محررو لقطة AI – 13
٢٥ أغسطس 2026
لا خيام تشير إلى وجودهم، ولا لافتات تحمل أسماء مراكز إيواء، ولا طوابير منتظمة تمنحهم فرصة الحصول على الغذاء والدواء. يعيش آلاف النازحين السودانيين داخل منازل الأقارب والغرف المستأجرة والمباني غير المكتملة، حاملين أعباء النزوح كاملة، لكن بعيداً عن الأنظار وعن جانب كبير من المساعدات الإنسانية.
في أم درمان وكسلا والجزيرة ومدن سودانية أخرى، تخوض هذه الأسر معركة يومية لتوفير إيجار المسكن ووجبة الطعام ومياه الشرب والعلاج، بعدما فقد كثير منها أعماله ومدخراته وممتلكاته خلال رحلة الفرار من مناطق القتال.
وعلى خلاف النازحين المقيمين داخل المخيمات، يصعب حصر الأسر المنتشرة وسط الأحياء السكنية أو الوصول إليها بصورة منتظمة، ما يجعل احتياجاتها أقل ظهوراً في عمليات التقييم وتوزيع المساعدات.
رحلة مؤقتة امتدت لسنوات
عندما غادرت «سارة» مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة مع أفراد أسرتها، كانت تعتقد أن الرحلة لن تستغرق سوى أيام قليلة. حملت الأسرة بعض الملابس والاحتياجات الضرورية وتركت بقية ممتلكاتها خلفها، على أمل العودة بعد هدوء الأوضاع.
لكن الأيام تحولت إلى شهور، واضطرت الأسرة إلى الاستقرار في أم درمان، حيث أقامت أولاً لدى أقارب قبل أن تنتقل إلى مسكن متواضع تدفع إيجاره وسط غياب مصدر دخل ثابت.
لم تُنهِ مغادرة منطقة القتال معاناة الأسرة؛ فقد انتقلت من الخوف على الحياة إلى القلق المستمر بشأن تكاليف الغذاء والمياه والمواصلات. وعندما يمرض أحد الأطفال، تتحول زيارة المركز الصحي إلى أزمة مالية كاملة تبدأ بأجرة الطريق ولا تنتهي بثمن الدواء.
وتختصر تجربة سارة واقع آلاف العائلات التي وصلت إلى مناطق أكثر أمناً، لكنها لم تستعد قدرتها على العيش بصورة طبيعية. فالأمان النسبي لا يوفر الطعام، ولا يدفع الإيجار، ولا يعيد الأطفال إلى مدارسهم.
حمل في زمن النزوح
تتضاعف صعوبة الحياة بالنسبة إلى النساء الحوامل اللواتي يحتجن إلى متابعة طبية منتظمة وتغذية مناسبة ووسيلة نقل متاحة عند الضرورة.
وتعيش «مريم»، النازحة من أم روابة بولاية شمال كردفان، في أم درمان، حيث أصبح الوصول إلى الطبيب عبئاً يصعب تحمله. فارتفاع تكاليف المواصلات وتراجع عدد المراكز الصحية العاملة ونقص التجهيزات والأدوية جعلت متابعة الحمل أمراً غير منتظم.
ومع اقتراب موعد الولادة، تخشى مريم أن تبدأ آلام المخاض في وقت لا تستطيع فيه الأسرة توفير وسيلة نقل، أو أن تصل إلى منشأة صحية تفتقر إلى المعدات والكوادر الضرورية للتعامل مع الحالات الطارئة.
وتشير التقديرات الصحية إلى حاجة ما لا يقل عن 803 آلاف امرأة حامل إلى خدمات الصحة الإنجابية خلال عام 2026، بالتزامن مع توقع نحو 1.1 مليون ولادة، بينما خرجت قرابة 37% من المرافق الصحية في السودان عن الخدمة. ويقول صندوق الأمم المتحدة للسكان إن نحو مليون امرأة حامل يواجهن الحرمان من الرعاية الضرورية.
الأمان لا يطعم الأطفال
في منطقة الحاج يوسف شرقي الخرطوم، تحاول «أمينة»، النازحة من مدينة سنجة، إعالة أطفالها بعد فقدانها مصدر رزقها الأساسي.
كان الوصول إلى مكان بعيد عن القتال هدفها الأول، لكن بداية الحياة الجديدة كشفت عن تحديات لا تقل قسوة. فالأسرة مطالبة يومياً بتحديد ما يمكن شراؤه وما ينبغي الاستغناء عنه، وسط منافسة قاسية بين الطعام والإيجار والعلاج.
أما التعليم، فتحول من حق أساسي إلى أمنية مؤجلة. فتكاليف التسجيل والزي المدرسي والكتب والمواصلات تتجاوز إمكانات أسر فقدت كل مصادر دخلها، ما يدفع أعداداً متزايدة من الأطفال إلى البقاء خارج الفصول الدراسية.
ولا يدرك الأطفال أسباب التحول المفاجئ في حياتهم؛ فهم يريدون العودة إلى المدرسة واللعب والشعور بالاستقرار، بينما يجد الآباء والأمهات أنفسهم عاجزين عن تقديم إجابات أو وعود واضحة.
وتفيد تقديرات إنسانية بأن أكثر من 21 مليون شخص في السودان يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وسط تصاعد مخاطر سوء التغذية وانتشار الأمراض في مناطق النزوح والمجتمعات المستضيفة.
من الفاشر إلى كسلا
قطعت «هدى» وأسرتها رحلة طويلة من مدينة الفاشر في أقصى غرب السودان إلى كسلا في الشرق، تاركة خلفها منزلاً وممتلكات جُمعت خلال سنوات.
وبعد انتهاء مخاطر الطريق والرصاص، بدأت مواجهة أخرى عنوانها إعادة بناء الحياة من الصفر. احتاجت الأسرة إلى مأوى وأثاث وطعام وعمل ومدارس للأطفال، في مدينة تواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية وخدمية متزايدة.
كانت هدى تتوقع إقامة قصيرة، لكن استمرار الحرب بدد أمل العودة السريعة. وأصبح خوفها الأكبر أن يعتاد أبناؤها حياة التنقل والحرمان، وأن يكبروا من دون معرفة حقيقية لمعنى البيت والاستقرار.
أزمة لا تظهر في صور المخيمات
تكشف هذه التجارب وجهاً غير مرئي من أزمة النزوح السودانية. فالمخيمات، على قسوة أوضاعها، تظل مواقع معروفة يمكن للمنظمات الوصول إليها وإجراء عمليات الحصر والتقييم داخلها. أما الأسر المنتشرة في الأحياء والقرى والمنازل المستأجرة، فتظل أقل حضوراً في خرائط الاستجابة الإنسانية.
وتُظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة وجود نحو 8.88 مليون نازح داخل السودان، مقابل 4.24 مليون شخص عادوا إلى مناطقهم الأصلية خلال الفترة بين أبريل ومايو 2026. لكن العودة لا تعني بالضرورة انتهاء النزوح؛ إذ رجع كثيرون إلى أحياء مدمرة تفتقر إلى المياه والكهرباء والخدمات الصحية وفرص العمل.
كما تواجه الأسر العائدة مخاطر مخلفات الحرب والقذائف غير المنفجرة المنتشرة في بعض المناطق السكنية، فضلاً عن المنازل المتصدعة والبنية التحتية المنهارة.
وفي المقابل، تتحمل المجتمعات المضيفة أعباءً تفوق قدراتها. فقد تقاسمت الأسر مساكنها وطعامها ومواردها المحدودة مع النازحين، لكن استمرار الحرب وارتفاع الأسعار وتراجع الدخل جعلا هذا التضامن المجتمعي مهدداً بالإنهاك.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان خلال عام 2026، بينهم 21 مليوناً يحتاجون إلى خدمات صحية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح في العالم.
لم تعد مأساة النزوح السوداني محصورة في الخيام ومراكز الإيواء. إنها حاضرة داخل غرف مكتظة، ومنازل تستضيف أكثر من طاقتها، وأسر تختار كل صباح بين الطعام والعلاج، وأطفال ينتظرون مدرسة قد لا يعودون إليها قريباً.
إن الوصول إلى هؤلاء يتطلب توسيع عمليات الحصر وتقديم الدعم النقدي والخدمات الصحية والتعليمية داخل المجتمعات المضيفة، حتى لا يظل النازحون الذين يعيشون بعيداً عن المخيمات خارج حسابات الإغاثة وخارج دائرة الاهتمام.
المعلومات والأرقام مستندة إلى تقرير ميداني نشرته سودان تربيون وبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات