محررو لقطة
info@lagtaai.com
10 يوليو 2026
على مدى سنوات الحرب، انشغل السودانيون والعالم بمشاهد الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي. لكن خلف هذه الصور المرئية تتشكل أزمة أخرى أقل ظهوراً وأكثر خطورة، وهي الأزمة النفسية التي باتت تمس ملايين السودانيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
فاليوم لم يعد الإرهاق النفسي مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل تحول إلى أحد أبرز ملامح الواقع اليومي، حيث يعيش قطاع واسع من السكان تحت ضغط مستمر من الخوف وعدم اليقين وفقدان الاستقرار.
حياة تحت إنذار دائم
في كثير من المدن والقرى السودانية، أصبحت الحياة اليومية مرتبطة بحالة من الترقب المستمر.
أصوات الطائرات المسيّرة، والقصف المتقطع، والانقطاعات المفاجئة للكهرباء والاتصالات، والقلق على أفراد الأسرة، كلها عوامل تدفع الإنسان إلى البقاء في حالة استنفار نفسي متواصل.
ويشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن هذا النوع من الضغوط المستمرة يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، ما يؤدي إلى اضطرابات النوم، ونوبات القلق، وضعف التركيز، والشعور المستمر بالإرهاق حتى دون بذل مجهود جسدي كبير.
عندما تنهار أدوات الصمود
في بداية الأزمات، يعتمد الأفراد عادة على شبكاتهم الاجتماعية والعائلية للتخفيف من آثار الضغوط.
لكن الحرب الممتدة استنزفت كثيراً من هذه الآليات.
فالنزوح القسري أدى إلى تفكك آلاف الأسر، بينما فقد كثير من السودانيين مصادر دخلهم أو اضطروا للانتقال إلى بيئات جديدة بعيدة عن محيطهم الاجتماعي المعتاد.
ومع مرور الوقت، أصبح عدد متزايد من الناس يواجهون الأزمات اليومية دون الدعم النفسي والاجتماعي الذي كان يساعدهم سابقاً على التكيف.
الجوع والقلق.. دائرة مغلقة
لا يمكن فصل الصحة النفسية عن الظروف المعيشية.
فكلما ارتفعت معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، زادت مستويات القلق والتوتر داخل المجتمع.
وفي المقابل، فإن الإرهاق النفسي المزمن يقلل من قدرة الفرد على التخطيط والعمل واتخاذ القرارات السليمة، ما ينعكس سلباً على قدرته على تحسين ظروفه المعيشية.
وهكذا تتشكل دائرة مغلقة يصبح فيها الفقر سبباً للضغط النفسي، ويصبح الضغط النفسي بدوره سبباً في تعميق الفقر.
اللامبالاة كوسيلة دفاع
من الظواهر التي بدأت تظهر بصورة متزايدة حالة من اللامبالاة أو الانسحاب النفسي تجاه الأحداث.
فبعد سنوات من التعرض المستمر للأخبار الصادمة والخسائر المتكررة، يلجأ بعض الأفراد إلى تقليل تفاعلهم العاطفي مع ما يحدث حولهم كوسيلة لحماية أنفسهم من الانهيار النفسي.
ورغم أن هذا السلوك قد يبدو للبعض نوعاً من التكيف، إلا أن المختصين يحذرون من أنه قد يتحول مع الوقت إلى حالة من العزلة وفقدان الدافعية وتراجع المشاركة المجتمعية.
خسائر لا تظهر في الإحصاءات
عادة ما تُقاس آثار الحروب بعدد الضحايا والخسائر الاقتصادية وحجم الدمار المادي.
لكن هناك خسائر أخرى يصعب قياسها بالأرقام، تتمثل في تآكل الثقة والأمل والشعور بالأمان داخل المجتمع.
فالإرهاق النفسي لا يؤثر على الأفراد فقط، بل ينعكس أيضاً على الإنتاجية والتعليم والقدرة على بناء العلاقات الاجتماعية واتخاذ القرارات، وهي عناصر أساسية لأي عملية تعافٍ مستقبلي.
ما بعد الحرب يبدأ من الصحة النفسية
يرى خبراء أن أي مشروع لإعادة بناء السودان مستقبلاً لن يكتمل بالتركيز على البنية التحتية والاقتصاد وحدهما.
فإعادة تأهيل الإنسان ستكون جزءاً أساسياً من عملية التعافي الوطني.
ولهذا تتزايد الدعوات إلى دمج خدمات الدعم النفسي والاجتماعي ضمن الاستجابات الإنسانية الحالية، والعمل على إعداد برامج طويلة الأمد لمساعدة المتضررين من آثار الحرب والصدمات الجماعية.
فالحروب لا تنتهي فقط عندما تتوقف المعارك، بل عندما يتمكن الناس من استعادة شعورهم بالأمان وقدرتهم على الحياة الطبيعية من جديد.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















