كيف أصبحت إحدى أهم أدوات المساءلة الدولية في الحرب السودانية؟
محررو لقطة
9 يوليو 2026
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، تحولت ملفات الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب إلى أحد أكثر الجوانب حضوراً في النقاش الدولي حول السودان. وبينما انشغلت الأطراف المتحاربة بالمعارك الميدانية والتحالفات السياسية، كانت الأمم المتحدة تعمل على بناء آلية دولية لتوثيق ما يجري على الأرض وجمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة. ومن هنا برزت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان بوصفها إحدى أهم الآليات الأممية المعنية بمتابعة الحرب السودانية وتوثيق آثارها الإنسانية والقانونية.
كيف تأسست البعثة؟
أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة البعثة بموجب قرار خاص بعد تصاعد التقارير المتعلقة بالقتل الجماعي والعنف الجنسي والتهجير القسري والانتهاكات الواسعة ضد المدنيين في مختلف مناطق السودان.
وتتمثل المهمة الأساسية للبعثة في:
- التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
- جمع الأدلة وحفظها.
- تحديد أنماط الانتهاكات والجهات المسؤولة عنها.
- دعم جهود المساءلة الدولية مستقبلاً.
- تقديم تقارير دورية إلى مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة.
ورغم أن البعثة لا تملك صلاحيات قضائية مباشرة، فإن تقاريرها تمثل مرجعاً مهماً للمؤسسات الدولية والمحاكم المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ماذا فعلت البعثة خلال العامين الماضيين؟
منذ بدء عملها أجرت البعثة مئات المقابلات مع شهود وناجين ونازحين، كما اعتمدت على صور الأقمار الصناعية والوثائق الرسمية والتسجيلات المصورة وتقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية.
وخلال تقاريرها المتعاقبة وثقت:
- عمليات قتل واسعة النطاق ضد المدنيين.
- انتهاكات مرتبطة بالعنف الجنسي.
- تجنيد أطفال.
- تدمير واسع للبنية التحتية المدنية.
- استهداف المرافق الصحية والأسواق.
- عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
كما أكدت البعثة مراراً أن الانتهاكات لم تكن أحداثاً معزولة، بل اتخذت في بعض المناطق طابعاً منظماً وممنهجاً.
تقرير الفاشر.. نقطة التحول الأبرز
يُعد التقرير الذي أصدرته البعثة في فبراير 2026 بشأن مدينة الفاشر من أخطر التقارير الدولية المرتبطة بالحرب السودانية منذ اندلاعها.
فبعد أشهر من التحقيقات، خلصت البعثة إلى أن الانتهاكات التي رافقت حصار المدينة وسقوطها حملت “سمات الإبادة الجماعية” نتيجة نمط الاستهداف الذي تعرضت له مجتمعات محددة على أساس عرقي، إلى جانب القتل الجماعي والعنف الجنسي والتجويع القسري ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
ووثق التقرير:
- عمليات قتل جماعي واسعة.
- اختفاءات قسرية.
- حالات تعذيب ممنهج.
- عنف جنسي واسع النطاق.
- استخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب.
- استهداف مجتمعات غير عربية في دارفور.
وأثارت هذه النتائج ردود فعل دولية واسعة، حيث اعتبرتها منظمات حقوقية ودول غربية من أخطر التقييمات الأممية المتعلقة بالنزاع السوداني منذ بدايته.
ماذا قالت البعثة هذا الأسبوع؟
في أحدث تطورات الملف، أصدرت البعثة تحديثاً جديداً أكدت فيه أن الأدلة التي جمعتها حول أحداث الفاشر تشير إلى أن الجرائم المرتكبة هناك ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية وفق تقييمها القانوني، مشيرة إلى وجود:
- قتل جماعي.
- اغتصاب واسع النطاق.
- اختطاف مدنيين.
- تجويع متعمد للسكان.
- حصار للمساعدات الإنسانية.
كما حذرت من وجود مؤشرات مقلقة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان قد تؤدي إلى تكرار نمط الانتهاكات الذي شهدته الفاشر إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل.
لماذا تركز البعثة على الأبيض؟
تكتسب مدينة الأبيض أهمية خاصة لأنها تضم مئات الآلاف من المدنيين والنازحين وتشكل مركزاً استراتيجياً في إقليم كردفان.
وترى البعثة وعدد من المؤسسات الحقوقية أن:
- تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة.
- استمرار الحصار والضغوط الإنسانية.
- استهداف البنية التحتية المدنية.
- تزايد أعداد النازحين.
كلها مؤشرات تستوجب تدخلاً دولياً مبكراً لمنع وقوع كارثة إنسانية جديدة.
هل يمكن أن تؤدي تقارير البعثة إلى إجراءات دولية؟
رغم أن البعثة لا تمتلك سلطة إصدار أحكام أو تنفيذ عقوبات، إلا أن تقاريرها يمكن أن تؤدي إلى:
- فرض عقوبات دولية جديدة.
- توسيع التحقيقات الجنائية الدولية.
- إحالة ملفات محددة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
- زيادة الضغوط الدبلوماسية على الأطراف المتهمة.
- دعم جهود توثيق الجرائم وحفظ الأدلة للمحاسبة مستقبلاً.
قراءة في دلالات المرحلة
بعيداً عن الجدل السياسي الذي يحيط بعمل البعثة وتقاريرها، فإن الأهمية الحقيقية لهذه الآلية تكمن في أنها أصبحت اليوم أحد أهم المصادر الدولية لتوثيق ما يجري داخل السودان.
ومع استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي، تبدو تقارير البعثة جزءاً من معركة أخرى موازية للمعارك العسكرية؛ معركة تتعلق بتحديد المسؤوليات وحفظ الذاكرة القانونية للنزاع وتوثيق ما تعرض له المدنيون خلال واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه التقارير إلى إجراءات دولية عملية قادرة على حماية المدنيين ومنع تكرار المآسي، أم أنها ستبقى مجرد وثائق تضاف إلى أرشيف الحرب السودانية؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















