما خسرته الصناعة السودانية هو ما يظهر في صور الركام.

المصنع المدمر معروف المكان. يمكن تقدير تكلفة بنائه ووضع خطة لإعادة تشغيله.

أما رأس المال الذي أعاد تأسيس نفسه خارج البلاد، فقد أصبح جزءًا من اقتصاد آخر. ومع مرور الوقت يبني علاقات جديدة ويعرف سوقًا جديدة ويوظف عمالًا جددًا ويجد موردين ومصارف وشركاء. وعندها تصبح استعادته مسألة منافسة اقتصادية، لا مجرد إعادة إعمار.

قصة ساميل تلخص هذه المفارقة. ففي 2023 كان السؤال كيف يمكن تعويض مصنع احترق في الخرطوم. وفي 2026 أصبحت الشركة تملك مصنعًا جديدًا في منطقة حرة مصرية تتمتع باتصال لوجستي واسع. (Groupe Nutriset⁠)

من منظور الشركة، هذه قصة نجاة واستمرارية.

ومن منظور مكافحة سوء التغذية، استمرار الإنتاج مكسب مهم.

لكن من منظور الاقتصاد السوداني، تظل هناك حقيقة يصعب تجاوزها: القدرة الإنتاجية التي كانت تعمل في السودان أصبحت تعمل في مكان آخر.

وهنا تنتهي رحلة الحلقة الثانية عند السؤال الذي ستبدأ منه الحلقة الثالثة.

إذا كانت الحرب قد دمرت جزءًا من المصانع، ودفعت جزءًا من رأس المال والإنتاج إلى الداخل الأكثر أمنًا أو إلى مصر والأسواق الإقليمية، فكيف يمكن للسودان استعادة ما خرج؟

وهل تكفي نهاية الحرب لذلك؟

أم أن السنوات التي قضاها رأس المال في الخارج خلقت واقعًا جديدًا يجعل بعض الاستثمارات أكثر ميلًا للبقاء حيث أصبحت؟

في الحلقة الثالثة والأخيرة من «أين اختفت المصانع؟» نعود إلى السودان لنتتبع المصانع التي بدأت تشغيل ماكيناتها من جديد، ونفحص الكهرباء والتمويل والتأمين والرسوم والبنية التحتية والحوافز التي تحدد قرار المستثمر. وسنضع السؤال الأصعب أمام الأرقام:

إذا كان المصنع يستطيع الإنتاج في الخارج بأمان واستقرار، فماذا يجب أن يتغير داخل السودان حتى تصبح العودة قرارًا اقتصاديًا منطقيًا؟

محررو لقطة AI – 13

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً