قراءة في إرث الانقلابات وحرمان السودانيين من التداول السلمي للسلطة
بقلم: عبود النصيح
2026/7/12
ليست هذه محاولة لإدانة المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها مؤسسة وطنية يفترض أن تتولى حماية البلاد وسيادتها وحدودها، وليست دعوة إلى الانتقاص من تضحيات الجنود والضباط الذين أدوا واجبهم في ظروف بالغة التعقيد. كما أنها لا تسعى إلى تحميل الجيش وحده مسؤولية كل ما أصاب الدولة السودانية من أزمات وانقسامات وحروب.
لكن القراءة المنصفة للتاريخ تفرض التمييز بين الجيش بوصفه مؤسسة قومية ضرورية للدولة، وبين الحكم العسكري بوصفه ممارسة سياسية استولت عبرها قيادات عسكرية متعاقبة على السلطة، وعطلت التطور الدستوري، وحالت دون ترسيخ التداول السلمي للحكم.
منذ استقلال السودان في عام 1956، ظل الجيش حاضراً في مركز المعادلة السياسية، لا على أطرافها. وما إن كانت البلاد تبدأ تجربة مدنية، حتى كانت الدبابات تعيد ترتيب المشهد، وتغلق البرلمان، وتعلق الدستور، وتحل الأحزاب، ثم تعد المواطنين بفترة انتقالية قصيرة تنتهي غالباً إلى سنوات طويلة من الحكم الفردي.
وبحساب الفترات التي خضع فيها السودان لحكم عسكري مباشر، أو لترتيبات انتقالية هيمنت عليها القيادة العسكرية، يكون السودانيون قد عاشوا معظم سنوات الاستقلال تحت سلطة عسكرية أو نفوذ عسكري حاسم، مقابل فترات مدنية متقطعة وقصيرة العمر. فقد أطاحت الانقلابات العسكرية بالحكومات المنتخبة في أعوام 1958 و1969 و1989، بينما أنهى انقلاب 25 أكتوبر 2021 الشراكة الانتقالية وأوقف المسار الذي كان يفترض أن يقود إلى حكم مدني.
انقلاب عبود.. بداية الحلقة المغلقة
بعد أقل من ثلاثة أعوام على الاستقلال، استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة في 17 نوفمبر 1958، لتبدأ أول تجربة حكم عسكري مباشر في السودان.
جاء الانقلاب في ظل أزمة سياسية وخلافات حزبية حادة، وهي ظروف استخدمها الحكم العسكري لتبرير تدخله بوصفه محاولة لإعادة الاستقرار وإنقاذ الدولة من الفوضى. ومنذ ذلك الوقت ترسخت في المخيلة السياسية السودانية فكرة خطيرة مفادها أن عجز المدنيين أو اختلاف الأحزاب يمنح المؤسسة العسكرية حق التدخل والاستيلاء على السلطة.
لم يكن انقلاب عبود مجرد تغيير في رأس الحكم، بل أسس لنمط سياسي كامل يقوم على تعطيل الدستور وحل الأحزاب وإلغاء البرلمان وتركيز السلطة في مجلس عسكري.
ورغم ما ارتبط بفترة عبود من مشروعات تنموية وإدارية، فإن التجربة كشفت مبكراً أن التنمية التي لا تستند إلى المشاركة السياسية والشرعية الشعبية تظل هشة وغير قادرة على معالجة الأزمات العميقة للدولة.
كما تبنى نظام عبود مقاربة أمنية تجاه أزمة جنوب السودان، بدلاً من التعامل معها باعتبارها قضية سياسية مرتبطة بطبيعة الحكم والتنوع والحقوق وتوزيع السلطة. وقد ساهمت تلك السياسات في تعميق التوتر واتساع دائرة الصراع.
وهكذا بدأت إحدى السمات التي ستتكرر لاحقاً: تحويل الأزمات السياسية إلى ملفات أمنية، ثم استخدام تفاقمها مبرراً لمزيد من عسكرة الدولة.
لكن ثورة أكتوبر 1964 أثبتت أن المجتمع السوداني لم يقبل بتحويل الحكم العسكري إلى قدر دائم، وأجبرت نظام عبود على التنحي، فاتحة الباب أمام تجربة مدنية جديدة.
نميري.. من وعود الثورة إلى الدولة الفردية
لم تستمر الديمقراطية الثانية سوى سنوات قليلة، قبل أن يقود العقيد جعفر نميري انقلاب 25 مايو 1969.
رفع النظام الجديد شعارات الثورة والتغيير والعدالة الاجتماعية، وقدم نفسه بوصفه بديلاً عن الطائفية والصراعات الحزبية. لكنه سرعان ما تحول إلى نظام مركزي شديد الشخصنة، احتكر القرار السياسي، وحظر النشاط الحزبي، وأقام تنظيماً سياسياً واحداً تابعاً للدولة.
شهد عهد نميري توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي أوقفت الحرب في الجنوب لنحو عقد من الزمان، وكانت دليلاً على أن التسويات السياسية يمكن أن تحقق ما تعجز عنه العمليات العسكرية. غير أن النظام نفسه أضعف الاتفاق لاحقاً عندما اتخذ قرارات أحادية أعادت تقسيم الجنوب، وقلصت الحكم الذاتي، وفرضت قوانين سبتمبر 1983 في بيئة شديدة الحساسية والتعقيد.
أسهمت تلك السياسات في إشعال الحرب الأهلية الثانية عام 1983، وهي حرب امتدت أكثر من عقدين، وحصدت أرواحاً هائلة، وأدت إلى موجات واسعة من النزوح والجوع والدمار، قبل أن تنتهي باتفاق السلام الشامل عام 2005، ثم بانفصال جنوب السودان في 2011.
تكشف تجربة نميري عن معضلة جوهرية في الحكم العسكري؛ فقد يمتلك الحاكم القدرة على اتخاذ القرار بسرعة، لكنه عندما يحتكر السلطة ويغيب المؤسسات يصبح قادراً أيضاً على إلغاء اتفاقات مصيرية أو تغيير بنية الدولة دون رقابة برلمانية أو تفويض شعبي أو نقاش وطني كافٍ.
وحين اندلعت انتفاضة أبريل 1985، سقط نظام نميري بعد نحو ستة عشر عاماً من الحكم، لكن الدولة خرجت من التجربة أكثر هشاشة، والحرب أكثر اتساعاً، والاقتصاد أكثر إنهاكاً.
انقلاب البشير.. عسكرة الدولة وتسييس الجيش
في 30 يونيو 1989، أطاح العميد عمر البشير بالحكومة المدنية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، مستنداً إلى تحالف منظم مع الجبهة الإسلامية القومية.
مثّل ذلك الانقلاب تحولاً أكثر خطورة من التجارب السابقة؛ لأنه لم يكتف بإقامة سلطة عسكرية، بل دمج بين المؤسسة العسكرية والمشروع الأيديولوجي والحزب الحاكم والأجهزة الأمنية والاقتصاد السياسي للدولة.
خلال ثلاثة عقود، لم تعد عسكرة الحكم مقتصرة على وجود ضباط في القصر، بل امتدت إلى بنية الدولة بكاملها. أُقصي آلاف الموظفين والعسكريين تحت سياسات التمكين، وأُضعفت الخدمة المدنية، وتوسعت الأجهزة الأمنية، وتداخلت المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش والأمن والحزب مع المال العام.
وفي ظل هذا النظام اتسعت الحرب في الجنوب، ثم اندلعت حرب دارفور عام 2003، وتجددت النزاعات في جنوب كردفان والنيل الأزرق. وبدلاً من بناء جيش قومي واحد يخضع لقيادة مهنية ودستور مدني، اعتمد النظام على مليشيات وقوات موازية لمواجهة التمردات وحماية السلطة.
ومن أخطر نتائج هذه السياسة صعود قوات الدعم السريع من جذور مليشياوية ارتبطت بحرب دارفور، ثم تقنين وضعها وتوسيع قوتها العسكرية والاقتصادية حتى أصبحت قوة مسلحة كبيرة تنافس مؤسسات الدولة النظامية.
لقد استخدمت السلطة العسكرية المليشيات باعتبارها أداة لمواجهة خصومها، لكنها ساهمت بذلك في خلق اختلالات أمنية عميقة ستنعكس لاحقاً على مستقبل الدولة نفسها.
لم يكن نظام البشير عسكرياً بالمعنى المهني المحض، بل كان نظاماً سياسياً أيديولوجياً استخدم الجيش والأمن والمليشيات والاقتصاد لإدامة بقائه. ولهذا فإن تحميل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية تلك المرحلة يغفل دور الحركة الإسلامية والحزب الحاكم وشبكات المصالح المدنية والاقتصادية التي شاركت في صناعة النظام والاستفادة منه.
لكن ذلك لا يعفي القيادات العسكرية التي قبلت بتحويل الجيش إلى ركيزة لحكم حزبي، بدلاً من الحفاظ عليه مؤسسة قومية تقف على مسافة واحدة من المجتمع وقواه السياسية.
ثورة ديسمبر.. فرصة التغيير التي لم تكتمل
أسقطت ثورة ديسمبر نظام البشير في أبريل 2019 بعد ثلاثين عاماً من الحكم. غير أن سقوط رأس النظام لم يؤدِّ إلى تفكيك البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية التي قام عليها.
فقد تولى مجلس عسكري السلطة، ثم جرى التوصل إلى صيغة شراكة بين المكونين المدني والعسكري. وكان يفترض أن تقود المرحلة الانتقالية إلى إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحقيق السلام، وتفكيك التمكين، وإجراء انتخابات حرة تنقل السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة.
لكن الشراكة حملت داخلها تناقضاً بنيوياً كبيراً. فقد احتفظ العسكريون بالنفوذ الفعلي على السلاح وقطاعات اقتصادية مهمة وملفات العلاقات الخارجية والأمن، بينما تحمل المدنيون جانباً كبيراً من مسؤولية إدارة الأزمة الاقتصادية والخدمات.
وفي 25 أكتوبر 2021، أنهت القيادة العسكرية الشراكة القائمة وحلت مؤسسات الحكم الانتقالي، لتتعرض عملية الانتقال الديمقراطي لانتكاسة جديدة أعادت السودان إلى دائرة الصراع حول السلطة.
وكان الانقلاب ضربة جديدة لفكرة الانتقال المدني، لكنه كشف أيضاً أن التوازنات التي قامت عليها المرحلة الانتقالية كانت هشة وغير مستقرة.
فما لبث الخلاف بين مراكز القوة المسلحة أن تحول إلى صراع مفتوح حول السلطة وترتيبات الإصلاح العسكري والأمني ومستقبل الدولة نفسها.
الحرب الحالية.. نتيجة أزمة دولة لا خلاف شخصين فقط
من الخطأ اختزال الحرب الحالية في خصومة شخصية بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو.
فالخلاف بين الرجلين كان الشرارة المباشرة، لكنه وقع فوق أرض أعدتها عقود من عسكرة السياسة، وتعدد الجيوش، وتسييس المؤسسة العسكرية، وغياب الرقابة المدنية، وتداخل السلاح مع الاقتصاد، واستخدام القوة طريقاً للوصول إلى الحكم أو البقاء فيه.
لقد وصل السودان إلى لحظة أصبح فيها طرفا الصراع يمتلكان جيوشاً وموارد وشبكات اقتصادية وعلاقات خارجية، بينما لا يمتلك المواطن مؤسسة مدنية منتخبة قادرة على ضبطهما أو مساءلتهما.
الحرب، بهذا المعنى، ليست انحرافاً منفصلاً عن تاريخ الدولة، بل نتيجة متطرفة لنظام سياسي ظل يؤجل السؤال الأساسي منذ الاستقلال: من يحكم السودان، وبأي شرعية، وتحت أي رقابة؟
لا تعني هذه القراءة المساواة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع من حيث النشأة والوضع القانوني والتكوين المؤسسي، ولا تعني تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المختلفة. لكنها تؤكد أن السماح بوجود قوة عسكرية موازية، وتمكينها اقتصادياً وسياسياً، ثم إشراكها في تقرير مصير الانتقال، كان نتيجة مباشرة لغياب الدولة المؤسسية.
هل وفّر الحكم العسكري الاستقرار؟
كان التبرير المتكرر لكل انقلاب أن البلاد تمر بأزمة لا يستطيع السياسيون حلها، وأن الجيش سيتدخل مؤقتاً لاستعادة النظام ثم يعيد السلطة إلى المدنيين.
لكن الحصيلة التاريخية تقول إن الحكم العسكري لم ينهِ عدم الاستقرار، بل أعاد إنتاجه بصورة أعمق.
ففي ظل الأنظمة العسكرية، شهد السودان اتساع الحروب الأهلية، وتفاقم الانقسامات الجهوية، وانفصال الجنوب، واندلاع حرب دارفور، وتوسع المليشيات، وتدهور المؤسسات، ثم اندلاع الحرب الحالية.
وهذا لا يعني أن الحكومات المدنية كانت بلا أخطاء. فقد عانت التجارب الديمقراطية من ضعف الأحزاب، والصراعات الشخصية، وقصر النظر، والفشل في معالجة قضايا الاقتصاد والحرب وبناء المؤسسات.
لكن الفرق الجوهري هو أن إخفاق الحكومة المدنية يمكن معالجته بالانتخابات والمساءلة وتغيير القيادة، بينما يؤدي الانقلاب إلى إلغاء الآلية التي يستطيع بها المجتمع تصحيح أخطاء الحكم.
فالانتخابات لا تضمن وصول أفضل الحكومات دائماً، لكنها تمنح الشعب حق تغييرها من دون رصاصة واحدة. أما الانقلاب فيمنح مجموعة مسلحة حق تقرير مصير الدولة خارج الإرادة العامة.
الانقلاب لا يعالج ضعف الأحزاب بل يفاقمه
كثيراً ما استخدم العسكريون ضعف الأحزاب مبرراً للاستيلاء على السلطة. لكن الأنظمة العسكرية كانت من أكبر أسباب استمرار ذلك الضعف.
فعندما تُحل الأحزاب، ويُعتقل قادتها، وتُصادر صحفها، وتُمنع من النشاط لسنوات أو عقود، فإنها تُحرم من فرص التطور الطبيعي والتجديد والتواصل مع المجتمع.
وحين يسقط النظام العسكري فجأة، تعود الأحزاب إلى الساحة وهي تحمل مشكلاتها القديمة، بينما تكون مؤسسات الدولة المدنية قد ضعفت، والمجتمع السياسي قد فقد خبرة الممارسة الديمقراطية المستمرة.
هكذا نشأت دائرة مغلقة: تفشل الأحزاب في إدارة مرحلة قصيرة، فيتدخل الجيش، ثم يحكم سنوات طويلة ويضعف المجال السياسي، وعندما يسقط تعود الأحزاب أكثر هشاشة، فيُستخدم ضعفها مرة أخرى ذريعة لانقلاب جديد.
إن الديمقراطية لا تنضج في عامين أو ثلاثة، ولا تصبح الأحزاب مؤسسات راسخة وهي تعمل تحت التهديد الدائم بحلها أو الانقلاب عليها. فالتداول السلمي يحتاج إلى تراكم تاريخي، وتقاليد دستورية، وانتخابات متعاقبة، ومؤسسات تتعلم من أخطائها.
وقد حُرم السودان من هذا التراكم لأن كل تجربة مدنية تقريباً بدأت من الصفر، ثم انتهت قبل أن تتمكن من إصلاح نفسها.
الاقتصاد العسكري.. السلطة التي تحمي مصالحها
لا يمكن فهم استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة من خلال الطموح الشخصي للقادة وحده. فقد أصبح للمنظومة العسكرية والأمنية عبر العقود حضور واسع في الاقتصاد، من خلال الشركات والصناعات والتجارة والزراعة والتعدين والخدمات.
وتكمن المشكلة هنا ليس في امتلاك الجيش منشآت ضرورية للدفاع، وهو أمر موجود في دول كثيرة، بل في توسع النشاط التجاري خارج متطلبات الأمن القومي، وضعف الشفافية، وغياب الرقابة البرلمانية والمحاسبية الكاملة.
عندما تمتلك مؤسسة مسلحة موارد اقتصادية مستقلة عن وزارة المالية، تصبح قادرة على حماية نفوذها السياسي وتمويل شبكاتها بعيداً عن الرقابة المدنية.
ويؤدي تداخل السلطة والسلاح والمال إلى مقاومة أي انتقال ديمقراطي قد يفتح ملفات الشركات والإيرادات والعقود والامتيازات. وهنا لا يصبح الخروج من السياسة مسألة مهنية فحسب، بل تهديداً لمصالح اقتصادية تراكمت عبر سنوات طويلة.
الجيش القومي لا الجيش الحاكم
السودان لا يستطيع الاستغناء عن جيش وطني موحد وقوي ومهني. فالدولة ذات الحدود الواسعة والتنوع الكبير والموقع الإقليمي الحساس تحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة على حماية سيادتها ومواطنيها.
لكن قوة الجيش لا تُقاس بعدد السنوات التي يحكم فيها، بل بقدرته على أداء مهمته الدستورية من دون التحول إلى حزب سياسي أو سلطة اقتصادية أو وصي على المجتمع.
فالجيش المهني لا يضع البرامج الاقتصادية، ولا يختار الحكومات، ولا يدير الانتخابات، ولا يحدد القوى المدنية المقبولة والمرفوضة.
كما أن الحكم المدني لا يعني إضعاف القوات المسلحة أو إهانتها، بل يعني وضعها في موقعها الطبيعي: مؤسسة وطنية محترفة تخضع للدستور والقانون والقيادة المدنية المنتخبة، وتحظى في المقابل بالدعم والاحترام والموارد اللازمة لأداء واجبها.
الإصلاح الأمني والعسكري.. ضرورة لا شعار
العودة إلى الحكم المدني لن تكون كافية ما لم يصاحبها إصلاح حقيقي للقطاع الأمني والعسكري.
ويجب أن يقوم هذا الإصلاح على تأسيس جيش قومي مهني واحد، ودمج أو تسريح التشكيلات المسلحة وفق معايير وطنية واضحة، وإنهاء وجود الجيوش الموازية، وضبط السلاح، وإعادة بناء العقيدة العسكرية على حماية الدستور والمواطن وحدود الدولة.
كما يتطلب الإصلاح إخضاع ميزانيات المؤسسات العسكرية والأمنية للرقابة التشريعية، ومنع النشاط الحزبي داخل القوات النظامية، وتجريم استخدام المؤسسة العسكرية للوصول إلى السلطة.
لكن إصلاح الجيش لا يمكن أن يتحول إلى عملية انتقام أو إقصاء جماعي، فالمؤسسة العسكرية تضم عشرات الآلاف من المهنيين الذين لا علاقة لهم بقرارات الانقلابات أو الصراع السياسي.
المسؤولية ليست عسكرية وحدها
رغم الدور المركزي للانقلابات، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن العسكريين لم يتحركوا دائماً في فراغ.
فقد استعانت قوى حزبية ومدنية بالعسكر لإقصاء خصومها، وباركت بعض التنظيمات الانقلابات أو شاركت في أنظمتها أو بحثت عن نصيبها في السلطة بعد وقوعها. كما أخفقت النخب السياسية مراراً في بناء توافق وطني ودستوري يحمي الديمقراطية ويمنع تكرار الانقلابات.
وكان لكل انقلاب تقريباً ظهير سياسي أو أيديولوجي أو اجتماعي وفر له التبرير أو الغطاء أو المشاركة.
ولذلك فإن إنهاء الانقلابات لا يتحقق بمطالبة الجيش وحده بالابتعاد عن السياسة، بل يتطلب أيضاً التزاماً من القوى المدنية بعدم استدعاء المؤسسة العسكرية إلى قلب الصراع السياسي كلما تعثرت التفاهمات أو اشتدت المنافسة على السلطة.
نحو ميثاق دائم للعلاقة بين المدنيين والعسكريين
يحتاج السودان إلى ميثاق دستوري واضح لا يترك العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية رهينة للتوازنات المؤقتة أو حسن نيات الأفراد.
يجب أن يقرر هذا الميثاق أن السلطة السياسية مصدرها الشعب، وأن الانتخابات الحرة هي الطريق الوحيد للوصول إلى الحكم، وأن القوات المسلحة مؤسسة قومية مهنية تخضع للقيادة المدنية الدستورية.
كما يجب أن يجرّم الانقلابات والتحريض عليها والمشاركة فيها، وألا يسمح لمن يستولي على السلطة بالقوة بتحويل الأمر الواقع إلى شرعية عبر مفاوضات تمنحه نصيباً دائماً في الحكم.
إن التسويات قد تكون ضرورية لوقف الحروب وحماية الأرواح، لكنها لا ينبغي أن تؤسس لقاعدة مفادها أن من يحمل السلاح يحصل على مقعد في السلطة، بينما ينتظر المواطن الانتخابات التي لا تأتي.
هذه القراءة تمثل الجزء الأول من سلسلة تناقش أسباب تعثر التجربة السودانية الحديثة. وفي الجزء الثاني نتناول دور الأحزاب السياسية السودانية، لها وما عليها، وكيف أسهمت أزماتها البنيوية والتنظيمية في إضعاف التجربة الديمقراطية وتعقيد مسار بناء الدولة الوطنية.
خاتمة: حماية الجيش من الحكم وحماية الدولة من الانقلاب
بعد سبعة عقود من الاستقلال، لم يعد السودان يملك ترف إعادة التجربة نفسها وانتظار نتيجة مختلفة.
لقد أثبت التاريخ أن الانقلابات لا تبني دولة مستقرة، وأن الحكم العسكري، مهما رفع من شعارات الإنقاذ والانضباط والوطنية، ينتهي غالباً إلى إضعاف المؤسسات وتركيز السلطة وإغلاق المجال السياسي، ثم يترك وراءه أزمة أعمق من تلك التي استخدمها مبرراً للاستيلاء على الحكم.
كما أثبتت التجربة أن إضعاف الجيش أو تفكيكه ليس طريقاً إلى الديمقراطية، بل قد يفتح الباب أمام المليشيات والفوضى والتدخلات الخارجية.
المعادلة المطلوبة ليست الاختيار بين جيش حاكم ودولة بلا جيش، وإنما بناء دولة مدنية ديمقراطية تمتلك جيشاً قومياً موحداً ومهنياً، لا جيشاً يمتلك الدولة.
إن أعظم خدمة يمكن تقديمها للمؤسسة العسكرية هي تحريرها من عبء الحكم، وإعادتها إلى وظيفتها الدستورية، وحمايتها من الاستقطاب الحزبي والمصالح الاقتصادية والصراع على السلطة.
وأعظم حق يجب رده إلى الشعب السوداني هو حقه في اختيار من يحكمه، ومحاسبته، وتغييره سلمياً.
فالسودانيون لم يُحرموا طوال العقود الماضية من الديمقراطية فقط، بل حُرموا من فرصة تراكمها وتعلمها وتصحيح أخطائها. وكل انقلاب لم يكن يطيح بحكومة وحدها، بل كان يقطع الطريق أمام بناء تقليد دستوري كان يمكن أن ينضج مع الزمن.
إن الخروج من دائرة الحرب والانقلاب لن يبدأ بتغيير قائد عسكري بقائد آخر، ولا باستبدال تحالف مسلح بتحالف جديد، بل يبدأ بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة واضحة لا تقبل التأويل:
السلاح لحماية الوطن، والسلطة يقررها الشعب.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد













