محررو لقطة AI – 2
18 أغسطس 2026
لم تعد الحرب الأميركية مع إيران ملفاً خارجياً منفصلاً عن حياة الناخبين داخل الولايات المتحدة. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، انتقلت تداعيات المواجهة من مضيق هرمز والقواعد العسكرية إلى محطات الوقود والأسواق والخطابات الانتخابية في الولايات المتأرجحة.
ويحاول الديمقراطيون تحويل الحرب وتكاليفها الاقتصادية والبشرية إلى استفتاء على إدارة الرئيس دونالد ترامب، بينما يسعى الجمهوريون إلى تقديمها بوصفها مواجهة ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وحماية المصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.
لكن استمرار العمليات العسكرية لأشهر، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد الشكوك بشأن أهداف الحرب ونهايتها، جعل الملف الإيراني واحداً من أبرز مصادر القلق للجمهوريين في انتخابات ستحدد السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
وعود الحرب القصيرة تتراجع
دخلت إدارة ترامب المواجهة وهي تروّج لقدرتها على تحقيق نتائج عسكرية وسياسية سريعة، لكن إطالة أمد الحرب بددت جانباً كبيراً من هذه الوعود.
وأظهرت استطلاعات حديثة أن نحو 80 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الصراع سيستمر لفترة طويلة، في حين لم يعد سوى نحو 20 في المئة يرون أن الحرب كانت تستحق تكاليفها. وتشمل هذه النسبة قرابة نصف الناخبين الجمهوريين فقط، ما يعكس تراجع الحماس داخل القاعدة المحافظة نفسها.
وتراجع معدل تأييد ترامب إلى 33 في المئة، وهو أدنى مستوى يسجله خلال رئاسته، وسط تنامي الاستياء من ارتفاع أسعار الوقود والتضخم واستمرار الوجود العسكري الأميركي في منطقة مضطربة.
ولا تعني هذه المؤشرات أن الانتخابات حُسمت مسبقاً، لكنها تكشف أن الحرب لم تمنح الرئيس الالتفاف الشعبي الذي تحققه عادة الأزمات الخارجية في مراحلها الأولى، بل تحولت تدريجياً إلى عبء سياسي على إدارته وحزبه.
البنزين يصل إلى صندوق الاقتراع
لا يتابع معظم الأميركيين تفاصيل التحركات العسكرية في الخليج أو مسارات المفاوضات مع طهران، لكنهم يلمسون آثار الصراع مباشرة عندما يتوقفون أمام محطات الوقود أو يدفعون فواتير النقل والغذاء والكهرباء.
وأدى اضطراب حركة تجارة النفط عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الخام، بينما تجاوز متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات، ما ضاعف الضغوط على الأسر التي كانت تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتنعكس زيادة أسعار الوقود على سلاسل النقل والإنتاج وأسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، الأمر الذي يمنح الديمقراطيين فرصة لربط السياسة الخارجية لترامب بالمشكلات الاقتصادية اليومية.
وكان الجمهوريون يتمتعون لسنوات بأفضلية واضحة في ثقة الناخبين بإدارة الاقتصاد، إلا أن استطلاعات حديثة أظهرت تحولاً لمصلحة الديمقراطيين في ملفي تكاليف المعيشة والسياسة الاقتصادية للمرة الأولى منذ نحو عقد.
ويحاول المرشحون الديمقراطيون ترسيخ معادلة انتخابية بسيطة: الحرب رفعت أسعار النفط، وارتفاع النفط زاد تكاليف الحياة، والإدارة الجمهورية تتحمل مسؤولية القرار ونتائجه.
الديمقراطيون يهاجمون صلاحيات ترامب
لا يكتفي الديمقراطيون بالتركيز على الأضرار الاقتصادية، بل يدفعون أيضاً بقضية الصلاحيات الدستورية للرئيس وحق الكونغرس في إعلان الحرب والرقابة على العمليات العسكرية.
وشهد مجلسا النواب والشيوخ محاولات متكررة لتمرير قرارات تستند إلى قانون صلاحيات الحرب، بهدف إلزام الإدارة بإنهاء العمليات العسكرية التي لم تحصل على تفويض واضح من الكونغرس. غير أن هذه المحاولات فشلت في ظل معارضة غالبية الجمهوريين وانقسام محدود داخل الحزبين.
ويرى الديمقراطيون أن استمرار العمليات العسكرية والانتشار البحري والحصار، من دون استراتيجية خروج معلنة، يعكس توسعاً غير مقبول في سلطات البيت الأبيض.
وباتت المطالبة باستعادة دور الكونغرس في قرارات الحرب جزءاً من الحملات الانتخابية لعدد من مرشحي الحزب، خصوصاً في الولايات التي تضم قواعد عسكرية أو أعداداً كبيرة من الجنود وعائلاتهم.
ويستخدم السيناتور الديمقراطي جون أوسوف، الذي يخوض معركة لإعادة انتخابه في ولاية جورجيا، الحرب لمهاجمة ترامب والجمهوريين، متهماً الإدارة بتضليل الرأي العام بشأن أهداف العمليات ومدتها وتكاليفها.
وتُعد جورجيا من أبرز ساحات التنافس على مجلس الشيوخ، ولذلك قد تتحول مواقف الناخبين فيها من الحرب إلى مؤشر مبكر على الاتجاه الوطني العام.
انقسام داخل القاعدة الجمهورية
رغم اصطفاف غالبية المشرعين الجمهوريين خلف ترامب، فإن الحرب أظهرت صدعاً داخل التيار المحافظ بين جناح يؤيد استخدام القوة ضد إيران، وآخر كان قد دعم ترامب بسبب وعوده بإنهاء «الحروب التي لا تنتهي» وتجنب التدخلات الخارجية المكلفة.
ويشعر بعض أنصار حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» بأن استمرار الحرب يتعارض مع الخطاب الانعزالي الذي تبناه ترامب خلال حملاته الانتخابية السابقة.
وظهرت اعتراضات جمهورية محدودة داخل الكونغرس على طريقة إدارة الحرب، خصوصاً بشأن غياب التفويض التشريعي وعدم وضوح الأهداف النهائية. لكن هذه الاعتراضات لم تتحول حتى الآن إلى تمرد حزبي واسع.
ويحاول البيت الأبيض احتواء التململ عبر التأكيد أن العمليات ضرورية لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وضمان أمن الملاحة الدولية، وحماية القوات والمصالح الأميركية.
ويقدم الجمهوريون الصراع باعتباره اختباراً لقوة الولايات المتحدة، محذرين من أن التراجع قد يشجع طهران ويضعف ثقة الحلفاء بواشنطن.
غير أن استمرار ارتفاع الأسعار أو تزايد الخسائر في صفوف القوات الأميركية قد يجعل هذا الخطاب أقل قدرة على إقناع الناخبين المترددين.
مقاعد الكونغرس تحت الضغط
تشمل انتخابات نوفمبر جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إضافة إلى نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ. ولذلك يمكن لتحول محدود في الولايات والدوائر المتأرجحة أن يغير ميزان السلطة في واشنطن.
وإذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، فسيواجه ترامب تحقيقات أكثر صرامة بشأن إدارة الحرب والإنفاق العسكري وعلاقات الإدارة الخارجية. كما سيتمكن الديمقراطيون من تعطيل أجزاء من أجندته الداخلية وفرض رقابة أوسع على قرارات البيت الأبيض.
أما فقدان مجلس الشيوخ فستكون له تداعيات أكبر على التعيينات القضائية وكبار المسؤولين والاتفاقات والتشريعات، وقد يحول العامين الأخيرين من ولاية ترامب إلى مرحلة من الصدام المستمر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وتشير البيئة السياسية الحالية إلى أن الديمقراطيين يمتلكون فرصة قوية لاستعادة مجلس النواب، بينما تبدو معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً وتعتمد على نتائج عدد محدود من الولايات.
ويواجه حزب الرئيس تقليدياً صعوبات في انتخابات التجديد النصفي، إذ يستخدمها الناخبون غالباً لمعاقبة الإدارة القائمة أو تقييد سلطتها. ويأتي هذه المرة عامل الحرب وارتفاع الأسعار ليضاعف الضغوط على المرشحين الجمهوريين.
هل تكفي الحرب وحدها لحسم الانتخابات؟
رغم صعود الملف الإيراني، لن تُختزل الانتخابات في الحرب وحدها. فالهجرة والتضخم والرعاية الصحية والإجهاض والجريمة والضرائب ومستقبل الديمقراطية تظل قضايا أساسية في قرارات الناخبين.
كما أن تطوراً مفاجئاً، مثل التوصل إلى تسوية مع إيران أو انخفاض أسعار النفط أو إعلان نهاية العمليات، قد يمنح الجمهوريين فرصة لاستعادة المبادرة وتقديم ترامب باعتباره الرئيس الذي استخدم القوة ثم فرض اتفاقاً بشروطه.
وفي المقابل، فإن انهيار المسار الدبلوماسي أو تجدد المواجهات في مضيق هرمز أو سقوط مزيد من العسكريين الأميركيين سيمنح الديمقراطيين مادة سياسية شديدة التأثير خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة.
ويبدو أن العامل الحاسم لن يكون الموقف العقائدي من إيران وحده، بل قدرة كل حزب على ربط الحرب بحياة الناخب اليومية. فالجمهوريون يريدون أن يصوت الأميركيون على أساس الأمن والقوة ومنع التهديد النووي، بينما يريد الديمقراطيون منهم التصويت على أساس الأسعار والتكاليف وغياب التفويض وخطر الدخول في حرب مفتوحة.
وهكذا تتحول انتخابات التجديد النصفي من منافسة تقليدية على مقاعد الكونغرس إلى محاكمة سياسية لقرارات البيت الأبيض في الخارج ونتائجها في الداخل.
فالحرب التي بدأت بعيداً عن الأراضي الأميركية أصبحت حاضرة في سعر البنزين وثقة الأسواق وأوضاع الجنود ومستقبل الأغلبية داخل الكونغرس. وعندما يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر، قد لا تكون إيران مدرجة على بطاقات التصويت، لكنها ستكون حاضرة بقوة خلف أسماء المرشحين.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات