الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

هل تحوّل النيل إلى أداة إثيوبية لفرض الهيمنة الإقليمية؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

هل تحوّل النيل إلى أداة إثيوبية لفرض الهيمنة الإقليمية؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19

18 أغسطس 2026

لم تعد أزمة مياه النيل محصورة في خلاف فني حول عدد سنوات ملء سد النهضة أو قواعد تشغيل توربيناته. فالتصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن السيطرة على تدفق المياه، بالتزامن مع الإعلان عن بناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، تنقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة يتعلق بمن يمتلك سلطة التحكم في النهر، وكيف يمكن تحويل هذه السلطة إلى نفوذ سياسي واقتصادي في المنطقة.

وتتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية، وهو حق لا يمكن إنكاره من حيث المبدأ. لكن الإشكالية لا تتعلق ببناء السدود وحده، وإنما بطريقة إنشائها وتشغيلها، وغياب اتفاق قانوني ملزم يضمن عدم الإضرار بمصر والسودان ويحدد قواعد التصرف خلال سنوات الجفاف الممتد.

ومن هنا يبرز السؤال: هل تجاوزت الاستراتيجية الإثيوبية حدود التنمية المشروعة وتحولت إلى محاولة لفرض هيمنة مائية على دول المصب؟

من خطاب التنمية إلى إعلان السيطرة

أثار وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، موجة جديدة من التوتر بعدما نُسبت إليه تصريحات مفادها أن تدفق مياه النيل إلى دول المصب سيصبح تحت سيطرة إثيوبيا، بالتزامن مع تأكيد عزم بلاده تشييد سدود إضافية.

ولا تكمن خطورة العبارة في بعدها الإعلامي فقط، وإنما في ما تعكسه من تحول في مفهوم إدارة النهر. فهناك فرق جوهري بين تنظيم المياه داخل الأراضي الإثيوبية لأغراض توليد الكهرباء، وبين إعلان امتلاك سلطة التحكم في الكميات والتوقيتات التي تصل إلى السودان ومصر.

وردت القاهرة بلهجة حادة، مؤكدة أنها لن تقبل بسيطرة أي دولة منفردة على تدفقات نهر دولي مشترك، وأن لديها أدوات متعددة للدفاع عن مصالح شعبها المائية.

وتكشف اللهجة المتبادلة أن النزاع لم يعد مجرد اختلاف هندسي حول سد واحد، بل أصبح صراعاً على قواعد النظام المائي والسياسي في حوض النيل.

سد النهضة غيّر ميزان القوة

منذ إعلان بناء سد النهضة عام 2011، مضت إثيوبيا في تنفيذ المشروع وملء خزانه وتشغيله من دون الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم مع مصر والسودان.

وافتُتح السد رسمياً في سبتمبر 2025 بسعة تخزينية تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب وقدرة تصميمية لتوليد 5,150 ميغاواط من الكهرباء، ليصبح أكبر منشأة كهرومائية في أفريقيا.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل السد مشروعاً قومياً يهدف إلى معالجة نقص الكهرباء ودعم التصنيع وتصدير الطاقة إلى الدول المجاورة. كما جرى تمويله إلى حد كبير من الموارد المحلية، ما منحه مكانة رمزية داخل البلاد.

لكن الخلاف الأساسي ظل قائماً: من يقرر كمية المياه الخارجة من السد خلال سنوات الجفاف؟ وما الحد الأدنى الذي تلتزم إثيوبيا بتمريره؟ وكيف تُنسق عمليات سد النهضة مع سد الروصيرص السوداني والسد العالي في مصر؟ ومن يفصل في النزاع إذا أخل أحد الأطراف بالتزاماته؟

وفي غياب إجابات قانونية ملزمة، تحول السد إلى أداة تمنح أديس أبابا قدرة فعلية على تنظيم جزء كبير من تدفقات النيل الأزرق، حتى إذا لم تستخدم هذه القدرة بعدُ لخفض حصة دول المصب بصورة متعمدة.

ثلاثة سدود جديدة

تزداد المخاوف مع إعلان إثيوبيا خططاً لبناء ثلاثة مشروعات كهرومائية إضافية على النيل الأزرق، هي سدود كارادوبي وماندايا وبيكو أبو.

وتُقدّر تكلفة المشروعات مجتمعة بنحو 10.5 مليارات دولار، مع قدرة توليدية إضافية تصل إلى قرابة 5,700 ميغاواط. وإذا اكتملت، فإنها ستنشئ سلسلة من الخزانات المتتابعة تمنح إثيوبيا قدرة غير مسبوقة على تنظيم المياه وتوقيت مرورها نحو السودان.

وقد توفر هذه المنظومة فوائد محتملة، مثل تنظيم الفيضانات وتقليل الطمي وتوليد الكهرباء النظيفة. لكن هذه الفوائد تبقى مرتبطة بوجود تنسيق شفاف وقواعد تشغيل مشتركة.

أما إذا أُنشئت السدود وشُغلت بصورة منفردة، فإنها ستضاعف قدرة دولة المنبع على التحكم في النهر، وتزيد مستوى اعتماد السودان ومصر على القرارات الإثيوبية اليومية والموسمية.

ويصبح الخطر أكبر خلال فترات الجفاف المتتابع، حين تتحول كل كمية مخزنة إلى مسألة أمن قومي، ويظهر التعارض بين رغبة إثيوبيا في الحفاظ على مستويات توليد الكهرباء وحاجة دول المصب إلى استمرار تدفق المياه.

ماذا يقول القانون الدولي؟

لا يمنح القانون الدولي دولة المنبع سيادة مطلقة على النهر لمجرد أن المياه تنبع أو تمر داخل أراضيها، كما لا يمنح دول المصب حق تجميد التنمية في دول المنابع.

وتقوم القواعد الأساسية لاستخدام المجاري المائية الدولية على مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات والإخطار المسبق بالمشروعات التي قد تؤثر في الدول الأخرى.

وهذه المبادئ لا تعني تقسيم المياه بالتساوي حسابياً، بل تقتضي مراعاة عدد السكان والاحتياجات الاقتصادية والاستخدامات القائمة والبدائل المتاحة والظروف المناخية وحجم مساهمة كل دولة في مياه الحوض.

وبالتالي، فإن مفهوم «السيادة الإقليمية المطلقة» لا يشكل أساساً مقبولاً لإدارة نهر دولي. وفي المقابل، لا يكفي الاعتماد على اتفاقات تاريخية لم تشارك فيها جميع دول الحوض لإقامة نظام دائم يحظى بالقبول الجماعي.

اتفاقيتا 1929 و1959

ترفض إثيوبيا ودول منبع أخرى اتفاقات توزيع مياه النيل التاريخية، خصوصاً اتفاقية 1929 واتفاقية 1959 بين مصر والسودان، بحجة أنها وُضعت في سياق استعماري ولم تكن دول المنابع أطرافاً فيها.

وتمنح اتفاقية 1959 مصر 55.5 مليار متر مكعب سنوياً والسودان 18.5 ملياراً، لكنها لا تخصص حصصاً لبقية دول الحوض.

وتتمسك القاهرة والخرطوم بحقوقهما واستخداماتهما القائمة، بينما ترى أديس أبابا أن النظام القديم حرم دول المنبع من الاستفادة العادلة من موارد النهر.

ولا يمكن تجاهل وجاهة المطالبة الإثيوبية بإعادة النظر في منظومة الحوض على أسس أكثر شمولاً. لكن تصحيح اختلال تاريخي لا يبرر إنشاء اختلال جديد يمنح دولة واحدة سلطة التحكم المنفرد في النهر.

اتفاقية عنتيبي ليست إثيوبية خالصة

من الضروري أيضاً ضبط وصف الاتفاق الإطاري التعاوني لحوض النيل، المعروف باتفاقية عنتيبي. فهو ليس اتفاقاً إثيوبياً أحادي الجانب، وإنما إطار تفاوضي دعمته ووقعت عليه عدة دول من المنابع.

ويهدف الاتفاق إلى إرساء مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول وإنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل. لكن مصر والسودان رفضتاه بسبب الخلاف حول الأمن المائي والحقوق والاستخدامات القائمة، وبسبب عدم تضمينه ضمانات تعتبرانها ضرورية.

وهكذا تحول الاتفاق، بدلاً من أن يكون مظلة جامعة، إلى تعبير عن انقسام الحوض بين دول المنبع ودولتَي المصب.

وتحتاج المنطقة إلى اتفاق شامل يتجاوز الثنائية القديمة، لكنه في الوقت نفسه يمنع أي دولة من استخدام موقعها الجغرافي لفرض إرادتها على الآخرين.

هل يأتي 85% من المياه من النيل الأزرق؟

يشيع القول إن النيل الأزرق وحده يوفر نحو 85 في المئة من مياه النيل، لكن هذه الصياغة ليست دقيقة.

تأتي نسبة تقارب 80 إلى 85 في المئة من المياه التي تصل إلى النيل الرئيسي من المرتفعات الإثيوبية عبر النيل الأزرق ونهر عطبرة وروافد أخرى مثل السوباط، خصوصاً خلال موسم الأمطار.

أما النيل الأزرق منفرداً فيسهم بنحو 55 إلى 60 في المئة من متوسط التدفقات الواصلة إلى أسوان، مع تفاوت النسبة بحسب الموسم والأمطار.

ومع ذلك، تظل مساهمة الهضبة الإثيوبية ضخمة بما يكفي لمنح أديس أبابا ثقلاً استراتيجياً حقيقياً، خصوصاً مع امتلاكها البنية التحتية اللازمة لتخزين المياه وتنظيم تدفقها.

السودان بين الفوائد والمخاطر

يحتل السودان موقعاً مختلفاً عن مصر في معادلة سد النهضة. فمن جهة، يمكن أن يستفيد من انتظام التدفق وتقليل الفيضانات والطمي والحصول على كهرباء إثيوبية.

ومن جهة أخرى، يقع السودان مباشرة أسفل السد، ما يجعله الأكثر تعرضاً لأي خلل في التشغيل أو نقص في تبادل البيانات، كما يؤثر توقيت التصريفات في سد الروصيرص والزراعة ومشروعات الري وسلامة المجتمعات الواقعة على ضفاف النيل الأزرق.

ولهذا لا ينبغي اختزال الموقف السوداني في تأييد السد أو رفضه. المصلحة السودانية تتمثل في الحصول على فوائده ضمن اتفاق ملزم يضمن سلامة السد وتبادل البيانات والتنسيق التشغيلي والتعامل مع الجفاف والفيضانات.

ويؤدي ضعف الدولة السودانية واستمرار الحرب إلى تقليص قدرتها على المشاركة الفعالة في صياغة مستقبل النهر، في وقت تتخذ فيه قرارات قد تحدد أمنها المائي لعقود.

الهيمنة ليست في حجز المياه فقط

لا تتطلب الهيمنة المائية إغلاق بوابات السد وقطع المياه بالكامل. يكفي أن تعتمد دول المصب على قرارات دولة واحدة بشأن توقيت التصريف، أو ألا تمتلك معلومات مسبقة عن عمليات التشغيل، أو تضطر إلى تقديم تنازلات سياسية لتجنب المخاطر.

كما يمكن للطاقة الكهربائية أن تتحول إلى أداة نفوذ، عندما تعتمد دول الجوار على الصادرات الإثيوبية، فتجمع أديس أبابا بين التحكم في المياه وإمدادات الكهرباء.

ومن هذه الزاوية، فإن شبكة السدود ليست مجرد بنية تحتية، بل عنصر يعيد تشكيل موازين القوة في القرن الأفريقي وحوض النيل.

لكن وصف كل مشروع إثيوبي بأنه مؤامرة للهيمنة سيكون تبسيطاً مقابلاً. فإثيوبيا تعاني نقصاً حقيقياً في الكهرباء وتحتاج إلى التنمية، كما أن الطاقة الكهرومائية تمثل مورداً رئيسياً متاحاً لها.

ويكمن الاختبار الحقيقي في السلوك: هل تقبل أديس أبابا قواعد ملزمة وشفافة ومؤسسة مشتركة؟ أم تتمسك بالقرارات المنفردة وتتعامل مع تدفق المياه باعتباره امتيازاً سيادياً خالصاً؟

الخروج من معادلة الغالب والمغلوب

لا تستطيع مصر والسودان إلغاء حقيقة أن إثيوبيا أصبحت تمتلك أكبر بنية تخزينية على النيل الأزرق. وفي المقابل، لا تستطيع إثيوبيا تغيير حقيقة أن عشرات الملايين في دول المصب يعتمدون على النهر اعتماداً وجودياً.

ولهذا لا يمكن بناء استقرار دائم على فرض الأمر الواقع، ولا على التهديد، ولا على استدعاء الاتفاقات التاريخية وحدها.

الحل يتطلب اتفاقاً قانونياً شاملاً يحدد قواعد الملء والتشغيل، والتصرف أثناء الجفاف الممتد، وتبادل البيانات، وسلامة السدود، وآلية مستقلة لتسوية النزاعات، مع الاعتراف بحق إثيوبيا في التنمية وحقوق السودان ومصر في عدم التعرض لضرر جسيم.

لقد منحت الجغرافيا إثيوبيا موقع المنبع، لكنها لم تمنحها ملكية النهر. ومنحت الاستخدامات التاريخية مصر والسودان حقوقاً ومصالح حيوية، لكنها لم تمنحهما حق حرمان بقية دول الحوض من التنمية.

وعندما يصبح الماء لغةً للسيطرة بدلاً من التعاون، فإن الخطر لا يقتصر على نقص التدفق، بل يمتد إلى تحويل حوض النيل كله إلى ساحة صراع مفتوح لا يملك أي طرف ضمان نهايته.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً