بقلم مصطفى محمود
11 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
في الأزمات الكبرى لا تكون الحرب دائماً على هيئة جيوش تتقدم ودبابات تعبر الحدود. أحياناً تبدأ الحرب عندما يتوقف السلام عن العمل دون أن يبدأ القتال الشامل. وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث اليوم بين الولايات المتحدة وإيران.
فبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، بالتزامن مع تأكيد استمرار المحادثات مع طهران، دخلت الأزمة مرحلة جديدة يصعب وصفها بالحرب التقليدية أو بالسلام المستقر. إنها منطقة رمادية تتداخل فيها العمليات العسكرية المحدودة مع المفاوضات السياسية، وتتحول فيها أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري إلى جزء من عملية التفاوض نفسها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الحرب قد بدأت، بل ما إذا كانت واشنطن وطهران قد دخلتا بالفعل مرحلة حرب الاستنزاف الطويلة.
ما هي حرب الاستنزاف؟
حرب الاستنزاف ليست معركة تهدف إلى تحقيق نصر سريع أو احتلال أراضٍ أو إسقاط نظام سياسي خلال أسابيع. بل هي استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم تدريجياً وإجباره على تغيير حساباته بمرور الوقت.
في هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف تدمير العدو بالكامل، وإنما رفع كلفة المواجهة عليه إلى درجة تجعله أكثر استعداداً لتقديم تنازلات.
ولذلك فإن أدوات الاستنزاف لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل العقوبات الاقتصادية، والحصار السياسي، والحرب الإعلامية، والضغوط الدبلوماسية، وتهديد المصالح الحيوية للطرف الآخر.
وعند النظر إلى المشهد الأمريكي–الإيراني الحالي، نجد أن معظم هذه العناصر أصبحت حاضرة بصورة واضحة.
لماذا لا تريد واشنطن حرباً شاملة؟
رغم التصعيد العسكري الأخير، لا توجد مؤشرات حقيقية على أن الولايات المتحدة تستعد لحرب واسعة ضد إيران.
فالخبرة الأمريكية في العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والعسكرية لواشنطن. كما أن أي حرب مفتوحة مع إيران ستعني الدخول في مواجهة مع دولة كبيرة جغرافياً وسكانياً، تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية تمتد عبر عدة دول.
إضافة إلى ذلك، تدرك الإدارة الأمريكية أن الحرب الشاملة ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، خاصة من خلال أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
كما أن الداخل الأمريكي نفسه لا يبدو متحمساً لمغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط بعد عقود من الحروب المكلفة.
لذلك تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية قائمة على ممارسة أقصى درجات الضغط الممكن دون تجاوز الخط الذي يقود إلى مواجهة مفتوحة.
لماذا لا تريد إيران الحرب أيضاً؟
في المقابل، لا تبدو إيران راغبة في خوض حرب شاملة هي الأخرى.
صحيح أن الخطاب الإيراني يؤكد الاستعداد للمواجهة والرد على أي هجوم، لكن الحسابات الاستراتيجية الإيرانية تدرك أن حرباً مفتوحة مع الولايات المتحدة ستفرض أعباءً هائلة على الاقتصاد الإيراني والبنية التحتية للدولة.
كما أن القيادة الإيرانية تعلم أن أي مواجهة مباشرة طويلة قد تعرض منشآت عسكرية وحيوية لضغوط غير مسبوقة.
ولهذا تعتمد طهران منذ سنوات على مفهوم “الردع غير المباشر”، أي استخدام مزيج من القدرات الصاروخية والبحرية والأدوات الإقليمية لإظهار قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها دون الدخول في حرب تقليدية واسعة.
ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار إيران في إرسال إشارات سياسية تؤكد استعدادها للتفاوض رغم التصعيد العسكري.
التفاوض تحت النار
المشهد الحالي يكشف مفارقة مهمة: المفاوضات لم تتوقف رغم انتهاء الهدنة.
في العادة يُفترض أن تكون المفاوضات بديلاً للحرب، لكن ما يحدث الآن هو أن التفاوض أصبح جزءاً من الصراع نفسه.
فالولايات المتحدة تستخدم الضغوط العسكرية لتحسين شروطها السياسية، بينما تحاول إيران استخدام قدرتها على إرباك المصالح الأمريكية والإقليمية لتحسين موقعها التفاوضي.
وبذلك تتحول كل ضربة عسكرية وكل تصريح سياسي وكل تحرك بحري إلى رسالة تفاوضية بوسائل مختلفة.
هذه المعادلة تجعل الأزمة أكثر تعقيداً، لأن فرص التفاهم تبقى موجودة، لكن احتمالات سوء التقدير تبقى قائمة أيضاً.
مضيق هرمز.. الجبهة الأخطر
إذا كان هناك عنوان واحد يلخص جوهر الأزمة الحالية، فهو مضيق هرمز.
هذا الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية أصبح نقطة التماس الرئيسية بين الطرفين.
واشنطن تعتبر أن أمن الملاحة في المضيق جزء من الأمن الاقتصادي العالمي، بينما ترى إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً أساسياً في أي ترتيبات أمنية تخص المنطقة.
ومن هنا تأتي خطورة الأزمة.
فأي هجوم على ناقلة نفط، أو أي احتجاز لسفينة، أو أي اشتباك بحري محدود، يمكن أن يرفع مستوى التوتر بسرعة كبيرة.
ولهذا السبب تراقب الأسواق العالمية والخبراء العسكريون مضيق هرمز أكثر مما يراقبون التصريحات السياسية.
من يربح حرب الاستنزاف؟
السؤال الأصعب في أي حرب استنزاف هو تحديد المنتصر.
فالانتصار لا يقاس بعدد المواقع التي تم تدميرها أو بعدد الضربات المنفذة، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل الضغوط لفترة أطول.
الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً، لكنها تواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بالاقتصاد وأسعار الطاقة والرأي العام.
أما إيران فتملك قدرة كبيرة على الصمود والتكيف مع الضغوط، لكنها تعاني من تحديات اقتصادية مزمنة تجعل استمرار المواجهة مكلفاً أيضاً.
ولهذا فإن النتيجة النهائية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على قدرة كل طرف على إدارة الوقت وتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع.
المنطقة تدفع الثمن
في مثل هذه الأزمات لا يكون المتضررون محصورين في أطراف النزاع فقط.
فدول الخليج تجد نفسها في قلب المواجهة بحكم موقعها الجغرافي وارتباطها بالمصالح الأمريكية وحركة الطاقة العالمية.
كما أن أي اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على أسعار النفط والشحن والتأمين والتجارة الدولية.
أما الدول الهشة اقتصادياً، ومنها العديد من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، فتكون الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والسلع الأساسية.
وبالتالي فإن استمرار الاستنزاف الأمريكي–الإيراني لا يمثل مشكلة ثنائية فحسب، بل أزمة إقليمية ودولية ذات آثار اقتصادية واسعة.
السيناريو الأقرب
حتى اللحظة، لا تبدو المنطقة متجهة إلى حرب شاملة، كما لا تبدو قريبة من اتفاق نهائي.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة الاستنزاف الحالية: ضغوط عسكرية متبادلة، رسائل ردع، عقوبات، وساطات، ومفاوضات متقطعة.
وقد تستمر هذه المرحلة أشهراً أو حتى سنوات إذا لم يحدث تحول كبير في موازين القوى أو في الحسابات السياسية للطرفين.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن حروب الاستنزاف كثيراً ما تبدأ باعتبارها صراعات يمكن التحكم بها، ثم تتطور نتيجة حادث غير محسوب أو قرار خاطئ إلى أزمات أكبر مما كان يريده الجميع.
خاتمة
لا يبدو أن واشنطن وطهران تتجهان نحو سلام قريب، كما لا تبدوان مستعدتين لحرب شاملة.
وبين هذين الخيارين تتحرك الأزمة داخل منطقة رمادية عنوانها الاستنزاف المتبادل. الولايات المتحدة تحاول فرض ضغوط متزايدة دون التورط في مواجهة مفتوحة، وإيران تسعى إلى إثبات قدرتها على الصمود دون دفع البلاد إلى حرب مدمرة.
لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر الصراعات ليست تلك التي تُعلن رسمياً، بل تلك التي تستمر لفترات طويلة دون حسم، فتستنزف الموارد والاقتصادات والاستقرار الإقليمي عاماً بعد عام.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل بدأت المواجهة بين واشنطن وطهران؟
بل أصبح: إلى متى يستطيع الطرفان إدارة حرب الاستنزاف دون أن تتحول إلى شيء أكبر بكثير؟
لقطة … عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد





















