محررو لقطة
www.lagtaai.com
10 يوليو 2026
بينما تستمر الحرب في السودان في حصد الأرواح وتوسيع دائرة النزوح والدمار، يبرز سؤال يبدو مؤجلاً اليوم لكنه سيكون حاضراً بقوة في أي مرحلة سياسية قادمة: كيف يمكن تحقيق العدالة للضحايا دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام السلام؟ وكيف يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية دون تجاهل الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال سنوات النزاع؟
هذه الأسئلة تقع في صميم مفهوم “العدالة الانتقالية”، وهو المفهوم الذي برز في العديد من الدول الخارجة من النزاعات والحروب والأنظمة الاستبدادية، باعتباره محاولة للجمع بين متطلبات العدالة وحاجات الاستقرار السياسي. غير أن تطبيقه في السودان يواجه تحديات استثنائية تجعل الطريق إليه أكثر تعقيداً من كثير من التجارب الأخرى.
ما المقصود بالعدالة الانتقالية؟
العدالة الانتقالية ليست محاكمة أشخاص فحسب، كما أنها ليست مجرد مصالحة سياسية بين الخصوم. بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال فترات النزاع أو التحول السياسي.
وتقوم العدالة الانتقالية عادة على أربعة محاور رئيسية:
- كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات.
- المساءلة القانونية ومحاسبة المسؤولين.
- جبر الضرر وتعويض الضحايا.
- إصلاح المؤسسات لمنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
والهدف النهائي ليس الانتقام من الماضي، بل بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
السودان وتاريخ طويل من الجراح المفتوحة
تكمن خصوصية الحالة السودانية في أن الحديث عن العدالة الانتقالية لا يتعلق بحرب واحدة أو مرحلة سياسية محددة، بل بسلسلة متواصلة من النزاعات والانقلابات والحروب الأهلية والانتهاكات الممتدة لعقود.
من الحرب الأهلية في الجنوب، إلى نزاع دارفور، مروراً بالأحداث التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018، وصولاً إلى الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل 2023، تراكمت ملفات ضخمة من الانتهاكات والضحايا والمفقودين والنازحين.
ولذلك فإن أي مشروع للعدالة الانتقالية في السودان لن يواجه سؤالاً حول كيفية التعامل مع انتهاكات طرف واحد فقط، بل مع إرث معقد ومتداخل يشمل أطرافاً متعددة وفترات زمنية مختلفة.
مطالب الضحايا: لا سلام بلا عدالة
بالنسبة للضحايا وأسرهم، تبدو العدالة مطلباً أساسياً لا يمكن التنازل عنه. فهناك آلاف الأسر التي فقدت أبناءها أو تعرضت للنزوح أو فقدان الممتلكات أو الاعتقال أو الانتهاكات الجسيمة، وترى أن أي تسوية سياسية لا تتضمن محاسبة المسؤولين ستكون بمثابة تكريس للإفلات من العقاب.
وتستند هذه الرؤية إلى تجربة سودانية طويلة شهدت في أكثر من مناسبة إغلاق ملفات الانتهاكات أو تأجيلها باسم الاستقرار السياسي، دون أن يؤدي ذلك إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من الحقوقيين أن تجاهل العدالة قد يوفر هدوءاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع سلاماً دائماً.
تعقيدات الواقع السياسي
في المقابل، تواجه الدعوات إلى العدالة الانتقالية واقعاً سياسياً شديد التعقيد.
فالسودان اليوم لا يعيش مرحلة انتقال مستقرة، بل يعيش حرباً مفتوحة وأزمة مؤسسات غير مسبوقة. كما أن تعدد الأطراف المسلحة والانقسامات السياسية يجعل من الصعب الوصول إلى توافق حول آليات المحاسبة أو تحديد المسؤوليات.
وتخشى بعض القوى السياسية من أن تؤدي المطالبات الواسعة بالمحاسبة إلى إطالة أمد الصراع أو تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، خاصة إذا شعرت الأطراف المتحاربة بأن أي اتفاق قد يقودها مباشرة إلى المحاكم.
وهنا تظهر المعضلة التقليدية التي واجهتها كثير من الدول الخارجة من الحروب: هل تُقدَّم العدالة أولاً أم السلام أولاً؟
بين العدالة والسلام: معادلة صعبة
التجارب الدولية تشير إلى أن الاختيار بين العدالة والسلام غالباً ما يكون اختياراً خاطئاً من الأساس، لأن السلام المستدام يحتاج إلى قدر من العدالة، كما أن العدالة لا يمكن أن تتحقق بالكامل في ظل استمرار الحرب.
ففي رواندا وجنوب أفريقيا وسيراليون وكولومبيا، لم تكن الحلول متطابقة، لكنها اشتركت في نقطة أساسية: البحث عن توازن بين حق الضحايا في معرفة الحقيقة والمحاسبة، وبين الحاجة إلى منع انهيار العملية السياسية.
وبالنسبة للسودان، قد يكون التحدي الأكبر هو إيجاد صيغة تحقق هذا التوازن دون الوقوع في فخ الانتقام أو الإفلات الكامل من العقاب.
هل تكفي المحاكم وحدها؟
رغم أهمية المساءلة القضائية، فإن العدالة الانتقالية لا تختزل في إصدار الأحكام.
فالملايين الذين فقدوا منازلهم أو مصادر رزقهم أو أفراداً من أسرهم يحتاجون أيضاً إلى تعويضات وجبر للضرر واعتراف رسمي بمعاناتهم.
كما أن المجتمعات المحلية التي مزقتها الحرب تحتاج إلى مصالحة مجتمعية تعيد بناء الثقة بين مكوناتها المختلفة، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات ذات أبعاد قبلية أو إثنية.
وفي غياب هذه العناصر، قد تتحول العدالة إلى عملية قانونية محدودة التأثير على الواقع الاجتماعي.
إصلاح المؤسسات: الحلقة الأهم
يرى كثير من الخبراء أن إصلاح المؤسسات قد يكون أكثر أهمية من محاكمة الأفراد على المدى البعيد.
فالهدف النهائي للعدالة الانتقالية ليس فقط محاسبة من ارتكبوا الانتهاكات، بل ضمان عدم تكرارها. وهذا يتطلب بناء مؤسسات قضائية وأمنية وعسكرية أكثر مهنية واستقلالية وخضوعاً للقانون.
ومن دون إصلاح مؤسسي حقيقي، تبقى احتمالات تكرار الأزمات قائمة حتى بعد انتهاء الحرب.
أي طريق يناسب السودان؟
لا توجد وصفة جاهزة يمكن نقلها من دولة إلى أخرى. فكل تجربة عدالة انتقالية تنبع من خصوصية المجتمع الذي تُطبق فيه.
وفي الحالة السودانية، يبدو أن أي مسار مستقبلي سيحتاج إلى مزيج من الآليات، يشمل المحاسبة القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، إلى جانب حوار وطني واسع يضمن مشاركة الضحايا والمجتمعات المتأثرة بالحرب.
كما أن نجاح هذا المسار سيعتمد إلى حد كبير على الإرادة السياسية وقدرة السودانيين على الاتفاق حول شكل الدولة التي يريدون بناءها بعد الحرب.
خاتمة
العدالة الانتقالية في السودان ليست نقاشاً قانونياً مجرداً، بل قضية ترتبط بمستقبل البلاد نفسه. فالحروب قد تتوقف باتفاق سياسي أو بوقف لإطلاق النار، لكن آثارها تبقى حاضرة في ذاكرة المجتمعات لعقود طويلة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنهاء الحرب، بل في كيفية التعامل مع ما خلفته من جراح وخسائر وانقسامات.
وبين مطالب الضحايا المشروعة وتعقيدات الواقع السياسي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح السودان في بناء نموذج للعدالة يمنع تكرار المأساة، أم أن ملفات الانتهاكات ستبقى عبئاً مؤجلاً يلاحق الأجيال القادمة؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















