الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

ماذا يعني «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين السودان والسعودية؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

ماذا يعني «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين السودان والسعودية؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13
23 أغسطس 2026

حين تنتقل العلاقة بين دولتين من الزيارات والبيانات واللجان المشتركة إلى مجلس دائم يتولى ملفات السياسة والأمن والدفاع والاقتصاد والاستثمار، فإن الأمر يتجاوز في العادة مجرد إضافة إطار دبلوماسي جديد. ومن هنا يطرح توقيع «مجلس التنسيق السعودي السوداني» سؤالًا يتجاوز تفاصيل المراسم نفسها: ماذا يعني هذا المجلس للسودان والسعودية، ولماذا جاء في هذا التوقيت تحديدًا؟

وقّع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، الاثنين 17 أغسطس في الرياض، وثيقة إنشاء المجلس، في خطوة تفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أساس مؤسسي أكثر اتساعًا واستمرارية.

ويكتسب الاتفاق أهمية مضاعفة لأنه يأتي بينما يعيش السودان واحدة من أكثر مراحله السياسية والأمنية والاقتصادية تعقيدًا، مع دخول الحرب عامها الرابع، واستمرار المواجهات في عدد من مناطق البلاد، خاصة كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب اتساع حجم الدمار الاقتصادي والحاجة المتزايدة إلى إعادة الإعمار.

لذلك لا تبدو المسألة مجرد تطوير للعلاقة الثنائية، بل محاولة لبناء منصة يمكن من خلالها إدارة مجموعة واسعة من المصالح المشتركة، تبدأ بالاقتصاد والاستثمار ولا تنتهي بأمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية.

من التفاهم السياسي إلى المؤسسة

لم يولد المجلس في اجتماعات الرياض الأخيرة، بل سبقته خطوات سياسية وتحضيرية امتدت لأشهر.

وتعود الفكرة إلى لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في قصر الصفا بمكة المكرمة أواخر مارس 2025، حيث طُرحت فكرة إنشاء إطار أعلى للتنسيق بين البلدين في مختلف المجالات.

وبعد سلسلة من المشاورات والاجتماعات التحضيرية، انتقلت الفكرة من مستوى التوافق السياسي إلى وثيقة رسمية تحدد إطارًا مؤسسيًا مستمرًا للعلاقات.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الاتفاق؛ فالعلاقات السودانية السعودية ليست جديدة، وظلت قائمة لعقود طويلة على المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والتعاون السياسي، لكنها اتسمت في مراحل كثيرة بتأثرها بالمتغيرات السياسية وتبدل الحكومات والأولويات.

المجلس الجديد يسعى، نظريًا على الأقل، إلى تقليل تأثير هذه المتغيرات من خلال إنشاء مؤسسة دائمة تتابع الملفات المشتركة بصرف النظر عن الأشخاص الذين يشغلون مواقع السلطة في البلدين.

وبحسب التصريحات الرسمية السعودية، يُراد للمجلس ألا يكون مجرد منصة للاجتماعات والبروتوكولات، وإنما آلية تقود إلى مشروعات ومبادرات ونتائج قابلة للقياس.

وهذا التحول، إن تحقق فعليًا، هو الذي سيعطي المجلس قيمته السياسية الحقيقية.

لماذا يبدو المجلس مختلفًا؟

أبرز ما يلفت الانتباه في الاتفاق هو اتساع الملفات التي يُفترض أن يتعامل معها.

فالمجلس لا يقتصر على العلاقات السياسية أو الاقتصادية التقليدية، بل يمتد إلى الأمن والدفاع والاستثمار والتجارة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، إضافة إلى ملفات استراتيجية مرتبطة بالبحر الأحمر.

وبذلك يصبح المجلس أقرب إلى مظلة شاملة للعلاقة بين البلدين وليس لجنة قطاعية محدودة الاختصاصات.

وفي الحالة السودانية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأن المرحلة المقبلة — متى ما توقفت الحرب أو انخفضت حدتها — ستضع البلاد أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في تاريخها الحديث.

فالحرب لم تدمر منشآت عسكرية أو حكومية فقط، وإنما أصابت قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والصناعة والزراعة والخدمات المصرفية والصحية والتعليمية، وأضعفت قدرة الدولة على تمويل عملية إعادة البناء بمفردها.

ومن هنا يمكن قراءة الرياض باعتبارها شريكًا محتملاً في مرحلة ما بعد الحرب، وليس مجرد طرف دبلوماسي يتعامل مع الأزمة الراهنة.

الاقتصاد.. ربما يكون الملف الأكبر

إذا كان البعد السياسي والأمني يحظى بالاهتمام في البيانات الرسمية، فإن الاقتصاد قد يكون الاختبار الأكثر أهمية للمجلس.

السودان يدخل هذه العلاقة وهو يعاني اقتصادًا أنهكته سنوات الحرب وتراجع الإنتاج وتضرر البنية التحتية وفقدان قطاعات واسعة لمصادر دخلها، بينما تدخل السعودية وفي يدها قدرات مالية واستثمارية ومؤسسات تمويلية ضخمة تبحث في الوقت نفسه عن فرص اقتصادية طويلة الأجل.

هذه المعادلة تجعل العلاقة المحتملة مختلفة عن مفهوم «المانح والمتلقي».

فالسودان لا يملك الحاجة فقط، وإنما يملك أيضًا الموارد.

هناك الأراضي الزراعية الواسعة، والثروة الحيوانية، والذهب والمعادن الأخرى، والمياه، والموقع الجغرافي، فضلًا عن ساحل طويل على البحر الأحمر.

وفي المقابل، تمتلك السعودية رأس المال والأسواق والخبرة والقدرة على تمويل المشروعات الكبرى.

إذا جرى الجمع بين الطرفين عبر اتفاقات واضحة ومتوازنة، فقد يتحول المجلس إلى بوابة لاستثمارات واسعة في الزراعة والتعدين والطاقة والموانئ والطرق والصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية.

كما يتقاطع ذلك مع توجهات «رؤية السعودية 2030» القائمة على تنويع الاستثمارات وتعزيز الأمن الغذائي وبناء شراكات اقتصادية خارج الحدود.

ومن هذه الزاوية، لا يصبح السودان مجرد دولة تحتاج إلى تمويل لإعادة البناء، وإنما سوقًا ومجالًا استثماريًا يمكن أن يقدم للسعودية مصالح اقتصادية مباشرة.

ولكن.. أين مصلحة السودان؟

هذا السؤال سيكون أساسيًا في تقييم الاتفاق داخل السودان.

فنجاح الشراكة لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يمكن أن تدخل البلاد، وإنما أيضًا بنوعية العقود والضمانات ومدى استفادة الاقتصاد والمجتمعات المحلية منها.

الاستثمار في الزراعة، على سبيل المثال، يمكن أن يوفر رأس المال والتقنيات وفرص العمل والبنية التحتية، لكنه يمكن في المقابل أن يثير أسئلة بشأن الأراضي والمياه وحقوق المجتمعات إذا لم تُحدد قواعد واضحة لإدارته.

وينطبق الأمر نفسه على التعدين والموانئ والطاقة.

ولهذا فإن وجود مجلس استراتيجي لا يكفي بمفرده لضمان مصالح السودان؛ بل يحتاج الجانب السوداني إلى أجهزة تفاوضية وفنية قادرة على دراسة كل مشروع وفق جدواه الاقتصادية ومردوده الوطني طويل الأجل.

فالفرق كبير بين شراكة استثمارية تستخدم موارد السودان لبناء اقتصاد منتج، وبين علاقة تتحول فيها البلاد إلى مجرد مصدر للمواد الخام.

وهنا قد يكون التحدي الأكبر أمام الخرطوم: كيف تستفيد من القوة المالية والاستثمارية السعودية من دون أن تتحول الحاجة الاقتصادية الراهنة إلى عقود تفرضها ظروف الحرب وضعف القدرة التفاوضية؟

البحر الأحمر.. ما وراء الاقتصاد

لكن قراءة الاتفاق من زاوية الاقتصاد وحدها ستكون ناقصة.

فالسعودية والسودان دولتان متقابلتان على البحر الأحمر، وهو واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتعبر من خلاله حركة ضخمة للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

وقد أثبتت التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أن أمن هذا البحر لم يعد مسألة محلية تخص الدول الساحلية وحدها، وإنما أصبح ملفًا دوليًا تتقاطع حوله مصالح قوى إقليمية ودولية.

بالنسبة للسعودية، فإن الاستقرار في الساحل السوداني يعني استقرار جزء مهم من الضفة المقابلة للمملكة.

ولهذا يصبح دعم قدرة السودان على حماية موانئه وسواحله ومواجهة التهريب والجريمة المنظمة جزءًا من منظومة الأمن السعودي نفسها.

أما بالنسبة للسودان، فإن البحر الأحمر يمثل أصلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، يمكن أن يكون بوابة للتجارة والاستثمار والتنمية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى ساحة تنافس إقليمي إذا لم توجد رؤية وطنية واضحة لإدارته.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام بملفات الأمن والدفاع ضمن اختصاصات المجلس.

هل نحن أمام تحالف جديد؟

السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كان المجلس يمهد لعلاقة تتجاوز الشراكة الاقتصادية إلى مستوى أقرب للتحالف الاستراتيجي.

لا توجد حتى الآن معطيات كافية للقول إن الخرطوم والرياض دخلتا تحالفًا عسكريًا بالمعنى المباشر، لكن توسيع التعاون ليشمل الأمن والدفاع يعكس بوضوح رغبة في رفع مستوى التنسيق بين البلدين.

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه البحر الأحمر والقرن الأفريقي إعادة ترتيب واسعة للتحالفات والمصالح.

فتركيا توسع حضورها في المنطقة، ومصر تعتبر السودان والبحر الأحمر امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما تحتفظ دول الخليج بمصالح سياسية واقتصادية متزايدة على الضفة الأفريقية.

وفي هذه البيئة، يصبح السودان — بموقعه ومساحته وموارده وساحله — جزءًا رئيسيًا من معادلة التوازن الإقليمي.

ولذلك فإن التقارب السعودي السوداني لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الصورة الأوسع.

السعودية والحرب السودانية

يكتسب الاتفاق أهمية إضافية عند وضعه إلى جانب تطور الدور السعودي منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023.

فقد بدأت الرياض من موقع الوسيط، واستضافت إلى جانب الولايات المتحدة مفاوضات جدة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

ومع استمرار الحرب وتعثر المسارات التفاوضية، بدأت طبيعة العلاقة السعودية مع السودان تأخذ أبعادًا أوسع تتجاوز ملف الوساطة وحده.

إن إنشاء مجلس استراتيجي مع الحكومة السودانية في هذا التوقيت يمكن أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا على أن الرياض تفكر أيضًا في شكل علاقتها بالسودان في مرحلة ما بعد الحرب، وفي موقعه ضمن ترتيبات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الدور السعودي كوسيط، بقدر ما يعكس تعدد المصالح التي تحكم سياسة المملكة تجاه السودان.

المجلس وإعادة الإعمار

ربما يكون ملف إعادة الإعمار هو المجال الذي سيكشف سريعًا مدى جدية المجلس.

فالسودان سيحتاج بعد الحرب إلى تمويل ضخم لإعادة بناء ما دُمر، من شبكات الكهرباء والمياه والطرق والجسور إلى المستشفيات والمدارس والمصانع والموانئ.

ومن الصعب تصور قدرة الدولة السودانية وحدها على تحمل هذه التكلفة.

لذلك ستصبح الشراكات الخارجية ضرورة اقتصادية وليست خيارًا سياسيًا فقط.

وفي هذا السياق، تتمتع السعودية بميزة مهمة تتمثل في وجود مؤسسات استثمار وتمويل وتنمية لديها خبرة في تمويل المشروعات الكبرى.

لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات على الأرض يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، وإصلاحات قانونية وإدارية، وضمانات لحماية المستثمرين، وبيئة تسمح بتنفيذ المشروعات واستدامتها.

ومن دون ذلك، قد يبقى المجلس إطارًا طموحًا تصطدم خططه بالواقع السوداني المعقد.

فرصة كبيرة.. ولكنها ليست بلا مخاطر

الاتفاق يفتح للسودان نافذة مهمة في توقيت شديد الصعوبة، لكن قيمته لن تتحدد بحجم التفاؤل السياسي المصاحب له.

فالفرص واضحة: استثمارات، وتمويل، وإعادة إعمار، وأسواق للمنتجات السودانية، وتطوير للموانئ والبنية التحتية، وتعاون أمني وسياسي أوسع.

وفي المقابل، توجد أسئلة يجب ألا تغيب عن النقاش: من يحدد أولويات المشروعات؟ وكيف تُدار الموارد السودانية؟ وما نصيب المجتمعات المحلية من الاستثمارات؟ وهل ستكون العقود شفافة؟ وهل تستطيع المؤسسات السودانية حماية المصلحة الوطنية في تفاوض يجري بينما البلاد تعاني آثار الحرب؟

هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على الشراكة، وإنما شروط ضرورية لنجاحها.

ماذا يعني الاتفاق إذن؟

في جوهره، يعني «مجلس التنسيق الاستراتيجي» أن الخرطوم والرياض تريدان نقل علاقتهما من مرحلة التعاون المتقطع إلى علاقة مؤسسية طويلة الأجل.

بالنسبة للسعودية، يمثل السودان دولة محورية على الضفة الغربية للبحر الأحمر، تمتلك موارد وفرصًا استثمارية وموقعًا لا يمكن تجاهله في حسابات أمن المنطقة.

وبالنسبة للسودان، تمثل السعودية شريكًا يمتلك التمويل والأسواق والنفوذ السياسي والقدرة على لعب دور مهم في إعادة الإعمار والاستثمار.

لكن بين توقيع الوثيقة وتحقيق هذه الطموحات مسافة كبيرة.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد اجتماعات المجلس أو البيانات التي تصدر عنه، بل في المشاريع التي تبدأ، والاستثمارات التي تصل، والوظائف التي تُخلق، والبنية التحتية التي تُعاد، وقدرة السودان على تحويل العلاقة إلى شراكة متوازنة تحفظ موارده وسيادته وتخدم مصالحه طويلة الأجل.

وعندها فقط يمكن الإجابة بصورة نهائية عن السؤال الذي يطرحه الاتفاق اليوم: هل نحن أمام مجلس جديد يضاف إلى سجل اللجان المشتركة، أم أمام بداية إعادة صياغة حقيقية للعلاقة بين السودان والسعودية؟

لقطة AI.. عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً