محررو لقطة
info@lagtaai.com
9 يوليو 2026
عادت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى واجهة المشهد السوداني بعد تصاعد الجدل حول طبيعتها العسكرية والاستراتيجية، وذلك في أعقاب تصريحات صادرة عن تحالف “السودان التأسيسي” (تأسيس) اعتبرت المدينة هدفاً عسكرياً مشروعاً لاحتوائها على منشآت وقواعد عسكرية تتبع للقوات المسلحة السودانية.
وأثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية والإنسانية، خاصة أن الأبيض تُعد في الوقت نفسه مدينة مدنية تضم مئات الآلاف من السكان، وتواجه أصلاً أوضاعاً إنسانية متدهورة نتيجة الحرب المستمرة.
لماذا تُعد الأبيض مدينة استراتيجية؟
تحتل الأبيض موقعاً محورياً في الجغرافيا العسكرية والاقتصادية السودانية، إذ تضم مقر “فرقة الهجانة” التي تُعد من أعرق تشكيلات الجيش السوداني، إضافة إلى قاعدة جوية تلعب دوراً مهماً في العمليات العسكرية ومهام الاستطلاع والإسناد الجوي في مناطق كردفان ودارفور.
كما تمثل المدينة نقطة ربط رئيسية بين شرق السودان وغربه، وتتحكم في جزء مهم من خطوط الإمداد والنقل البري التي تربط الولايات الوسطى بإقليم دارفور.
ولا تتوقف أهمية الأبيض عند الجانب العسكري فقط، إذ تمر عبرها بنية تحتية استراتيجية مرتبطة بقطاع الطاقة والنقل، ما يجعلها ذات قيمة اقتصادية تتجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة.
بين القانون الدولي والواقع الميداني
وفقاً للقانون الدولي الإنساني، يمكن أن تتحول بعض المواقع المدنية إلى أهداف عسكرية إذا استُخدمت بصورة مباشرة في العمليات القتالية أو وفرت ميزة عسكرية واضحة لأحد أطراف النزاع.
لكن القاعدة الأساسية التي تؤكد عليها المواثيق الدولية هي مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وضرورة تجنب الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي قد تؤدي إلى خسائر واسعة في صفوف السكان المدنيين.
ولهذا السبب أثارت التصريحات الأخيرة مخاوف من أن يؤدي توسيع مفهوم “الهدف العسكري” إلى تعريض مدينة مكتظة بالسكان لمزيد من المخاطر الإنسانية.
مدينة مدنية في قلب المعركة
تكمن خصوصية الأبيض في أنها ليست مجرد موقع عسكري أو قاعدة عمليات، بل مدينة يعيش فيها مئات الآلاف من المدنيين، إضافة إلى أعداد كبيرة من النازحين الذين فروا من مناطق النزاع الأخرى.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة والاستهدافات العسكرية التي أثرت على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الكهرباء والمياه وبعض المرافق الحيوية.
وقد دفعت هذه التطورات منظمات أممية وإنسانية إلى التحذير من مخاطر تدهور الوضع الإنساني إذا استمرت الهجمات أو توسعت العمليات العسكرية داخل المدينة ومحيطها.
لماذا تثير الأبيض قلق المجتمع الدولي؟
تخشى جهات دولية من تكرار سيناريوهات شهدتها مدن سودانية أخرى تحولت تدريجياً من مراكز مدنية إلى ساحات قتال مفتوحة.
وترى منظمات حقوقية أن الحفاظ على الطابع المدني للأبيض وحماية سكانها يجب أن يكون أولوية لجميع الأطراف، خاصة في ظل وجود مؤشرات على تزايد الضغوط الإنسانية ونقص الخدمات الأساسية.
كما أن موقع المدينة يجعل أي تصعيد عسكري واسع فيها قادراً على التأثير في حركة الإمدادات الإنسانية والتجارية نحو مناطق واسعة من كردفان ودارفور.
معركة تتجاوز البعد العسكري
لا يقتصر الجدل حول الأبيض على مسألة قانونية تتعلق بتوصيفها كهدف عسكري من عدمه، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المدن السودانية التي أصبحت تجمع بين الوظائف العسكرية والمدنية في آن واحد.
وفي ظل استمرار الحرب، تبقى الأبيض نموذجاً واضحاً للتحدي الذي يواجه السودان اليوم: كيف يمكن حماية المدنيين في مدن تحولت بحكم موقعها وأهميتها إلى جزء من معادلات الصراع العسكري؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















