محررو لقطة AI – 19
23 سبتمبر 2026
طرح قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان رؤيته لإنهاء الحرب وترتيب المرحلة التي تليها، داعيًا المجتمع الدولي إلى دعم تسوية سياسية تقوم على السيادة والقانون، بينما يتمسك بأن يكون السودانيون أنفسهم أصحاب القرار في صياغة السلام والدستور وتحديد شكل السلطة المقبلة.
وجاءت الرؤية في مقال رأي نشره البرهان في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية في 21 سبتمبر، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة وتصاعد النشاط الدبلوماسي بشأن السودان في نيويورك.
وقال البرهان إن أكثر من اثنتي عشرة محاولة لوقف إطلاق النار رعتها جهات دولية منذ اندلاع الحرب لم تتمكن من إنهاء القتال بصورة دائمة، معتبرًا أن المطلوب لم يعد مجرد هدنة توقف النار لفترة محدودة، وإنما تسوية تمنع عودة الحرب بعد انصراف الاهتمام الدولي عنها. (Foreign Policy)
لكن أهمية المقال لا تكمن فقط في الدعوة إلى «حل سوداني».
البرهان وضع للمرة الأولى في هذا السياق الدولي عناصر متتابعة لما يراه طريقًا للخروج من الحرب: وقف دائم لإطلاق النار، وإبعاد المقاتلين والأسلحة عن المناطق المدنية، ثم جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، وحوار سوداني يكتب دستورًا جديدًا، وصولًا إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي وانتقال للسلطة. (Foreign Policy)
وقف النار ليس نهاية الخطة
بحسب الرؤية التي عرضها البرهان، تبدأ العملية بوقف دائم لإطلاق النار، على أن يجري بعد ذلك إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية بمساعدة ورقابة الأمم المتحدة.
ويقول إن هذه الخطوة ستسمح باستعادة عمل الدولة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
ثم تأتي القضية الأكثر حساسية في الحرب السودانية:
السلاح ومن يملكه بعد توقف القتال.
البرهان قال إن الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب يجب أن تقوم على جيش وطني واحد يخضع للإشراف المدني، بدلًا من استمرار قوات مسلحة موازية ذات ولاءات وقيادات منفصلة. (Foreign Policy)
هذه النقطة تعيد إلى قلب الأزمة القضية التي سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023: مستقبل قوات الدعم السريع وكيفية دمج القوات المسلحة المختلفة داخل مؤسسة عسكرية واحدة.
لكن المقال لا يقدم تفاصيل فنية عن جدول الدمج أو آلياته أو الضمانات المطلوبة لتنفيذه، وهي قضايا كانت من أكثر الملفات تعقيدًا في العملية السياسية السابقة للحرب.
ثم يأتي المدنيون
بعد وقف النار والترتيبات الأمنية، يقترح البرهان إطلاق حوار سوداني–سوداني يقود إلى تسوية سياسية وكتابة دستور جديد داخل البلاد.
وقال إن الدستور المقبل ينبغي أن تكتبه «أيادٍ سودانية»، وإن العملية تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي، يتبعها انتقال سلس للسلطة. (Foreign Policy)
وهنا يقدم البرهان معادلة تجمع بين عنصرين:
قيادة سودانية للعملية السياسية، ورقابة دولية على تنفيذ بعض مراحلها.
فهو لا يرفض الدور الدولي بالكامل.
بل يدعو إلى مراقبين دوليين وإلى دعم الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، لكنه يعارض أن تتحول الوساطة الخارجية، وفق رؤيته، إلى جهة تضع شكل التسوية السياسية أو تحدد مستقبل الحكم نيابة عن السودانيين.
البرهان يرفض توصيف الحرب نفسها
المقال يحمل أيضًا موقفًا سياسيًا واضحًا من طبيعة الصراع.
البرهان رفض وصف ما يجري بأنه حرب أهلية أو مواجهة بين طرفين متساويين، وقال إن الدولة السودانية وقوات الدعم السريع لا تقفان، من وجهة نظره، على أرضية قانونية وسياسية واحدة.
ووصف الحرب بأنها هجوم على دولة عضو في الأمم المتحدة من قوة شبه عسكرية، ودعا المجتمع الدولي إلى عدم منح قوات الدعم السريع شرعية سياسية أو معاملتها بوصفها شريكًا مساويًا للدولة. (Foreign Policy)
وهذا موقف البرهان كما عرضه في مقاله، وليس توصيفًا محايدًا متفقًا عليه دوليًا لطبيعة الحرب.
فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، طرحت هذا الشهر موقفًا مختلفًا بشأن مستقبل السلطة، إذ كتب سفيرها لدى الأمم المتحدة مايكل والتز ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس أن أياً من الجيش أو الدعم السريع لا يملك، في تقدير واشنطن، حقًا مشروعًا في حكم السودان بعد الحرب، ودعوا إلى حوار مدني مستقل يحدد مستقبل البلاد. (Foreign Policy)
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الخلاف السياسي في المسارات المطروحة حاليًا.
خلاف يتجاوز وقف إطلاق النار
من الخارج قد يبدو أن جميع الأطراف تتفق الآن على شيء واحد:
الحرب يجب أن تتوقف.
لكن التفاصيل تكشف اختلافًا أعمق بشأن من يبدأ المرحلة التالية ومن يملك شرعية إدارتها.
البرهان يقول إن الحكومة التي يقودها تمثل السلطة القانونية للدولة السودانية، وإن التسوية ينبغي أن تنطلق من استعادة سلطة الدولة، ثم الانتقال إلى حوار وانتخابات.
أما الموقف الأميركي المعلن أخيرًا فيركز على عدم تحويل السيطرة العسكرية لأي من طرفي الحرب إلى شرعية سياسية بعد انتهائها، وعلى فتح الطريق أمام عملية مدنية مستقلة. (Foreign Policy)
لذلك فإن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بموعد وقف إطلاق النار.
إنه يتعلق أيضًا بالسؤال الذي سيأتي في اليوم التالي:
من يدير السودان بين وقف الحرب والانتخابات؟
التدخل الخارجي في قلب رؤية البرهان
خصص البرهان مساحة مهمة في مقاله للدعم الخارجي الذي يقول إنه مكّن قوات الدعم السريع من مواصلة الحرب.
وتحدث عن مقاتلين أجانب وشبكات عابرة للحدود، وطالب المجتمع الدولي بقطع مصادر التمويل والإمداد العسكري عن قوات الدعم السريع. (Foreign Policy)
وفي هذا الجانب توجد نقطة التقاء جزئية مع الموقف الأميركي، رغم الخلافات الأخرى.
فالولايات المتحدة تقول أيضًا إن التدخل الخارجي وتدفقات السلاح أسهما في إطالة الحرب، لكن واشنطن تدفع نحو قيود أوسع على الأسلحة تشمل طرفي الصراع، وليس الدعم السريع وحده. وفي مقال سابق في «فورين بوليسي»، قال والتز وبولس إن أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم أشكالًا مختلفة من الدعم العسكري للأطراف المتحاربة. (Foreign Policy)
وهكذا يتفق الطرفان على وجود مشكلة اسمها التدخل الخارجي.
ويختلفان في كيفية توزيع المسؤولية وكيفية التعامل معها.
لماذا نشر البرهان رؤيته الآن؟
التوقيت يحمل أهمية سياسية واضحة.
مقال البرهان صدر بينما تحولت نيويورك إلى مركز مكثف للتحركات المتعلقة بالسودان.
وفد «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك يجري لقاءات مع مسؤولين دوليين وأمميين.
الحكومة السودانية تجري اتصالاتها الخاصة.
الولايات المتحدة تدفع بمقترح هدنة إنسانية.
والنقاش حول حظر السلاح ومستقبل العملية السياسية مستمر بالتوازي.
وفي هذه البيئة، نشر البرهان رؤيته مباشرة في مجلة أميركية مؤثرة يعني أن الرسالة موجهة إلى جمهور دولي بقدر ما هي موجهة إلى الداخل السوداني.
إنها محاولة لشرح الكيفية التي تريد بها قيادة الجيش ترتيب المسار:
وقف الحرب أولًا، ثم توحيد السلاح، ثم حوار ودستور وانتخابات، مع دور دولي للمساعدة والمراقبة وليس لتحديد النتيجة السياسية.
«السلام السوداني» ليس محل خلاف في الشعار
هناك مفارقة تستحق الانتباه.
العديد من القوى السودانية المتعارضة تستخدم الآن عبارة متقاربة:
عملية سياسية سودانية القيادة والملكية.
البرهان يستخدمها.
وقوى مدنية تستخدمها.
والوسطاء الدوليون يتحدثون عنها.
لكن الاتفاق على العبارة لا يعني الاتفاق على مضمونها.
من يشارك في الحوار؟
ومن يُستبعد؟
ومن يدير الفترة الانتقالية؟
وماذا يحدث لقوات الدعم السريع؟
وكيف تُدمج التشكيلات المسلحة الأخرى؟
وما مدة الفترة السابقة للانتخابات؟
ومن يضمن أن يستطيع ملايين النازحين واللاجئين المشاركة في العملية السياسية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان شعار «الحل السوداني» يستطيع التحول إلى عملية سياسية حقيقية.
الانتخابات نهاية الطريق وليست بدايته
إدراج الانتخابات في رؤية البرهان مهم، لكنه يضع أمام الخطة اختبارًا عمليًا ضخمًا.
السودان اليوم بلد مزقته الحرب.
ملايين المواطنين نزحوا داخليًا أو عبروا الحدود.
بعض المناطق ما تزال ساحات قتال.
المؤسسات المدنية تعرضت لدمار واسع.
والسيطرة العسكرية والجغرافية منقسمة.
لذلك فإن إجراء انتخابات حرة لا يبدأ بصندوق الاقتراع.
يحتاج أولًا إلى أمن يسمح بالحركة، وعودة أو مشاركة النازحين واللاجئين، وسجل انتخابي، ومؤسسات مستقلة، وحرية سياسية وإعلامية، وقواعد متفق عليها بين القوى السودانية.
والمقال نفسه لا يحدد جدولًا زمنيًا لهذه المراحل. (Foreign Policy)
أربعة مطالب يضعها أمام العالم
في ختام رؤيته، طلب البرهان من المجتمع الدولي دعم الخطة التي يقول إنه قدمها إلى مجلس الأمن، وقطع خطوط التمويل والإمداد عن قوات الدعم السريع، ومساندة الأمم المتحدة في مراقبة أي وقف مستقبلي لإطلاق النار، وترك المجال للسودانيين لتحديد ما يأتي سياسيًا بعد ذلك. (Foreign Policy)
وهذه المطالب توضح جوهر الرسالة.
البرهان لا يطالب بانسحاب المجتمع الدولي من الملف السوداني.
بل يريد إعادة تعريف دوره.
دعم ومراقبة وضغط لوقف الإمداد العسكري، من دون أن يكتب الخارج شكل السلطة المقبلة.
لكن نجاح هذه الرؤية لن يتحدد بما كتبه البرهان وحده.
سيعتمد على موقف الطرف الآخر في الحرب، والقوى المدنية، والحركات المسلحة، والدول الإقليمية، والولايات المتحدة، ومجلس الأمن، والأهم على قدرة أي اتفاق على حماية المدنيين وإيقاف القتال فعلًا.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح شعار «السلام السوداني» حاضرًا في معظم المبادرات.
الاختبار الآن هو تحويله من عبارة يتفق الجميع عليها نظريًا إلى قواعد سياسية وأمنية يقبل السودانيون الاحتكام إليها عندما تصمت البنادق.
محررو لقطة AI – 19
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات