الخميس، 24 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

حين تعجز الأرض عن إطعام أهلها.. الحرب تعيد رسم خريطة الجوع في السودان

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

حين تعجز الأرض عن إطعام أهلها.. الحرب تعيد رسم خريطة الجوع في السودان
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13

24 سبتمبر 2026

كان الجوع في السودان، لعقود طويلة، يُقرأ من السماء قبل أن يُقرأ في نشرات الاقتصاد والسياسة: هل هطلت الأمطار؟ هل تأخر الخريف؟ هل جف المرعى؟ وهل نجح الموسم الزراعي؟

لكن هذه الأسئلة لم تعد كافية لفهم ما يحدث اليوم.

فالسودان الذي عرف موجات الجفاف والتصحر وتذبذب الأمطار يواجه في عام 2026 أزمة غذائية أكثر تعقيدًا وقسوة. الطبيعة ما زالت تضغط على الأرض، لكن الحرب أضافت عوامل أخرى: مزارعون غادروا حقولهم، طرق انقطعت، أسواق تعطلت، مدخلات إنتاج ارتفعت أسعارها أو اختفت، ومساعدات إنسانية تواجه مخاطر الوصول إلى من يحتاجونها.

والنتيجة أن الجوع لم يعد مجرد أزمة موسمية ترتبط بضعف الأمطار والإنتاج.

إنه، في مناطق واسعة، نتيجة سلسلة طويلة تبدأ من الحرب وتنتهي عند مائدة فارغة.

وفق أحدث تحليل متاح للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، واجه نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من سكان السودان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026. ومن بينهم أكثر من خمسة ملايين شخص في مرحلة «الطوارئ»، ونحو 135 ألفًا في مرحلة «الكارثة»، وهي أعلى درجات التصنيف قبل إعلان المجاعة وفق المعايير المعتمدة. 

وتوقع التحليل تدهور الأوضاع خلال موسم الشح بين يونيو وسبتمبر، وحدد 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان باعتبارها معرضة لخطر المجاعة في السيناريو الأسوأ المعقول إذا تصاعد القتال وتفاقمت القيود على وصول الغذاء والمساعدات وحركة السكان والبضائع. 

لكن هناك ملاحظة مهمة: نقص البيانات بسبب الحرب حال دون إعداد توقع وطني كامل للفترة الحالية، ولذلك لا ينبغي استخدام أرقام المناطق التي شملتها التوقعات باعتبارها صورة إحصائية مكتملة لكل السودان. 

من قسوة الطبيعة إلى قسوة الحرب

المناخ ليس بريئًا من الأزمة.

دارفور، على سبيل المثال، تواجه في الموسم الحالي واحدًا من أشد مواسم الأمطار جفافًا منذ عقود. ونقل عن برنامج الأغذية العالمي أن الإقليم يشهد أجف موسم مطري منذ ثمانينيات القرن الماضي، في وقت تتزامن فيه قلة الأمطار مع الحرب والنزوح واضطراب الزراعة. 

لكن الجفاف وحده لا يفسر المشهد.

فالدولة المستقرة تستطيع، بدرجات متفاوتة، مواجهة الموسم السيئ عبر المخزون والاستيراد ونقل الغذاء بين مناطق الإنتاج والاستهلاك ودعم المزارعين وتوفير المدخلات وفتح الأسواق.

الحرب تضرب هذه الأدوات نفسها.

وهنا يكمن التحول الذي أصاب السودان.

فالطبيعة قد تقلل كمية الغذاء التي تنتجها الأرض، لكن الحرب تستطيع منع المزارع من الوصول إلى الأرض أصلًا.

والجفاف قد يخفض المحصول، لكن القتال يستطيع منع المحصول الموجود من الوصول إلى السوق.

وقد يكون الغذاء موجودًا بالفعل في منطقة من البلاد، بينما يعجز الجائع في منطقة أخرى عن الوصول إليه.

وهكذا يتحول نقص الإنتاج إلى أزمة وصول، ثم تتحول أزمة الوصول إلى جوع.

المزارع أول ضحايا السلسلة

الأمن الغذائي لا يبدأ في مخازن المنظمات الدولية، وإنما في الحقل.

هناك المزارع، والبذور، والوقود، والسماد، والعمالة، والتمويل والمياه. وبعد الحصاد تبدأ حلقة أخرى: التخزين والنقل والسوق والأسعار.

الحرب تستطيع تعطيل أي حلقة من هذه الحلقات.

حين يغادر المزارع أرضه خوفًا من القتال لا تكون الخسارة في أسرة نزحت فقط، بل في محصول لن يُزرع.

وحين يصبح الطريق بين القرية والسوق خطرًا، ترتفع تكلفة النقل.

وحين ترتفع أسعار الوقود والعملات الأجنبية، ترتفع معها تكلفة الزراعة والحصاد ونقل الغذاء.

ثم يصل الأثر في النهاية إلى المستهلك الذي يجد أن دخله يتراجع في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه أسعار طعامه.

وهذه إحدى المفارقات القاسية في السودان: ليس ضرورياً أن ينعدم الطعام حتى يجوع الإنسان؛ يكفي أن يصبح سعره أعلى من قدرته على شرائه.

عندما يصبح الطريق إلى الطعام جزءًا من الحرب

الأزمة لا تنتهي بمجرد وصول المساعدات إلى السودان.

يبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع الوصول إلى الجائع؟

يشير التصنيف المرحلي المتكامل إلى أن الوصول الإنساني ما زال مقيدًا بشدة في مناطق متضررة، وأن النزاع يؤثر مباشرة في الأمن الغذائي والتغذية. كما أبدت لجنة مراجعة المجاعة قلقًا خاصًا مما وصفته بالعرقلة المنهجية للوصول إلى الغذاء والصحة والمياه وسبل العيش في مناطق القتال النشط. 

وهنا يصبح الطريق نفسه جزءًا من معادلة الجوع.

فالطعام الموجود في مستودع على بعد مئات الكيلومترات لا ينقذ طفلًا جائعًا إذا تعذر نقله إليه.

والقمح الموجود في السوق لا يحل أزمة أسرة فقد عائلها دخله.

والمساعدات التي حصلت على التمويل لا تحقق هدفها إذا بقيت الشاحنة عاجزة عن الوصول إلى المنطقة المحاصرة.

لهذا لم تعد خريطة الجوع السودانية مطابقة بالضرورة لخريطة الجفاف.

إنها تقترب بصورة متزايدة من خريطة الحرب والنزوح وانقطاع الأسواق وصعوبة الوصول الإنساني.

دارفور وكردفان.. مركز الخطر

تظهر خطورة هذا التداخل بوضوح في دارفور وكردفان.

فالمناطق الأربع عشرة التي حددها تحليل الأمن الغذائي باعتبارها معرضة لخطر المجاعة تقع في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان. وأبدت لجنة مراجعة المجاعة قلقًا بالغًا بصفة خاصة بشأن الطينة وأم برو وكرنوي في شمال دارفور. 

والخطر هنا لا يتعلق بالطعام وحده.

فحين تجتمع قلة الغذاء مع النزوح وتدهور المياه وتعطل المرافق الصحية وانتشار الأمراض، تتضاعف قدرة الجوع على القتل.

وهذا ما يجعل كلمة «المجاعة» أكبر بكثير من صورة إنسان لم يجد وجبته.

المجاعة عملية طويلة.

تبدأ الأسرة بتقليل نوعية الطعام.

ثم تقلل الكمية.

ثم عدد الوجبات.

ثم تبيع ما لديها.

ثم تتخلى عن وسائل إنتاجها وممتلكاتها الأساسية.

وفي مرحلة لاحقة يصبح جسد الطفل أو المسن أقل قدرة على مقاومة المرض.

عندها قد يسجل المرض سببًا مباشرًا للوفاة، بينما يكون الجوع قد أضعف الجسد قبل ذلك بوقت طويل.

825 ألف طفل في قلب الأزمة

ربما تكشف أرقام الأطفال الوجه الأكثر قسوة لهذه الحرب.

فالتقديرات الواردة في تحليل الأمن الغذائي تشير إلى أن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة يُتوقع أن يعانوا سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026، بزيادة تبلغ 7% مقارنة بعام 2025 ونحو 25% فوق مستويات ما قبل الحرب بين 2021 و2023. 

وفي الوقت نفسه، تشير البيانات إلى أن نحو 40% من المرافق الصحية في السودان غير عاملة. 

وهنا تتضاعف المشكلة.

فالطفل الذي يعاني سوء التغذية لا يحتاج إلى الطعام فقط، وإنما إلى ماء آمن وعلاج ومرفق صحي يستطيع الوصول إليه.

ولهذا يصبح انهيار المستشفى أو شبكة المياه جزءًا من أزمة الغذاء نفسها.

الجوع والمرض في مثل هذه الظروف لا يتحركان في مسارين منفصلين.

كل واحد منهما يغذي الآخر.

طويلة.. مليون نازح تقريبًا ووجبات تتقلص

ويأتي تطور جديد ليضيف طبقة أخرى إلى الأزمة.

ففي تقرير حديث نشره برنامج الأغذية العالمي في 22 سبتمبر 2026، حذر البرنامج من أن نقص التمويل يجبره على تقليص مساعداته الغذائية في السودان، رغم استمرار الاحتياجات الهائلة.

وتظهر خطورة الوضع بوضوح في طويلة بشمال دارفور، التي تحولت بفعل النزوح إلى تجمع ضخم يؤوي قرابة 950 ألف نازح.

ويقول البرنامج إنه اضطر، بسبب نقص التمويل، إلى تقليص الحصص المقدمة لهؤلاء السكان، بينما يعتمد كثير منهم على المساعدات للبقاء. 

وعلى مستوى السودان، يقول البرنامج إنه وصل خلال الأشهر الأخيرة إلى أكثر من أربعة ملايين شخص شهريًا بالمساعدات، في بلد يواجه فيه أكثر من 19.5 مليون إنسان الجوع الحاد بحسب أحدث تحليل شامل. 

هذه ليست مسألة محاسبية تتعلق بميزانية منظمة دولية.

تقليص التمويل يعني، في النهاية، تقليص الطعام.

والحصة الغذائية الأصغر تعني أن الأسرة ستضطر إلى توزيع كمية أقل على عدد الأشخاص نفسه.

أزمة بثلاثة وجوه

وهكذا يجد السودان نفسه أمام ثلاث أزمات تتقاطع في اللحظة نفسها.

الأولى مناخية، تتمثل في اضطراب الأمطار والجفاف الذي يهدد الإنتاج الزراعي والمراعي.

والثانية عسكرية، حيث أدت الحرب إلى النزوح وتعطيل الزراعة والأسواق وسبل العيش والوصول الإنساني.

أما الثالثة فهي أزمة تمويل دولية بدأت تضغط على قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستمرار بالمستوى نفسه من المساعدات. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن تقلص الموارد يجبره بالفعل على تقديم مساعدات أقل، ليس في السودان وحده، وإنما للاجئين السودانيين في دول الجوار أيضًا. 

والمشكلة أن الأزمات الثلاث لا تعمل بصورة منفصلة.

حين يقل المطر في منطقة مستقرة، قد تكون هناك فرصة للتعويض.

أما حين يقل المطر في منطقة حرب، بينما المزارع نازح والطريق غير آمن والسوق مضطرب والإغاثة تعاني نقص التمويل، فإن الصدمة الطبيعية تصبح أكثر قدرة على التحول إلى كارثة إنسانية.

هل تصنع الحرب المجاعة؟

هذه النقطة تحتاج إلى الدقة.

ليس كل جوع في السودان من صنع الحرب.

السودان عرف الجفاف والتصحر ومواسم الشح قبل اندلاع القتال في أبريل 2023، والتغيرات المناخية ما تزال عاملًا مهمًا في هشاشة الإنتاج الزراعي.

لكن الأدلة المتاحة تجعل من الصعب تفسير الأزمة الراهنة بالطبيعة وحدها.

فالتصنيف المرحلي المتكامل يضع تصاعد الصراع وتقييد وصول المساعدات وحركة الناس والبضائع وتدهور المياه والصحة وزيادة النزوح ضمن العوامل التي يمكن أن تدفع المناطق الأربع عشرة المعرضة للخطر نحو المجاعة. 

وهذا هو الفارق بين المجاعة بوصفها كارثة طبيعية والمجاعة بوصفها نتيجة لانهيار النظام الذي ينقل الغذاء من الأرض إلى الإنسان.

الحرب لا تحتاج إلى إحراق كل حقل حتى تصنع الجوع.

يكفي أن تجعل زراعته مستحيلة.

ولا تحتاج إلى إفراغ كل سوق.

يكفي أن تجعل الأسعار فوق قدرة الناس.

ولا تحتاج إلى منع كل شاحنة إغاثة.

يكفي أن تجعل الوصول متقطعًا وخطرًا ومكلفًا.

بلد زراعي يبحث عن الطعام

وهنا تظهر المفارقة السودانية الكبرى.

السودان ليس بلدًا بلا أرض.

وليس بلدًا بلا مياه أو مزارعين أو ثروة حيوانية.

لكن الموارد الطبيعية وحدها لا تطعم السكان.

الأرض تحتاج إلى من يزرعها.

والمحصول يحتاج إلى طريق.

والطريق يحتاج إلى أمن.

والسوق يحتاج إلى اقتصاد يعمل.

والأسرة تحتاج إلى دخل تستطيع به شراء ما يصل إلى السوق.

عندما تنهار هذه الحلقات واحدة بعد الأخرى، يمكن لبلد يمتلك إمكانات زراعية هائلة أن يصبح واحدًا من أكبر مسارح الجوع في العالم.

لهذا فإن السؤال الذي يواجه السودان لم يعد فقط:

كم سينزل من المطر؟

بل أصبح أيضًا:

من سيزرع؟

ومن سيحصد؟

ومن سيحمي الطريق؟

ومن سينقل الطعام؟

ومن يستطيع شراءه؟

وهل تصل المساعدات إلى الإنسان قبل أن يصل إليه الجوع؟

تلك هي الخريطة الجديدة للمجاعة في السودان.

بدأت الطبيعة برسم بعض حدودها، لكن الحرب أعادت رسمها بصورة أشد قسوة.

وحين يصبح الحقل جبهة، والطريق مخاطرة، والسوق منهكًا، والمستشفى خارج الخدمة، والمساعدات نفسها مهددة بالتراجع، فإن المجاعة لا تعود كارثة تهبط من السماء وحدها.

بل تصبح كارثة تستطيع الحرب أن تصنع شروطها على الأرض.

محررو لقطة AI – 13

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً