محررو لقطة
www.lagtaai.com
10 يوليو 2026
في الحروب، لا تتنافس البنادق وحدها على السيطرة، بل تتنافس الكلمات أيضاً. فكل معركة عسكرية توازيها معركة أخرى على الوعي والذاكرة وتفسير الأحداث، وفي هذه المساحة يتصارع خطابان متناقضان: خطاب يدعو إلى السلام وحماية المدنيين واستعادة الدولة، وخطاب آخر يقوم على التخوين والتحريض والانتقام وتقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة.
وفي السودان، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بوجود خطاب الكراهية أو حضور صوت السلام، بل أصبح أكثر تعقيداً: أيهما يمتلك التأثير الأكبر على المجتمع، وعلى مسار الحرب، وعلى مستقبل البلاد؟
الإجابة المباشرة قد تبدو مؤلمة؛ ففي اللحظة الراهنة، يبدو خطاب الكراهية أسرع انتشاراً وأشد قدرة على التعبئة والتحريض. لكنه، رغم ذلك، لا يمتلك بالضرورة التأثير الأعمق أو الأكثر استدامة. فصوت السلام، وإن بدا أضعف من حيث الضجيج، يظل أكثر اتصالاً بحاجة المجتمع إلى البقاء واستعادة الحياة وبناء المستقبل.
حرب على الأرض وأخرى داخل الوعي
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد الصراع محصوراً في الجبهات العسكرية، بل امتد إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والمجالس العامة والخطاب السياسي. وأصبح كل طرف يسعى إلى إنتاج روايته الخاصة عن الحرب، وتحديد من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن يستحق التعاطف ومن يجوز استبعاده أو استهدافه.
وفي هذا المناخ، تحولت اللغة في كثير من الأحيان من أداة للفهم إلى وسيلة للتعبئة والتحريض. ولم يعد بعض الخطاب يكتفي بانتقاد الخصوم السياسيين أو العسكريين، بل اتجه نحو تصنيف المجتمعات والقبائل والمناطق، وربط الانتماء الجغرافي أو الإثني بالمواقف العسكرية والسياسية.
وقد حذرت تقارير حقوقية من أن خطاب الكراهية في السودان لم يبقَ مجرد تعبير لفظي، بل ساهم في خلق بيئة تسمح باستهداف المدنيين على أسس إثنية، وتبرير العنف ضد مجموعات كاملة، خاصة في مناطق دارفور. كما وثقت الأمم المتحدة تصاعد الهجمات ذات الدوافع الإثنية، إلى جانب الاعتقالات القائمة على الاشتباه في التعاون مع أحد طرفي الحرب. (Human Rights Watch)
لماذا ينتشر خطاب الكراهية أسرع؟
خطاب الكراهية يمتلك عناصر تمنحه قوة كبيرة في أوقات الحروب. فهو بسيط ومباشر، ولا يحتاج إلى شرح طويل أو تحليل معقد. يقدم للجمهور عدواً واضحاً، ويحمل هذا العدو مسؤولية كل الخسائر، ثم يمنح أتباعه شعوراً بالانتماء إلى جماعة يُفترض أنها أكثر نقاءً أو وطنية من غيرها.
كما أنه يخاطب المشاعر الأكثر حساسية لدى الإنسان: الخوف، والغضب، والرغبة في الانتقام، والشعور بالتهديد. وهذه المشاعر تصبح أكثر حضوراً في مجتمع يعيش القتل والنزوح وفقدان الممتلكات وانهيار الخدمات.
وعندما يفقد الناس الإحساس بالأمان، يصبحون أكثر استعداداً لتصديق الروايات الحادة، حتى إن كانت ناقصة أو مضللة. فالإنسان الغاضب لا يبحث دائماً عن الحقيقة الكاملة، بل يبحث أحياناً عن تفسير يبرر ألمه ويحدد له المسؤول عن معاناته.
ولهذا يستطيع خطاب الكراهية أن ينتشر في دقائق عبر مقطع قصير أو تسجيل صوتي أو منشور مجهول المصدر، بينما يحتاج خطاب السلام إلى وقت أطول لأنه يقوم على التحقق، والاعتراف بتعقيد الصراع، ورفض التعميم.
منصات التواصل وتضخيم الاستقطاب
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم ساحات الحرب السودانية. فهي لا تنقل الأخبار فقط، بل تعيد تشكيلها وتضخيمها وفقاً لميول المستخدمين وشبكاتهم السياسية والاجتماعية.
وتمنح هذه المنصات المحتوى الغاضب والمثير قدرة أكبر على الوصول، لأن الجمهور يتفاعل عادةً مع المواد التي تثير الخوف أو الصدمة أو الغضب أكثر من تفاعله مع الخطاب الهادئ والمتوازن.
وهنا تتشكل دائرة خطرة: ينتج أحد الأطراف خطاباً تحريضياً، ثم يعيد مؤيدوه نشره، فتلتقطه الحسابات الكبرى والمنصات الإعلامية، ثم يتحول تدريجياً إلى موقف عام يُعامل كما لو كان حقيقة ثابتة.
ومع استمرار هذه العملية، يصبح التراجع عن خطاب الكراهية صعباً؛ لأن الاعتراف بخطئه قد يُفسر باعتباره ضعفاً أو خيانة، بينما تصبح المزايدة في التطرف وسيلة لإثبات الولاء.
خطاب الكراهية لا يصف الحرب فقط بل يطيلها
أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يكتفي بوصف العدو، بل يساعد على إعادة إنتاجه باستمرار. فعندما تُختزل جماعة كاملة في صورة الخصم أو الخائن، تتضاءل فرص الحوار، وتصبح التسوية السياسية في نظر الجمهور نوعاً من التنازل غير المقبول.
وهكذا يتحول الخطاب إلى قوة مادية تساهم في إطالة الحرب. فكلما ارتفعت لغة الانتقام، صعب على القيادات السياسية والعسكرية التراجع أو التفاوض، لأنها تخشى اتهامها بالخيانة من الجمهور الذي جرى تعبئته.
كما أن الكراهية توسع دائرة الحرب، لأن الصراع ينتقل من مواجهة بين تشكيلات مسلحة إلى مواجهة بين مجتمعات. وعندها لا يعود وقف إطلاق النار وحده كافياً، لأن آثار الحرب تصبح مخزنة داخل الذاكرة الاجتماعية، وفي روايات الضحايا، وفي علاقات الجيران والمناطق والقبائل.
أين يقف صوت السلام؟
في المقابل، يبدو صوت السلام أقل ضجيجاً، لكنه أكثر اتساعاً مما توحي به منصات التواصل. فالغالبية العظمى من السودانيين ليست طرفاً مباشراً في الحرب، بل تدفع ثمنها من أمنها وأرزاقها ومستقبل أبنائها.
والنازح الذي فقد منزله، والمواطن الذي عجز عن الحصول على الغذاء أو الدواء، والأسرة التي تفرقت بين الداخل والخارج، لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التحريضية، بل إلى وقف الحرب واستعادة الحياة.
وقد وصفت الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين وعشرات الملايين الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي أو نقص المياه والخدمات الأساسية. وهذا الواقع يعني أن السلام ليس مجرد موقف سياسي، بل أصبح حاجة اجتماعية وإنسانية يومية. (The United Nations in Sudan)
لكن المشكلة أن هذه الأغلبية المتضررة لا تمتلك دائماً المنابر أو الأدوات التي تسمح لها بتحويل رغبتها في السلام إلى قوة سياسية وإعلامية مؤثرة.
لماذا يبدو صوت السلام ضعيفاً؟
صوت السلام يعاني من عدة مشكلات. أولها أنه غالباً ما يُقدَّم بلغة عامة، مثل الدعوة إلى وقف الحرب دون تقديم تصور واضح للعدالة أو الأمن أو شكل الدولة بعد القتال.
وثانيها أن بعض الأطراف تستخدم شعار السلام بصورة انتقائية أو دعائية، ما أفقد الكلمة جزءاً من ثقة الجمهور. فالسودانيون لا يريدون سلاماً شكلياً يعيد إنتاج أسباب الحرب أو يمنح الحصانة لمرتكبي الانتهاكات.
كما أن دعاة السلام يتعرضون أحياناً للتخوين من الطرفين، لأن البيئة المستقطبة لا تقبل المواقف المستقلة بسهولة. فمن يرفض الحرب قد يُتهم بمساندة أحد طرفيها، ومن يدعو إلى التفاوض قد يُتهم بمحاولة إنقاذ الخصم.
ولهذا يصبح الصمت أحياناً أكثر أماناً من إعلان موقف واضح، ما يمنح الخطاب المتطرف مساحة أوسع للسيطرة.
السلام من دون عدالة لا يصمد
لا يمكن لصوت السلام أن يصبح مؤثراً ما لم يرتبط بمشروع للعدالة والمساءلة. فالضحايا لا يريدون أن يُطلب منهم نسيان ما تعرضوا له باسم المصالحة، ولا يمكن بناء سلام دائم فوق إنكار الجرائم أو تجاهل الحقوق.
وقد أكدت تقارير حقوقية أن غياب المساءلة كان من الأسباب التي سمحت بتكرار العنف في السودان، وأن أي تسوية لا تتعامل مع العدالة ستظل معرضة للانهيار. (Human Rights Watch)
وهنا يجب التمييز بين السلام والاستسلام، وبين المصالحة والإفلات من العقاب. فالسلام الحقيقي لا يعني مساواة الضحية بالجلاد، ولا يعني تجاوز الجرائم، بل يعني وقف الحرب، وحماية المدنيين، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات عادلة.
التأثير اللحظي والتأثير العميق
عند قياس التأثير، يجب التمييز بين نوعين مختلفين.
خطاب الكراهية يمتلك تأثيراً لحظياً مرتفعاً؛ فهو يحشد الناس بسرعة، ويحدد لهم عدواً، ويبرر العنف، ويزيد التفاعل السياسي والإعلامي.
أما صوت السلام فيمتلك تأثيراً أبطأ، لكنه أكثر عمقاً. فهو لا يكتفي بإثارة المشاعر، بل يسعى إلى تغيير طريقة التفكير، وإعادة الاعتراف بالآخر، وترميم الثقة، وبناء قواعد تمنع عودة الحرب.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن خطاب الكراهية قادر على إشعال قرية في ساعات، بينما يحتاج صوت السلام إلى سنوات لإعادة بناء ما دمرته تلك الساعات.
لكن هذا لا يعني أن الكراهية أكثر قوة في النهاية. فهي قادرة على الهدم، لكنها عاجزة عن تقديم مشروع للحكم أو الاقتصاد أو التعليم أو إعادة الإعمار.
من يخدمه خطاب الكراهية؟
غالباً ما يخدم خطاب الكراهية القوى التي تستفيد من استمرار الحرب. فكلما انقسم المجتمع، أصبح من السهل على الأطراف المسلحة الحفاظ على نفوذها، وتقديم نفسها بوصفها الحامي الوحيد لمجموعة معينة.
كما تستخدم بعض القوى السياسية الكراهية لصرف الأنظار عن فشلها أو مسؤوليتها، عبر تحويل النقاش من الأسئلة المتعلقة بالحكم والعدالة والاقتصاد إلى أسئلة الهوية والانتماء.
وعندما يصبح المجتمع منشغلاً بتحديد من هو الخائن ومن هو الأصيل، تتراجع المطالبة بالشفافية والمحاسبة والخدمات العامة.
لذلك فإن مقاومة خطاب الكراهية ليست مسألة أخلاقية فقط، بل هي أيضاً جزء من مقاومة اقتصاد الحرب ومراكز النفوذ التي تستفيد من تفكك المجتمع.
مسؤولية الإعلام السوداني
يقع على الإعلام دور أساسي في تحديد أي الخطابين سيكون الأعلى تأثيراً. فوسائل الإعلام لا تنقل الواقع بصورة محايدة دائماً، بل تختار اللغة والعناوين والصور وطريقة تقديم الضحايا والفاعلين.
وعندما تستخدم الوسيلة الإعلامية توصيفات جماعية أو تنشر أخباراً غير موثقة أو تمنح المنابر للتحريض، فإنها تتحول من ناقل للحدث إلى طرف في صناعة الصراع.
أما الإعلام المسؤول، فعليه أن يفرق بين النقد المشروع والتحريض، وبين تسمية المسؤولين عن الجرائم وتعميم الاتهام على مجتمعات كاملة.
كما يجب عليه منح مساحة أكبر للضحايا والمبادرات المدنية وأصوات المجتمعات المحلية، بدلاً من اختزال السودان في تصريحات القادة العسكريين والسياسيين.
ما الذي يحتاجه صوت السلام ليصبح أقوى؟
لا يكفي أن يكون خطاب السلام أخلاقياً؛ بل يجب أن يكون مقنعاً ومنظماً ومرتبطاً بمصالح الناس المباشرة.
فالمواطن الذي فقد عمله يحتاج إلى معرفة كيف سيعيد السلام الاقتصاد، والنازح يحتاج إلى ضمانات العودة والأمن، والضحايا يحتاجون إلى العدالة، والمناطق المهمشة تحتاج إلى مشاركة حقيقية في السلطة والثروة.
كذلك يحتاج صوت السلام إلى لغة جديدة، لا تكتفي بالشعارات، بل تشرح للناس تكلفة استمرار الحرب، وتقدم تصوراً واضحاً لما بعدها.
كما يحتاج إلى تحالف واسع يضم الإعلاميين والمثقفين والقيادات المجتمعية والشباب والنساء والنازحين والمهنيين، لأن السلام لا يمكن أن يبقى مشروع نخبة سياسية منفصلة عن المجتمع.
أيهما الأعلى تأثيراً؟
في اللحظة الراهنة، يبدو خطاب الكراهية أكثر قدرة على السيطرة على المزاج العام في أوقات التصعيد، لأنه يستند إلى الخوف والغضب والصدمة، ويحصل على دعم مباشر أو غير مباشر من قوى تستفيد من الحرب.
لكن هذا التأثير سريع وقصير الأجل ومدمر في نتائجه.
أما صوت السلام، فرغم ضعفه الإعلامي والسياسي، فإنه يعبر عن الحاجة الأعمق لدى غالبية السودانيين: الحاجة إلى الأمان، وعودة الحياة، واستعادة الدولة، وإنهاء سنوات النزوح والانهيار.
ولذلك يمكن القول إن خطاب الكراهية هو الأعلى تأثيراً في لحظة التعبئة، لكن صوت السلام هو الأعلى تأثيراً في صناعة المستقبل.
خاتمة لقطة
المعركة الحقيقية في السودان ليست فقط بين جيشين أو مشروعين سياسيين، بل بين تصورين لمستقبل المجتمع: تصور يقوم على الخوف والإقصاء والانتقام، وتصور يقوم على العدالة والتعايش والاعتراف المتبادل.
وقد يستطيع خطاب الكراهية أن يملأ المنصات وأن يفرض نفسه في ساعات الغضب، لكنه لا يستطيع إعادة النازحين إلى منازلهم، ولا فتح المدارس والمستشفيات، ولا إعادة بناء المدن، ولا تأسيس دولة مستقرة.
أما السلام، فلن ينتصر لمجرد أنه الخيار الأخلاقي الأفضل، بل عندما يتحول إلى مشروع واضح يربط وقف الحرب بالعدالة والمساءلة وإعادة الإعمار ومعالجة جذور النزاع.
فالسؤال لم يعد: أي الصوتين أعلى؟
بل: هل ينجح السودانيون في جعل صوت السلام أكثر تنظيماً وتأثيراً قبل أن تصبح الكراهية جزءاً دائماً من بنية المجتمع؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد





















