قراءة في جذور الأزمة وآفاق التجديد الضروري
بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com 2026/7//13
لم تعد مسألة تقييم الأحزاب السياسية السودانية ترفاً فكرياً أو نقاشاً نخبوياً يدور في الصالونات السياسية، بل أصبحت جزءاً من الأسئلة الكبرى التي يطرحها السودانيون وهم ينظرون إلى وطن أنهكته الحروب والانقسامات والأزمات المتراكمة. فبعد عقود من التجارب المتعاقبة، المدنية والعسكرية، يجد السودان نفسه أمام لحظة مراجعة تاريخية تتجاوز الأشخاص والتنظيمات، لتطال بنية العمل السياسي نفسه.
هذه ليست محاولة لمحاكمة الأحزاب في محكمة التاريخ، كما أنها ليست سعياً لتبرئة أحد من أخطاء الماضي. إنها محاولة لفهم الأسباب التي جعلت المشروع الوطني السوداني يتعثر مراراً، رغم وجود قوى سياسية امتلكت الإرث الجماهيري والخبرة التاريخية والفرص المتعددة للمشاركة في صناعة المستقبل.
من الأحزاب المؤسسة للدولة إلى مجتمع يصنع أدواته
عندما نالت البلاد استقلالها، كانت الأحزاب السياسية تمثل أحد أهم روافع الحياة العامة. فقد تشكلت باعتبارها تعبيراً عن قوى اجتماعية وثقافية ودينية ساهمت في بناء الوعي الوطني ومقاومة الاستعمار، وأصبحت جزءاً من هندسة الدولة السودانية الحديثة.
لكن السودان الذي يتشكل اليوم تحت وطأة الحرب يختلف جذرياً عن السودان الذي عرفته تلك الأحزاب.
ففي ظل انهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، برزت أشكال جديدة من الفعل المجتمعي؛ من لجان المقاومة والتكايا والمبادرات الشبابية وشبكات الدعم الأهلي. ولم تعد هذه الكيانات مجرد أدوات للتعبئة أو الاستجابة للأزمات، بل تحولت في كثير من المناطق إلى قوى مجتمعية مؤثرة تؤدي أدواراً عجزت عنها أجهزة رسمية وأحياناً تنظيمات سياسية عريقة.
هذا التحول العميق أوجد واقعاً جديداً أصبحت فيه الشرعية مرتبطة بالقدرة على خدمة الناس والاستجابة لحاجاتهم المباشرة، لا بمجرد التاريخ السياسي أو الإرث التنظيمي. ولذلك فإن أحد أكبر التحديات أمام الأحزاب اليوم هو قدرتها على فهم هذه القوى المجتمعية الجديدة والتفاعل معها باعتبارها شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد قواعد انتخابية محتملة.
أزمة المؤسسية.. عندما تتحول الأحزاب إلى كيانات مغلقة
من أبرز أوجه القصور التي لازمت التجربة الحزبية السودانية خلال العقود الماضية غياب المؤسسية الحقيقية داخل العديد من التنظيمات السياسية.
ففي حالات كثيرة تحولت الأحزاب إلى كيانات تدور حول زعامات تاريخية أو أسر سياسية أو دوائر ضيقة من النخب، بينما تراجعت آليات التداول الداخلي وتجديد القيادات وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة.
وقد أفرز هذا الواقع حالة من الجمود التنظيمي يمكن وصفها بـ”الشيخوخة السياسية”، حيث بقيت الخطابات ذاتها والوجوه ذاتها والآليات ذاتها تتكرر رغم التغيرات الهائلة التي شهدها المجتمع السوداني.
وتبرز هنا مفارقة جوهرية؛ فالحزب الذي لا يستطيع ممارسة الديمقراطية داخل مؤسساته يجد صعوبة كبيرة في إقناع المجتمع بقدرته على بناء نظام ديمقراطي مستقر على مستوى الدولة.
ولعل من أخطر نتائج هذه الأزمة أنها دفعت أعداداً كبيرة من الشباب والكفاءات إلى الابتعاد عن العمل الحزبي التقليدي، والبحث عن مساحات أخرى للتأثير السياسي والاجتماعي خارج الأطر التنظيمية المعروفة.
من السياسة بوصفها صراعاً إلى السياسة بوصفها إدارة للدولة
تعاني الحياة السياسية السودانية أيضاً من أزمة برامجية مزمنة.
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه تحديات اقتصادية وتنموية وأمنية معقدة، انشغل جزء كبير من الخطاب الحزبي بالصراعات الأيديولوجية والتنافس على السلطة وبناء التحالفات الظرفية.
وغالباً ما طغت أسئلة الهوية والانتماء والطائفة والأيديولوجيا على أسئلة التنمية والتعليم والصحة والإنتاج وإدارة الموارد.
ولهذا السبب لم تتمكن معظم القوى السياسية من بناء مراكز تفكير فاعلة تقدم حلولاً عملية لقضايا الاقتصاد أو الحكم المحلي أو العدالة الانتقالية أو معالجة الاختلالات التاريخية بين المركز والأطراف.
لقد تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى إدارة للأزمات لا إلى صناعة للحلول، وإلى تكتيكات يومية لا إلى استراتيجيات وطنية طويلة المدى.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات تعبئة بقدر ما يحتاج إلى برامج قابلة للتنفيذ، وإلى أحزاب تستطيع أن تقدم للمواطن تصوراً واضحاً لكيفية إعادة بناء الدولة بعد الحرب.
ثورة ديسمبر والحرب.. نهاية احتكار السياسة
مثلت ثورة ديسمبر 2018 نقطة تحول فارقة في التاريخ السياسي السوداني، ليس فقط لأنها أسقطت نظاماً سياسياً استمر لثلاثة عقود، بل لأنها كشفت عن ولادة فاعلين جدد خارج البنية الحزبية التقليدية.
فقد برزت لجان المقاومة والمبادرات الشبابية والمجموعات المهنية ومنظمات المجتمع المدني باعتبارها قوى تمتلك تأثيراً حقيقياً في الشارع.
ثم جاءت الحرب الحالية لتعمق هذا التحول أكثر، حيث أصبح البقاء اليومي وتوفير الخدمات والإسناد المجتمعي أولوية تتقدم على كثير من أشكال النشاط السياسي التقليدي.
ومن هنا فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع الأحزاب العودة إلى ما كانت عليه؟
بل أصبح: هل تستطيع الأحزاب إعادة تعريف نفسها بما يتناسب مع السودان الجديد الذي يتشكل أمام أعين الجميع؟
الخروج من فقاعة المركز
واحدة من أكثر المعضلات إلحاحاً هي استمرار هيمنة الرؤية المركزية على كثير من الممارسات السياسية.
فلسنوات طويلة ظلت القضايا الكبرى تُناقش من منظور العاصمة، بينما بقيت أجزاء واسعة من البلاد تشعر بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي.
إن إعادة بناء الثقة الوطنية تتطلب من الأحزاب أن تتحول إلى مؤسسات وطنية حقيقية، تتجاوز الولاءات الضيقة والانتماءات التقليدية، وتطرح مشروعاً تنموياً يخاطب احتياجات المواطنين في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط بالقدر نفسه.
فالدولة لا تُبنى من المركز وحده، كما أن الاستقرار لا يتحقق إذا ظل جزء من الوطن يشعر بأنه خارج معادلة القرار.
نحو ميثاق وطني للتداول السلمي
إذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الدولة، فإنها كشفت أيضاً خطورة غياب التوافق على قواعد اللعبة السياسية.
ولهذا فإن الحاجة تزداد اليوم إلى ميثاق وطني يؤكد بصورة قاطعة أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة، وأن أي محاولة لفرض الإرادة السياسية عبر السلاح أو الانقلابات أو التدخلات الخارجية لا تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة.
إن التداول السلمي ليس مجرد إجراء انتخابي أو خروجاً من أزمة الحكم بقدر ما هو ثقافة تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، وتمتد إلى مؤسسات الدولة والمجتمع. وهو منظومة قيم تقوم على الاعتراف بالآخر، واحترام حق الاختلاف، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية بوصفها المصدر الوحيد للشرعية السياسية. وعندما تترسخ هذه الثقافة داخل التنظيمات السياسية، تصبح أكثر قدرة على إنتاج دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة التنوع والخلاف بوسائل سلمية وحضارية.
خاتمة: من إرث الماضي إلى صناعة المستقبل
السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون نسخة من السودان الذي دخلها.
فالمجتمع تغير، والأولويات تغيرت، وموازين التأثير تغيرت كذلك.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب السياسية لا يكمن في استعادة مواقعها القديمة، بل في قدرتها على تجديد نفسها واستيعاب دروس المرحلة وتقديم مشروع وطني يستجيب لأسئلة المستقبل لا لذكريات الماضي.
إن نهضة السودان ليست رهينة تغيير الحكومات فحسب، بل رهينة تغيير الثقافة السياسية نفسها. فالوطن يحتاج اليوم إلى أحزاب تبني المؤسسات، وتصنع البرامج، وتؤمن بالتداول السلمي، وتضع المواطن في مركز العملية السياسية.
عندها فقط يمكن أن تتحول الأحزاب من جزء من الأزمة إلى جزء من الحل، ومن عبء على مسيرة الوطن إلى قاطرة تدفعه نحو الاستقرار والتنمية والسلام.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد


















