المحرر www.lagtaai.com
29 يونيو 2026
لا تقتصر آثار الحرب في السودان على المعارك العسكرية والنزوح الإنساني، بل تمتد إلى واحدة من أخطر القضايا الاقتصادية التي تواجه البلاد اليوم: تآكل وحدة السوق الوطنية وظهور تباينات متزايدة في أسعار الصرف والتعاملات المالية بين مناطق البلاد المختلفة.
فمع استمرار النزاع وتعطل أجزاء واسعة من الجهاز المصرفي وشبكات النقل والتجارة، بدأت تتشكل ملامح ما يشبه “اقتصاد الجزر المعزولة”، حيث لم تعد حركة السلع والأموال تخضع دائماً لمنظومة اقتصادية موحدة كما كان الحال قبل الحرب.
عندما تنقسم السوق
في الظروف الطبيعية، يؤدي وجود بنك مركزي وسلطة مالية موحدة إلى الحفاظ على قدر من الاتساق في حركة العملة والأسعار بين مختلف مناطق الدولة.
لكن الحروب الطويلة غالباً ما تضعف هذه الآليات.
وفي الحالة السودانية، أدى تباعد مراكز السيطرة العسكرية والإدارية إلى ظهور تفاوتات ملحوظة في أسعار الصرف وتكاليف السلع والخدمات من منطقة إلى أخرى، بحسب ظروف الإمداد والنقل ومستوى النشاط الاقتصادي المحلي.
ورغم أن الجنيه السوداني لا يزال العملة الرسمية في جميع أنحاء البلاد، فإن الواقع الاقتصادي أصبح أكثر تعقيداً مما تعكسه القوانين الرسمية.
من الجنيه إلى الدولار
أحد أبرز التحولات التي برزت خلال الحرب هو تزايد الاعتماد غير المباشر على العملات الأجنبية في بعض الأنشطة التجارية.
ففي ظل التقلبات المستمرة في قيمة العملة المحلية، يلجأ كثير من التجار إلى تسعير بضائعهم وفقاً لتوقعات سعر الدولار أو تكلفة إعادة الاستيراد، حتى وإن كانت المعاملات النهائية تتم بالجنيه السوداني.
هذه الظاهرة لا تعني اختفاء العملة الوطنية، لكنها تعكس تراجع الثقة في قدرتها على أداء وظائفها التقليدية كمخزن للقيمة ووسيلة مستقرة للتبادل.
التجارة تدفع الثمن
لا تتوقف آثار التباين النقدي عند أسعار العملات فقط.
فحركة السلع نفسها أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً.
إذ تواجه شبكات النقل تحديات مرتبطة بالأمن والبنية التحتية وتعطل بعض المسارات التجارية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتخزين.
وفي النهاية تنتقل هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي على شكل زيادات متواصلة في الأسعار.
ولهذا أصبح المواطن السوداني يواجه واقعاً اقتصادياً تختلف فيه أسعار السلع الأساسية بين مدينة وأخرى بصورة أكبر مما كان عليه الحال قبل الحرب.
الاقتصاد الذي يفقد وحدته
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تراجع الترابط بين الأسواق المحلية.
فكلما ضعفت حركة التجارة والتعاملات المالية بين الأقاليم المختلفة، تراجعت قدرة الاقتصاد الوطني على العمل كوحدة متكاملة.
وفي الحالات القصوى يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور أسواق محلية شبه منفصلة، لكل منها أسعارها وآلياتها الخاصة، وهو وضع شهدته دول أخرى مرت بصراعات طويلة الأمد.
ماذا عن الاستثمار؟
في بيئة يسودها عدم اليقين، يصبح المستثمر أكثر ميلاً للاحتفاظ بالسيولة أو تحويلها إلى أصول أكثر أماناً بدلاً من ضخها في الإنتاج.
وتزداد هذه المخاطر عندما تتباين أسعار الصرف وتتغير تكاليف التشغيل بصورة يصعب التنبؤ بها.
ولهذا تواجه الأنشطة الإنتاجية والتجارية تحديات كبيرة في التخطيط طويل الأجل، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات النمو وفرص العمل والاستثمار.
هل يمكن إعادة توحيد السوق؟
رغم تعقيدات المشهد، يرى اقتصاديون أن استعادة الترابط الاقتصادي بين مناطق البلاد تمثل خطوة أساسية في أي عملية تعافٍ مستقبلية.
ويتطلب ذلك:
- تعزيز استقرار النظام المصرفي.
- تسهيل حركة التجارة والسلع بين الولايات.
- إعادة بناء شبكات النقل والخدمات.
- دعم آليات شفافة لمراقبة الأسعار والأسواق.
- تعزيز الثقة في العملة الوطنية والمؤسسات المالية.
خاتمة
تكشف الحرب السودانية أن أخطر الخسائر الاقتصادية لا تتمثل فقط في تراجع الإنتاج أو ارتفاع الأسعار، بل في تهديد وحدة السوق نفسها.
فكلما اتسعت الفجوة بين المناطق وتباينت أسعار الصرف والسلع والخدمات، أصبح الاقتصاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على التعافي.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر، بينما تتحول العملة والأسواق إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب المفتوحة





















