محررو لقطة
11 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
عاد الملف الأمريكي–الإيراني إلى دائرة الخطر بعد أيام من الضربات المتبادلة والتوتر في مضيق هرمز، في مشهد يجمع بين العمليات العسكرية المفتوحة واستمرار الاتصالات الدبلوماسية في الوقت نفسه.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، في 10 يوليو 2026، أن واشنطن وافقت على طلب إيراني بمواصلة المحادثات، لكنه أكد أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه خلال يونيو لم يعد قائماً. ويعكس هذا الإعلان حالة شديدة التعقيد: لا سلام مستقراً بين الطرفين، ولا قرار نهائياً بالذهاب إلى حرب شاملة. (Reuters)
التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الأزمة من مرحلة الهدنة الهشة إلى ما يمكن وصفه بـ«التفاوض تحت النار»، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه السياسي والأمني عبر القوة العسكرية، من دون إغلاق باب الوساطة تماماً.
كيف عاد التصعيد؟
بدأت الجولة الجديدة بعدما اتهمت الولايات المتحدة إيران باستهداف سفن تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، بينها ناقلات مرتبطة بقطر والسعودية. وعلى إثر ذلك، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية بدء ضربات وصفتها بالقوية ضد مواقع إيرانية، وقالت إن هدفها فرض كلفة على طهران بسبب تهديدها الملاحة التجارية. (Reuters)
واستهدفت الضربات، وفق الرواية الأمريكية، منشآت عسكرية مرتبطة بالدفاعات الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الساحلية والقدرات البحرية الإيرانية. كما أعلنت القيادة المركزية إكمال جولة استهدفت عشرات المواقع، في إطار ما قالت إنه تقليص لقدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. (Reuters)
إيران من جهتها ردت بهجمات على مواقع قالت إنها عسكرية وأمريكية في عدد من دول الخليج، بينها البحرين والكويت وقطر، في محاولة لإظهار أن الضربات الأمريكية لن تمر من دون رد، وأن أي مواجهة داخل إيران يمكن أن تمتد مباشرة إلى المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة. (Reuters)
هذا النمط من الضربات والضربات المضادة أنهى عملياً حالة الهدوء التي أعقبت مذكرة التفاهم المعلنة في 17 يونيو، والتي كان من المفترض أن تمهد لاتفاق أكثر استدامة بشأن وقف الحرب، البرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة في الخليج. (The White House)
هدنة انتهت.. ومفاوضات لم تنتهِ
اللافت في موقف ترامب أنه أعلن انتهاء وقف إطلاق النار، لكنه وافق في الوقت ذاته على مواصلة المحادثات مع إيران.
هذا التناقض الظاهري يكشف طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة الحالية. واشنطن لا تريد أن تبدو متراجعة أمام الهجمات الإيرانية، ولذلك تستخدم الضربات العسكرية لإعادة فرض الردع. لكنها، في المقابل، تدرك أن حرباً طويلة مع إيران ستترتب عليها كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة.
أما إيران، فتريد إثبات أن الضغوط العسكرية والعقوبات لا يمكنها إجبارها على القبول بالشروط الأمريكية كاملة. لذلك تحافظ على قدرتها على الرد، خصوصاً في الخليج، لكنها لا تغلق باب المفاوضات خوفاً من تعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لمزيد من الضربات.
وبحسب التقارير الواردة في 10 يوليو، لا تزال «المحادثات الفنية» مستمرة، كما لم تسجل ضربات أمريكية جديدة خلال الساعات التي أعقبت إعلان ترامب، ما يشير إلى وجود مساحة مؤقتة للوساطات ومحاولات خفض التصعيد. (The Economic Times)
وتقود قطر اتصالات مع الطرفين، بالتنسيق مع أطراف إقليمية أخرى، لمحاولة منع انهيار المسار الدبلوماسي نهائياً، والوصول إلى تفاهمات تتعلق خصوصاً بأمن الملاحة وحرية مرور السفن عبر مضيق هرمز. (Reuters)
مضيق هرمز في قلب المواجهة
لم يعد الخلاف الأمريكي–الإيراني مرتبطاً فقط بالبرنامج النووي أو العقوبات، بل أصبح مضيق هرمز مركز الصراع الراهن.
المضيق يمثل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة السفن داخله لا يبقى شأناً إقليمياً، بل يتحول سريعاً إلى أزمة دولية تؤثر على النفط والغاز وأسعار النقل والتأمين.
التوترات الأخيرة أدت إلى تباطؤ حركة بعض ناقلات النفط والسفن التجارية، وسط مخاوف من التعرض لهجمات أو الاحتجاز أو الوقوع في نطاق العمليات العسكرية. كما ارتفعت المخاطر المتعلقة بتكاليف التأمين البحري، في وقت تراقب فيه أسواق الطاقة احتمال تراجع الإمدادات أو تأخر وصولها. (Reuters)
وتصر واشنطن على أن المضيق يجب أن يظل مفتوحاً أمام التجارة الدولية، بينما تحاول إيران استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية لفرض واقع جديد يمنحها دوراً أكبر في التحكم بحركة السفن وشروط المرور.
هذه النقطة تحديداً تجعل الوصول إلى تسوية أكثر صعوبة، لأن الخلاف لم يعد متعلقاً بصفقة مؤقتة، بل بمفهوم السيادة والنفوذ والسيطرة على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
لماذا لا تريد واشنطن حرباً شاملة؟
رغم اتساع الضربات الأمريكية، لا تبدو واشنطن متحمسة حتى الآن لإطلاق عملية برية أو الدخول في حرب مفتوحة طويلة الأمد.
أول الأسباب هو الكلفة العسكرية. إيران دولة كبيرة جغرافياً، وتمتلك قدرات صاروخية وشبكة من المواقع العسكرية الموزعة في مناطق متعددة، إضافة إلى قدرة على تهديد القواعد الأمريكية والمصالح الاقتصادية في الخليج.
ثاني الأسباب هو الاقتصاد. أي حرب ممتدة قد ترفع أسعار النفط والوقود بصورة كبيرة، وهو أمر ينعكس مباشرة على المستهلك الأمريكي وعلى معدلات التضخم، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية داخلية قبل انتخابات التجديد النصفي.
وقد أشارت تقارير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود وتزايد عدم الرضا الشعبي يضعان الإدارة الأمريكية أمام معادلة صعبة: إظهار الحزم تجاه إيران، من دون دفع الاقتصاد الأمريكي إلى موجة تضخم جديدة. (Reuters)
ثالث الأسباب أن توسيع الحرب قد يجر دولاً خليجية وأطرافاً إقليمية أخرى إلى المواجهة، سواء عبر استهداف أراضيها أو منشآتها أو قواعد أمريكية موجودة فيها. وهذا من شأنه تحويل المواجهة من صراع ثنائي إلى حرب إقليمية واسعة.
ما الذي تريده إيران؟
تتعامل إيران مع المعركة الحالية باعتبارها مواجهة تتجاوز الضربات العسكرية المباشرة.
طهران تريد أولاً الحفاظ على قدرتها على الرد، لأن أي صمت أمام الضربات الأمريكية سيُفسر داخلياً وخارجياً باعتباره ضعفاً. ولهذا تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية لإظهار أن لديها أدوات قادرة على إلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن.
كما تريد إيران استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط اقتصادية وسياسية، من خلال التلويح بقدرتها على التأثير في تجارة الطاقة العالمية.
وفي الوقت نفسه، تبدو طهران حريصة على إبقاء الاتصالات مفتوحة، لأن استمرار الضربات قد يؤدي إلى إضعاف إضافي لبنيتها العسكرية والاقتصادية، خصوصاً في ظل العقوبات الأمريكية والقيود المفروضة على قطاع الطاقة والتحويلات المالية.
لذلك يمكن القول إن إيران تحاول الجمع بين الردع والمساومة: الرد عسكرياً بما يكفي لمنع واشنطن من فرض شروطها، والتفاوض بما يكفي لمنع تحول المواجهة إلى حرب تهدد استقرار الدولة نفسها.
التفاوض تحت النار
السؤال الأساسي هو: لماذا يتفاوض الطرفان بينما يتبادلان الضربات؟
السبب أن الضربات في هذه المرحلة أصبحت جزءاً من عملية التفاوض وليست بديلاً عنها. كل طرف يحاول فرض شروط أفضل قبل العودة إلى طاولة المحادثات.
الولايات المتحدة تريد الدخول إلى أي مفاوضات من موقع الطرف القادر على تعطيل القدرات العسكرية الإيرانية وحماية الملاحة. وإيران تريد الجلوس إلى الطاولة بعد إثبات أن كلفة تجاهل مطالبها ستكون مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها وأسواق الطاقة.
هذا الأسلوب يحمل خطورة كبيرة، لأن التفاوض تحت النار قد يؤدي إلى سوء تقدير. هجوم واحد يوقع عدداً كبيراً من القتلى الأمريكيين، أو ضربة تصيب منشأة مدنية حساسة داخل إيران، يمكن أن تدفع الطرفين إلى ردود أكبر مما كان مخططاً له.
وبالتالي، فإن استمرار قنوات الاتصال لا يعني أن خطر الحرب قد تراجع، بل يعني فقط أن الطرفين لا يزالان يبحثان عن مخرج لا يبدو كاستسلام.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول هو العودة إلى تهدئة مؤقتة بوساطة قطرية وإقليمية، تتضمن وقف الضربات وتأمين مرور السفن وبدء جولة جديدة من المحادثات الفنية. وهذا السيناريو يبدو ممكناً، لكنه سيظل هشاً إذا لم تتم معالجة أسباب الخلاف الأساسية.
السيناريو الثاني هو استمرار الضربات المحدودة والمتقطعة. وقد تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف غير معلنة: ضربات أمريكية على مواقع عسكرية، وردود إيرانية محسوبة على منشآت أو قواعد أو سفن، مع تجنب الطرفين تجاوز الخطوط التي تقود إلى حرب شاملة.
السيناريو الثالث يتمثل في توسع المواجهة بسبب خطأ في الحسابات. فإذا تسبب هجوم إيراني في خسائر أمريكية كبيرة، أو استهدفت واشنطن القيادة الإيرانية أو منشآت استراتيجية شديدة الحساسية، فقد يصبح احتواء التصعيد أكثر صعوبة.
أما السيناريو الرابع فهو التوصل إلى اتفاق سياسي جديد يشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار، ترتيبات لأمن مضيق هرمز، وضمانات مرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات. لكن هذا السيناريو يتطلب تنازلات لا يبدو أن الطرفين مستعدان لتقديمها بسهولة في الوقت الراهن.
التداعيات على المنطقة
دول الخليج هي الأكثر عرضة لتداعيات التصعيد، لأنها تستضيف قواعد ومصالح أمريكية، وتقع في المدى المباشر للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
كما أن أي تعطيل للموانئ أو منشآت النفط والغاز قد ينعكس على الاقتصاد العالمي، وليس فقط على الدول المستهدفة.
وقد تجد بعض الدول الخليجية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: فهي تحتاج إلى الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحات للرد الإيراني.
لهذا تزداد أهمية الوساطات الإقليمية، خصوصاً من الدول التي تملك قنوات اتصال مع واشنطن وطهران معاً.
كذلك قد تمتد تداعيات التصعيد إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو متحالفة معها. ويمكن أن تتحول هذه الساحات إلى مسارات ضغط إضافية إذا توسعت المواجهة المباشرة.
الآثار الاقتصادية
اقتصادياً، يمثل النفط المؤشر الأكثر حساسية تجاه الأزمة.
ورغم أن الأسواق لم تسجل حتى الآن ارتفاعات خارجة عن السيطرة، فإن أسعار النفط عكست مخاوف المستثمرين من تعطل الإمدادات، وسجلت مكاسب أسبوعية وسط استمرار القلق بشأن الملاحة في هرمز. (Reuters)
أي إغلاق فعلي للمضيق أو استهداف واسع للناقلات قد يؤدي إلى قفزة كبيرة في الأسعار. كما سترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار الغذاء والنقل والكهرباء في دول عديدة.
والدول المستوردة للطاقة، خصوصاً الاقتصادات الهشة، ستكون أكثر تضرراً، لأنها لا تملك احتياطيات مالية كبيرة لامتصاص الصدمة.
وبالنسبة إلى السودان ودول المنطقة، فإن ارتفاع أسعار الوقود والنقل البحري قد يزيد كلفة استيراد الغذاء والدواء والسلع الأساسية، في وقت تعاني فيه هذه الدول أصلاً من أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة.
هل انتهت الدبلوماسية؟
رغم الخطاب الحاد، لم تنتهِ الدبلوماسية بعد.
موافقة الولايات المتحدة على استمرار المحادثات، ووجود وساطة قطرية، واستمرار الاتصالات الفنية، كلها مؤشرات على أن الطرفين لا يزالان يفضلان تسوية ما على الدخول في حرب مفتوحة.
لكن الدبلوماسية تعمل الآن في بيئة أكثر خطورة. وقف إطلاق النار لم يعد قائماً، والثقة بين الطرفين تراجعت، وأي اتفاق جديد سيحتاج إلى آليات مراقبة وضمانات أكثر صرامة.
كما أن الاتفاق المقبل، إن حدث، لن يستطيع تجاهل أزمة مضيق هرمز. فحرية الملاحة أصبحت في قلب النزاع، إلى جانب البرنامج النووي والعقوبات والقدرات الصاروخية الإيرانية.
خاتمة لقطة
المشهد الأمريكي–الإيراني لم يعد مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها ببيان سياسي أو هدنة قصيرة. الطرفان انتقلا إلى مرحلة يختلط فيها التفاوض بالردع، والدبلوماسية بالضربات العسكرية.
واشنطن تريد حماية الملاحة وإجبار إيران على تقديم تنازلات، لكنها لا تريد دفع كلفة حرب طويلة. وطهران تريد الحفاظ على نفوذها وقدرتها على الرد، لكنها تدرك أن استمرار المواجهة قد يعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لمزيد من الاستنزاف.
وبين الحسابات الأمريكية والردود الإيرانية، يبقى مضيق هرمز والمنطقة المحيطة بهما أمام خطر دائم. فالسيناريو الأقرب قد لا يكون حرباً شاملة ولا سلاماً دائماً، بل مواجهات متقطعة تتوقف عند حدود معينة، ثم تعود كلما انهارت التفاهمات.
المطلوب الآن ليس مجرد هدنة جديدة، بل اتفاق واضح يحدد قواعد أمن الملاحة، ويمنع استهداف السفن والمنشآت المدنية، ويعيد القضايا الخلافية إلى مسار تفاوضي قابل للرقابة والتنفيذ.
أما استمرار سياسة «الضغط بالنار والتفاوض في الوقت نفسه»، فقد يمنح الطرفين مكاسب تكتيكية قصيرة، لكنه يترك المنطقة بأكملها على حافة انفجار قد يبدأ بحادث واحد لا يمكن احتواؤه.
لقطة … عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















