بقلم: مصطفى محمود
11 يوليو 2026
لم تعد العلاقة بين السودان والإمارات العربية المتحدة مجرد ملف ثنائي يتعلق بالتجارة أو الاستثمارات أو التعاون الدبلوماسي التقليدي. فمع استمرار الحرب السودانية وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية في المشهد السوداني، تحولت هذه العلاقة إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في المنطقة، وأصبحت جزءاً من صراع أوسع يرتبط بمستقبل البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتوازنات النفوذ في الإقليم.
فبينما تتبادل الخرطوم وأبوظبي الاتهامات السياسية بصورة غير مسبوقة، لا تزال المصالح الاقتصادية القديمة والروابط التجارية والاستثمارية حاضرة في خلفية المشهد. هذه المفارقة دفعت كثيراً من المراقبين إلى وصف العلاقة بأنها واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تناقضاً؛ إذ تجمع بين القطيعة السياسية من جهة والتشابك الاقتصادي من جهة أخرى.
كيف وصلت العلاقة إلى هذه المرحلة؟
قبل اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، كانت الإمارات تُعد أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين للسودان. فقد شهدت السنوات الماضية تدفق استثمارات إماراتية كبيرة إلى قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ والبنية التحتية، كما أصبحت دبي مركزاً رئيسياً لتجارة الذهب السوداني وحركة رجال الأعمال السودانيين.
لكن اندلاع الحرب غيّر المعادلة بالكامل.
فمع اتساع رقعة الصراع واحتدام المعركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأت الاتهامات المتبادلة بالظهور، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أزمة سياسية مفتوحة ألقت بظلالها على مجمل العلاقة بين البلدين.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الحديث عن الإمارات داخل الخطاب السياسي السوداني مقتصراً على الاستثمارات أو التعاون الاقتصادي، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بملف الحرب ومستقبل الدولة السودانية.
الحرب السودانية وتبدل الحسابات الإقليمية
تكشف الأزمة الحالية عن حقيقة مهمة، وهي أن السودان لم يعد يُنظر إليه فقط كدولة تعاني نزاعاً داخلياً، بل كساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة.
فالسودان يمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً يطل على البحر الأحمر، ويقع على تقاطع طرق التجارة والطاقة والهجرة والأمن الإقليمي. كما يمتلك موارد طبيعية ضخمة تشمل الذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية.
لهذا السبب، فإن أي تغير في موازين القوى داخل السودان ينعكس بصورة مباشرة على حسابات عدد من القوى الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم سبب تحول الملف السوداني إلى قضية تتجاوز حدود السودان نفسه، لتصبح جزءاً من معادلة النفوذ في المنطقة بأسرها.
الذهب… الثروة التي لا تغيب عن المشهد
يصعب الحديث عن العلاقات السودانية الإماراتية دون التوقف عند ملف الذهب.
فخلال العقد الماضي أصبح الذهب السوداني أحد أهم الموارد الاقتصادية في البلاد، وفي الوقت نفسه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.
وتحولت دبي إلى مركز رئيسي لتجارة الذهب السوداني بفضل بنيتها المالية والتجارية العالمية، الأمر الذي جعلها محطة أساسية في حركة الصادرات المرتبطة بهذا القطاع.
ومع تصاعد الخلافات السياسية، برزت دعوات داخل السودان لإعادة توجيه صادرات الذهب وتنويع الشركاء التجاريين، باعتبار أن الاعتماد على سوق واحدة قد يخلق نقاط ضعف اقتصادية وسياسية.
لكن الواقع يشير إلى أن إعادة رسم خريطة تجارة الذهب ليست عملية سهلة، نظراً لتشابك المصالح المالية وشبكات التصدير والتسويق الدولية.
البحر الأحمر… المعركة التي تدور خلف الكواليس
لا يمكن فصل التوتر الحالي عن الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر.
فالمنطقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لتنافس إقليمي ودولي واسع يشمل الموانئ وخطوط التجارة العالمية وأمن الطاقة والممرات البحرية.
ويمثل الساحل السوداني واحداً من أهم المواقع الاستراتيجية على هذا الممر الحيوي.
ولهذا فإن أي استثمار أو مشروع لوجستي أو مينائي في السودان يُقرأ اليوم ضمن سياق أوسع يتعلق بتوازنات القوة في البحر الأحمر، وليس فقط ضمن حسابات التنمية الاقتصادية المحلية.
ويرى بعض الخبراء أن الصراع حول النفوذ في الموانئ والبنية التحتية البحرية سيكون أحد الملفات الحاسمة في مرحلة ما بعد الحرب.
الاستثمارات الإماراتية بين الطموح والجمود
على الرغم من الخلافات السياسية، لا يمكن تجاهل حجم الاستثمارات الإماراتية التي دخلت السودان خلال السنوات الماضية.
فقد شملت هذه الاستثمارات قطاعات استراتيجية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد السوداني، بما في ذلك الزراعة الحديثة والموانئ وسلاسل الإمداد الغذائي.
لكن استمرار الحرب أدى إلى تجميد جزء كبير من هذه المشاريع، كما دفع المستثمرين إلى تبني سياسة انتظار وترقب إلى حين اتضاح المشهد الأمني والسياسي.
ويعني ذلك أن مستقبل هذه الاستثمارات سيظل رهيناً بمستقبل الحرب نفسها، أكثر من ارتباطه بأي اعتبارات اقتصادية بحتة.
هل يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة؟
واحدة من أبرز الإشكاليات التي تكشفها الأزمة الحالية هي صعوبة الفصل بين الاقتصاد والسياسة.
ففي عالم اليوم لم تعد الاستثمارات مجرد نشاط تجاري منفصل عن الاعتبارات الجيوسياسية، كما لم تعد العلاقات الاقتصادية محصنة بالكامل ضد التوترات السياسية.
وتوضح التجربة السودانية أن المصالح الاقتصادية الضخمة قد تتأثر بشدة عندما تتحول الخلافات السياسية إلى أزمة ثقة بين الدول.
ومع ذلك، فإن التاريخ يشير أيضاً إلى أن المصالح الاقتصادية كثيراً ما تكون جسراً لإعادة بناء العلاقات بعد انتهاء الأزمات.
ماذا بعد الحرب؟
السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقة بين السودان والإمارات، بل بمستقبل السودان نفسه.
فإذا انتهت الحرب بتسوية سياسية مستقرة، فمن المرجح أن تعود ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية إلى الواجهة، وهو ما قد يفرض واقعاً جديداً يدفع جميع الأطراف إلى مراجعة مواقفها السابقة.
أما إذا استمرت الحرب لفترة أطول، فإن حالة الاستقطاب الحالية قد تتعمق أكثر، بما ينعكس على فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري في المستقبل.
وفي كلتا الحالتين، يبدو أن العلاقة بين البلدين ستظل عنصراً مؤثراً في المشهد السوداني والإقليمي خلال السنوات المقبلة.
خاتمة لقطة
تكشف العلاقة بين السودان والإمارات أن أزمات المنطقة لم تعد تُختزل في خلافات سياسية عابرة أو نزاعات دبلوماسية مؤقتة، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية ومستقبل التوازنات الإقليمية.
وفي الحالة السودانية، تبدو الحرب الحالية قد أعادت تشكيل كثير من التحالفات والحسابات التي حكمت المنطقة خلال العقد الماضي. وبينما تتصدر الاتهامات والخلافات المشهد اليوم، فإن المصالح الاقتصادية والحقائق الجغرافية تظل عوامل يصعب تجاوزها أو إلغاؤها بالكامل.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين الخرطوم وأبوظبي لن تحدده التصريحات السياسية وحدها، بل ستحدده أيضاً مآلات الحرب السودانية، وشكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب، وطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح المصالح المشتركة يوماً في إعادة بناء الجسور بين الطرفين، أم أن الحرب الحالية ستؤسس لمرحلة طويلة من القطيعة وإعادة الاصطفاف الإقليمي؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















