محررو لقطة AI – 13
24 أغسطس 2026
تشهد أسواق العاصمة السودانية الخرطوم موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، وسط تراجع متواصل في قيمة الجنيه، وزيادة تكاليف النقل والترحيل، واضطراب خطوط الإمداد خلال موسم الخريف، ما ضاعف الضغوط المعيشية على السكان العائدين إلى المدينة والأسر التي ظلت فيها طوال فترة الحرب.
وشملت الزيادات عدداً من السلع الأساسية، في مقدمتها السكر والزيوت والدقيق والأرز والبقوليات والخضراوات واللحوم، إلى جانب مستلزمات النظافة والأدوية وغاز الطهي. وتفاوتت الأسعار بصورة ملحوظة بين أسواق الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، بل وبين المتاجر الواقعة داخل المنطقة الواحدة.
وأفاد متعاملون في الأسواق بأن الأسعار لم تعد تستقر لفترات طويلة، إذ يلجأ بعض التجار إلى تعديلها وفق تكلفة الحصول على البضائع وسعر صرف العملات الأجنبية وتكاليف الترحيل. ويجد المستهلكون أنفسهم أمام أسعار جديدة عند كل زيارة للسوق، بينما تتراجع قدرة كثير من الأسر على شراء احتياجاتها بالكميات المعتادة.
تراجع حركة الشراء
ورغم توافر عدد من السلع بصورة أفضل مقارنة بفترات سابقة من الحرب، فإن حركة البيع والشراء لا تزال محدودة بسبب ضعف القوة الشرائية. وأصبحت غالبية الأسر تشتري حاجتها اليومية بكميات صغيرة بدلاً من التسوق الأسبوعي أو الشهري، في محاولة للتكيف مع الزيادات المتلاحقة.
ويقول تجار إن الزبائن باتوا يركزون على السلع الضرورية، بينما تراجع الطلب على المنتجات التي يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها ببدائل أقل سعراً. كما تقلص الإقبال على شراء اللحوم ومنتجات الألبان وبعض أنواع الفاكهة، واتجهت أسر كثيرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على البقوليات والوجبات الأقل تكلفة.
وأدت هذه الأوضاع إلى حالة من الركود داخل عدد من الأسواق، إذ لا يعني ارتفاع الأسعار بالضرورة زيادة أرباح التجار، لأن تكلفة شراء البضائع ونقلها وتشغيل المتاجر ارتفعت هي الأخرى، في وقت تتراجع فيه المبيعات اليومية.
الوقود والنقل يرفعان التكلفة
تمثل تكاليف الوقود والترحيل أحد أبرز أسباب موجة الغلاء الحالية، إذ تنعكس أي زيادة في أسعار البنزين والغازولين مباشرة على أسعار نقل السلع من مناطق الإنتاج والمخازن إلى أسواق العاصمة.
وتزداد تكلفة الترحيل خلال موسم الخريف بسبب تضرر بعض الطرق وصعوبة الحركة بين الولايات، إلى جانب الرسوم المفروضة على الشاحنات وتعدد نقاط التحصيل. وتدخل هذه التكاليف ضمن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، خصوصاً في السلع القادمة من ولايات بعيدة.
ويواجه التجار أيضاً صعوبات مرتبطة بالكهرباء والتخزين، إذ يؤدي عدم استقرار التيار الكهربائي إلى زيادة الاعتماد على المولدات والوقود، ويرفع تكلفة حفظ اللحوم والألبان والخضراوات وغيرها من السلع سريعة التلف.
كما أسهم تعطل بعض المنشآت الإنتاجية والمصانع والمخازن خلال الحرب في تقليص حجم المعروض المحلي وزيادة الاعتماد على السلع القادمة من خارج العاصمة أو المستوردة من الخارج.
تراجع الجنيه يضغط على الأسواق
ويظل انخفاض قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية عاملاً أساسياً في ارتفاع الأسعار، نظراً إلى ارتباط كثير من السلع ومدخلات الإنتاج والاستيراد بسعر الدولار.
ويقول تجار إن تقلبات سعر الصرف تجعل تحديد الأسعار عملية معقدة، إذ يخشى أصحاب المتاجر من بيع البضائع بسعر لا يمكّنهم من شراء كميات بديلة. ولذلك يحتسب بعضهم تكلفة السلع وفق السعر المتوقع للعملة الأجنبية، وليس وفق التكلفة التي دفعها عند شراء البضاعة.
ولا يقتصر تأثير تراجع الجنيه على المنتجات المستوردة، بل يمتد إلى السلع المنتجة محلياً بسبب ارتفاع تكلفة الوقود والتعبئة والنقل والصيانة وقطع الغيار، وهي مدخلات يرتبط جزء كبير منها بالعملات الأجنبية.
العودة إلى الخرطوم تضاعف الطلب
تتزامن موجة الغلاء مع عودة أعداد من السكان إلى الخرطوم بعد تحسن الأوضاع الأمنية في مناطق عدة، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على المواد الغذائية وغاز الطهي ومواد البناء والمستلزمات المنزلية.
لكن الأسواق لم تستعد كامل طاقتها التشغيلية بعد، إذ لا تزال متاجر ومخازن ومصانع كثيرة خارج الخدمة أو تعمل بصورة جزئية، بينما فقد عدد من التجار رؤوس أموالهم وبضائعهم خلال الحرب.
وأوجد هذا الوضع فجوة بين الطلب المتزايد والمعروض المحدود في بعض المناطق، خصوصاً الأحياء التي تشهد عودة كبيرة للسكان من دون استعادة كاملة للخدمات والأسواق المحلية.
وتواجه الأسر العائدة أعباء إضافية لا تقتصر على الغذاء، بل تشمل إصلاح المنازل وشراء الأثاث والأدوات الكهربائية وتوفير المياه والطاقة ودفع تكاليف النقل. ويأتي ذلك في ظل فقدان كثيرين وظائفهم ومدخراتهم ومصادر دخلهم خلال سنوات الحرب.
التضخم يتراجع ولكن الأسعار لا تنخفض
ورغم إعلان الجهاز المركزي للإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في السودان إلى 41.61% خلال يوليو 2026، مقارنة بـ51.28% في يونيو، فإن هذا التراجع لا يعني انخفاض أسعار السلع، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالفترة السابقة.
وبلغ معدل التضخم في المناطق الحضرية 45.24%، مقابل 39.85% في المناطق الريفية، بينما سجل معدل التغير الشهري في المستوى العام للأسعار 1.47% خلال يوليو.
ولا يشعر كثير من المواطنين بأثر تراجع معدل التضخم، لأن دخولهم لم ترتفع بما يتناسب مع الزيادات المتراكمة في الأسعار. كما أن معظم العاملين في القطاع غير المنظم وأصحاب الأعمال اليومية يواجهون صعوبة في الحصول على دخل ثابت يغطي الاحتياجات الأساسية.
رواتب ثابتة ومصروفات متزايدة
تواجه الأسر التي تعتمد على الرواتب الشهرية وضعاً بالغ الصعوبة، إذ تلتهم تكاليف الغذاء والمواصلات جزءاً كبيراً من الدخل قبل أن تتمكن من الوفاء بمصروفات العلاج والتعليم والسكن.
واضطرت بعض الأسر إلى تقليل عدد الوجبات اليومية أو الاستغناء عن أصناف غذائية أساسية، بينما تعتمد أسر أخرى على تحويلات الأقارب المقيمين خارج السودان أو المساعدات المجتمعية.
كما أعادت موجة الغلاء نشاط البيع بالكميات الصغيرة، فأصبح بعض المتاجر يبيع الزيت والسكر والدقيق والبقوليات بأوزان محدودة تتناسب مع القدرة المالية اليومية للمستهلكين. وتكشف هذه الظاهرة حجم التراجع في مستوى المعيشة، إذ لم تعد غالبية الأسر قادرة على شراء العبوات الكبيرة رغم انخفاض تكلفتها النسبية.
ويخشى مواطنون من استمرار ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع المقبلة إذا واصل الجنيه تراجعه، أو تعطلت طرق الإمداد بفعل الأمطار والسيول، أو طرأت زيادات جديدة على الوقود والنقل.
وفي ظل غياب رقابة فعالة على الأسواق وتفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى، تتزايد المطالب بإعلان أسعار استرشادية للسلع الأساسية، وتشديد الرقابة على الرسوم وعمليات الاحتكار، وتسهيل حركة البضائع بين الولايات، إلى جانب دعم المنتجين المحليين وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة.
وبينما تحاول الخرطوم استعادة حياتها ونشاطها التجاري بعد سنوات الحرب، يبقى الغلاء أحد أكبر التحديات أمام عودة السكان واستقرارهم. فالأسواق التي بدأت تستعيد بضائعها وحركتها لا تزال بعيدة عن متناول شرائح واسعة من المواطنين، في وقت تحولت فيه رحلة شراء الاحتياجات اليومية إلى اختبار قاسٍ لقدرة الأسر على الصمود.
لقطة AI.. عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات