عبود النصيح
www.lagtaai.com
11 يوليو 2026
لم تكن ثورة ديسمبر 2018 مجرد حدث سياسي أطاح بنظام حكم استمر ثلاثين عاماً، كما لم تكن انتفاضة تقليدية يمكن قراءتها ضمن السلسلة المعروفة للثورات والانتفاضات السودانية. فقد حملت الثورة في جوهرها مؤشرات تحول أعمق من مجرد تغيير السلطة، إذ أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة، ومفهوم الشرعية السياسية، وهوية القوى المؤهلة لقيادة المستقبل.
وبعد سنوات من اندلاعها، وما أعقبها من مرحلة انتقالية مضطربة، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، تبدو ثورة ديسمبر اليوم أقرب إلى نقطة بداية لمسار تاريخي طويل، لا إلى محطة مكتملة النتائج. فما تشهده الساحة السودانية حالياً ليس صراعاً حول السلطة فقط، بل صراع حول شكل المجال السياسي نفسه، ومن يملك حق تمثيل المجتمع والتحدث باسمه.
من شرعية التاريخ إلى شرعية الأداء
لأكثر من ستة عقود، تشكلت الحياة السياسية السودانية حول قوى تاريخية استندت إلى إرث وطني وطائفي واجتماعي واسع. فقد احتفظت الأحزاب التقليدية بمكانة مؤثرة داخل المجتمع، مستفيدة من شبكات الولاء التاريخية والرمزية المرتبطة بفترات النضال الوطني والاستقلال.
غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. فقد نشأت أجيال جديدة في بيئة مختلفة، أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر تشككاً في الخطابات السياسية التقليدية، وأقل استعداداً لمنح الثقة على أساس الانتماء التاريخي وحده.
وعندما اندلعت ثورة ديسمبر، لم تكن الجماهير تطالب فقط بإسقاط نظام سياسي، بل كانت تعبر أيضاً عن حالة سخط أوسع تجاه مجمل النخبة السياسية التي عجزت، بدرجات متفاوتة، عن تقديم مشروع وطني قادر على معالجة أزمات الدولة المتراكمة.
من هنا بدأ التحول الأهم؛ إذ انتقلت الشرعية السياسية تدريجياً من الاعتماد على التاريخ والرمزية إلى الاعتماد على القدرة على الإنجاز والاستجابة لمطالب المواطنين.
ثورة ما بعد الأحزاب التقليدية
لم تكن ثورة ديسمبر انتصاراً كاملاً علي الأحزاب التقليدية، كما لم تكن إعلاناً لنهايتها. فقد شاركت هذه الأحزاب في الحراك السياسي وأسهمت في التحالفات التي قادت المرحلة الانتقالية، لكنها لم تكن القوة الوحيدة المحركة للأحداث.
على العكس من ذلك، برزت خلال الثورة قوى شبابية ومهنية ومدنية لعبت دوراً محورياً في صناعة الحراك الشعبي. فقد تحولت لجان المقاومة إلى أحد أهم الفاعلين الميدانيين، بينما لعب تجمع المهنيين السودانيين دوراً بارزاً في تنظيم الاحتجاجات وصياغة المطالب السياسية.
كما ظهرت تنظيمات سياسية حديثة، بعضها خرج من رحم الأحزاب التقليدية نفسها، كما حدث في تجربة التجمع الاتحادي، التي عكست رغبة قطاعات شبابية في إعادة صياغة المشروع السياسي الاتحادي بأدوات مختلفة عن تلك التي سادت لعقود.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يعد الشارع السوداني ينظر إلى الأحزاب التاريخية باعتبارها الممثل الحصري للتغيير، بل أصبحت جزءاً من مشهد أكثر تنوعاً وتعقيداً.
اختبار الانتقال
أظهرت سنوات الانتقال السياسي أن القوى الجديدة والقوى التقليدية كانت في حاجة متبادلة إلى بعضها البعض. فالأحزاب امتلكت الخبرة السياسية والتراكم التنظيمي والعلاقات الإقليمية والدولية، بينما امتلكت القوى الشبابية والمهنية شرعية الشارع وقدرته على الحشد والتعبئة.
لكن هذه العلاقة لم تنجح دائماً في إنتاج مشروع سياسي متماسك. فقد سرعان ما ظهرت الخلافات حول أولويات الإصلاح، وإدارة المرحلة الانتقالية، وطبيعة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، وكيفية تفكيك بنية النظام السابق.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين الطموحات الكبيرة التي رفعتها الثورة والقدرات المؤسسية المتاحة لتحقيقها.
الأحزاب التقليدية أمام اختبار البقاء
وضعت الثورة الأحزاب التقليدية أمام أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل. فهل تستطيع هذه الأحزاب تجديد قياداتها وهياكلها التنظيمية؟ وهل يمكنها استيعاب الأجيال الجديدة داخل مؤسساتها؟ وهل ما زالت الأدوات السياسية التي نجحت في القرن الماضي قادرة على النجاح في القرن الحادي والعشرين؟
لقد كشفت السنوات الأخيرة عن أزمات داخلية متعددة، تمثلت في الانقسامات التنظيمية، وتعدد مراكز القرار، وتراجع القدرة على مخاطبة القواعد الشبابية.
كما أظهرت الحرب الحالية أن بعض هذه القوى لم تنجح في تقديم مواقف موحدة تجاه القضايا الوطنية الكبرى، الأمر الذي انعكس على حضورها وتأثيرها في المجال العام.
الحرب وتعميق التحولات
إذا كانت ثورة ديسمبر قد كشفت بداية التحول، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 جاءت لتسرّع هذا المسار بصورة غير مسبوقة.
فقد تغيرت أولويات المجتمع بشكل جذري. وأصبح المواطن السوداني يبحث عن الأمن والخدمات وسبل البقاء أكثر من اهتمامه بالشعارات السياسية التقليدية.
وفي ظل هذا الواقع، برزت مبادرات محلية ومنظمات مدنية وإدارات أهلية وشبكات تطوعية لعبت أدواراً مباشرة في حياة المواطنين، وهو ما أضاف فاعلين جدداً إلى المشهد السياسي والاجتماعي.
لكن هذه التحولات لا تعني بالضرورة نهاية الأحزاب التقليدية، بقدر ما تعني أن البيئة التي كانت تمنحها النفوذ تلقائياً لم تعد موجودة بالصورة نفسها.
الطريق الذي لم يكتمل
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة ثورة ديسمبر هو التعامل معها باعتبارها حدثاً انتهى بسقوط النظام السابق. فالواقع يشير إلى أن الثورة فتحت مساراً تاريخياً ما تزال نتائجه النهائية قيد التشكل.
فالقوى الجديدة لم تتحول بعد إلى مؤسسات سياسية راسخة قادرة على إدارة الدولة، والأحزاب التقليدية لم تنجح بعد في إنجاز عملية التجديد المطلوبة، بينما جاءت الحرب لتضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد.
ولهذا يبدو السودان اليوم في مرحلة انتقال بين عالمين: عالم سياسي قديم تتراجع أدواته التقليدية، وعالم جديد لم تكتمل ملامحه بعد.
خاتمة
لم تكن ثورة ديسمبر نهاية الطريق، بل كانت بداية رحلة طويلة لإعادة تعريف السياسة والشرعية والقيادة في السودان.
فالتحدي الحقيقي لم يعد متعلقاً بمن يحكم فقط، بل بكيفية بناء مجال سياسي أكثر قدرة على تمثيل المجتمع والاستجابة لتحولاته. وبينما تواجه الأحزاب التقليدية اختبار التكيف مع واقع جديد، تواجه القوى الشبابية والمهنية اختبار التحول من قوة احتجاج إلى قوة بناء ومؤسسات.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو من سيرث المشهد السياسي السوداني، بل أي القوى ستكون أكثر قدرة على بناء عقد وطني جديد يستجيب لتطلعات السودانيين بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد












