قراءة في أزمة السياسة السودانية بين الحرب والانقسام ومستقبل ما بعد السلاح
عبود النصيح
www.lagtaai.com
2026/7/14
في تاريخ الأمم لحظات نادرة لا تُقاس بحجم المعارك التي تدور فيها، بل بحجم التحولات التي تفرضها على طبيعة السلطة نفسها. ففي أوقات الاستقرار تتنافس الأفكار على قيادة المجتمع، وتتنازع الأحزاب على كسب ثقة الناس، وتبقى القوة المسلحة في موقع الحارس للدولة لا الشريك في تعريف مستقبلها. لكن عندما تتعرض الدول لزلازل كبرى، تتبدل مواقع الفاعلين، وتتحرك موازين القوة بعيداً عن المجال السياسي نحو المجال العسكري، فتعلو أصوات البنادق فوق أصوات البرامج، وتصبح خرائط النفوذ أكثر ارتباطاً بالميدان من ارتباطها بصناديق الاقتراع أو موائد الحوار.
غير أن هيمنة السلاح لا تبدأ يوم يحمل الجنود بنادقهم، بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل؛ تبدأ عندما تعجز السياسة عن أداء وظيفتها الأساسية في إدارة التناقضات وصناعة التوافقات الوطنية. فالأزمات الكبرى لا تنشأ عادة من فائض القوة العسكرية، بقدر ما تنشأ من عجز المجال المدني عن إنتاج حلول تمنع انزلاق الدولة إلى حافة الصراع. ولذلك يمكن القول إن أزمة السياسة لا تبدأ يوم يعلو صوت الرصاص، بل يوم تفشل النخب المدنية في بناء الحد الأدنى من التوافق الذي يحول دون وصول البلاد إلى تلك اللحظة أصلاً.
ولعل السودان يعيش اليوم إحدى أكثر هذه اللحظات تعقيداً في تاريخه الحديث.
فبعد سنوات من الحرب، لم تعد الأطراف المسلحة مجرد أطراف في الصراع، بل أصبحت اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم مساراته ومآلاته. هي التي تفاوض، وهي التي تقاتل، وهي التي تملك القدرة على تغيير الوقائع على الأرض، بينما تبدو القوى المدنية ــ التي يفترض أن تكون صاحبة المصلحة الأولى في مستقبل الدولة السياسي ــ وكأنها تراقب المشهد من مسافة أبعد مما تسمح به طبيعة دورها أو حجم التحديات التي تواجه البلاد.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بصعود الفاعلين العسكريين بقدر ما يتعلق بتراجع الفاعلين المدنيين.
فالقوة المسلحة لا تملأ الفراغ إلا عندما يكون هناك فراغ أصلاً.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل:
كيف وصلت القوى المدنية السودانية إلى موقع المتفرج في لحظة يفترض أن تكون السياسة فيها أكثر حاجة إليها من أي وقت مضى؟
الحرب همّشت السياسة… لكنها لم تصنع الأزمة
من السهل تفسير تراجع القوى المدنية باعتباره نتيجة مباشرة للحرب، لكن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، لا يكفي لفهم الصورة كاملة.
فالحروب بطبيعتها تعيد توزيع مراكز النفوذ داخل المجتمعات. ففي زمن السلم تكون القوة مرتبطة بالأفكار والتنظيم والبرامج السياسية والقدرة على كسب ثقة الناس، أما في زمن الحرب فتنتقل مراكز التأثير إلى من يملك السيطرة على الأرض والسلاح والقدرة على فرض الوقائع.
لكن الحروب لا تخلق الأزمات السياسية من العدم.
إنها تكشفها.
وتضخمها.
وتدفعها إلى السطح.
ولهذا فإن ما حدث للقوى المدنية السودانية خلال الحرب لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل كان أيضاً حصيلة تراكمات سياسية وتنظيمية سبقتها بسنوات.
عسكرة السياسة وفقدان المبادرة
منذ اندلاع الحرب انتقل مركز الثقل من السياسة إلى الميدان العسكري.
أصبحت الأطراف المسلحة هي التي تملك القدرة على تغيير الوقائع على الأرض، وأصبح أي مشروع سياسي مرتبطاً بمدى قبولها أو رفضها له.
في هذه البيئة فقدت القوى المدنية جزءاً كبيراً من أدواتها التقليدية:
* الحشد الجماهيري أصبح شبه مستحيل في ظل النزوح والخوف وانهيار المدن.
* المجال العام تقلص بصورة غير مسبوقة.
* مؤسسات الدولة التي كانت تمثل ساحة للعمل السياسي تعرضت للتفكك والشلل.
* الإعلام نفسه أصبح خاضعاً لأولويات الحرب أكثر من أولويات السياسة.
وهكذا وجدت القوى المدنية نفسها لأول مرة منذ عقود أمام واقع لا تملك فيه الأدوات التي اعتادت استخدامها للتأثير.
لكن السؤال الأهم يبقى:
لماذا لم تستطع تعويض هذا الفقدان؟
متلازمة العجز التاريخي
الحقيقة الأكثر إيلاماً أن جزءاً كبيراً من الأزمة سبق الحرب نفسها.
فبعد ثورة ديسمبر امتلكت القوى المدنية فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بين السياسة والمجتمع.
لكن ما حدث أن الخلافات البينية بدأت تلتهم الزخم الذي صنعته الثورة.
انشغلت النخب السياسية بمعارك السلطة أكثر من انشغالها ببناء المؤسسات.
وتحولت أجزاء واسعة من النقاش العام من سؤال:
كيف نبني الدولة؟
إلى سؤال:
من يحكم الدولة؟
ومن سؤال:
كيف ننجح الانتقال؟
إلى سؤال:
من يسيطر على الانتقال؟
هذه التحولات أضعفت المشروع المدني نفسه.
ومع مرور الوقت بدأ المواطن العادي يشعر بأن القوى السياسية تتحدث كثيراً عن السلطة، لكنها أقل حديثاً عن الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة ومعاش الناس.
والأخطر من ذلك أن هذا الواقع أتاح للمؤسسة العسكرية فرصة تقديم نفسها باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على حفظ الاستقرار، حتى وإن كان ذلك على حساب المسار الديمقراطي.
فالأزمات الكبرى لا تطيح بالأحزاب بسبب ضعفها اللحظي فقط، بل بسبب عجزها عن تجديد نفسها. وعندما تتوقف الأحزاب عن قراءة المجتمع، يبدأ المجتمع في البحث عن بدائل أخرى، حتى لو كانت تلك البدائل أقل قدرة على بناء المستقبل.
أزمة الشرعية والتمثيل
اليوم تعاني القوى المدنية من أزمة أعمق من مجرد الانقسام.
إنها أزمة تمثيل حقيقية.
فلا يوجد تحالف واحد يمكنه الادعاء بأنه يمثل غالبية القوى المدنية السودانية.
ولا توجد قيادة موحدة قادرة على التحدث باسم هذا المعسكر الواسع والمتنوع.
والنتيجة أن المشهد المدني أصبح أقرب إلى جزر سياسية منفصلة أكثر منه إلى قوة سياسية وطنية متماسكة.
المشكلة ليست في تعدد القوى المدنية، فالتعددية في حد ذاتها ظاهرة صحية في أي مجتمع ديمقراطي.
لكن الأزمة تكمن في غياب المشروع الجامع الذي يحول هذا التنوع إلى قوة وطنية.
فالاختلاف يصبح مصدر قوة عندما تديره رؤية مشتركة، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف عندما يصبح صراعاً دائماً على المواقع والتمثيل والشرعية.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح من السهل على القوى الإقليمية والدولية، وحتى الأطراف العسكرية نفسها، أن تختار من تتعامل معه من القوى المدنية وفقاً لاعتبارات اللحظة، بدلاً من التعامل مع شريك سياسي موحد يمتلك وزناً تفاوضياً حقيقياً.
من يملك الرؤية؟
واحدة من أكبر مشكلات القوى المدنية خلال سنوات الحرب أنها دخلت في معارك حول الوسائل أكثر من انشغالها بالغايات.
فبينما كان الجدل دائراً حول:
* هذه المبادرة أو تلك.
* هذا الوسيط أو ذاك.
* هذا التحالف أو غيره.
ظل السؤال الأكبر غائباً:
ما هو المشروع الوطني الذي تطرحه القوى المدنية للسودان بعد الحرب؟
فالناس لا تبحث فقط عن جهة ترفض الحرب.
بل تبحث عن جهة تملك تصوراً واضحاً لما بعد الحرب.
كيف سيُدار الاقتصاد؟
كيف ستُبنى المؤسسات؟
كيف ستتم إعادة الإعمار؟
كيف ستُدار العدالة الانتقالية؟
كيف سيُعاد بناء الثقة بين السودانيين؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع النفوذ السياسي الحقيقي.
ومن لا يمتلك إجابات مقنعة عليها يتحول تلقائياً إلى متابع للأحداث بدلاً من صانع لها.
لماذا تبدو القوى العسكرية أكثر تأثيراً؟
لأنها تملك أدوات القوة المباشرة.
لكن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك المستقبل.
فالعسكريون يستطيعون السيطرة على الأرض.
لكنهم لا يستطيعون وحدهم:
* إنتاج الشرعية السياسية.
* إدارة التنوع الاجتماعي.
* صياغة الدساتير.
* إدارة الانتخابات.
* إعادة بناء الاقتصاد.
* بناء التوافق الوطني طويل المدى.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالقوى المدنية تبدو اليوم أضعف من أن تقود المشهد، لكنها في الوقت نفسه تظل الطرف الأكثر حاجة إليه عندما يحين وقت بناء السلام.
هل الانقسام المدني سبب أم نتيجة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في كل النقاش.
وفي تقديري، فإن الانقسام المدني لم يكن نتيجة للحرب فقط.
بل كان أحد الأسباب التي مهدت الطريق أمام عسكرة المشهد.
فحين تعجز القوى السياسية عن بناء توافقات مستقرة، ينشأ فراغ سياسي.
وحين ينشأ الفراغ السياسي، تبحث الدولة والمجتمع تلقائياً عن قوة أخرى لملئه.
وفي الحالة السودانية، كان السلاح هو القوة التي ملأت ذلك الفراغ.
بمعنى أكثر وضوحاً:
الحرب عمّقت الانقسام المدني، لكنها لم تصنعه.
بل وجدته قائماً واستفادت منه.
هل العودة إلى مركز التأثير ممكنة؟
نعم.
لكن ليس عبر البيانات وحدها.
ولا عبر الاجتماعات المغلقة.
ولا عبر إعادة تدوير التحالفات القديمة.
العودة تتطلب إعادة تموضع كاملة.
أولاً، عبر بناء كتلة وطنية واسعة تتجاوز استقطابات الماضي وتلتقي حول الحد الأدنى من المبادئ الوطنية:
* وقف الحرب.
* وحدة السودان.
* الدولة المدنية.
* الجيش المهني الواحد.
* سيادة القانون.
ثانياً، عبر استعادة الثقة المجتمعية التي فقدتها القوى السياسية خلال السنوات الماضية.
وثالثاً، عبر تقديم مشروع وطني واضح للسودان ما بعد الحرب، لا يكتفي بالمطالبة بوقف القتال، بل يشرح كيف يمكن إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً.
الخلاصة
ربما تبدو القوى المدنية اليوم خارج مركز التأثير.
لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تبني الدول مهما طال أمدها، وأن البنادق تستطيع فرض الوقائع لكنها لا تستطيع إنتاج الشرعية أو صناعة المستقبل.
لقد انتصرت الجيوش في حروب كثيرة عبر التاريخ، لكن الدول لم يبنها الجنرالات وحدهم.
بناها السياسيون عندما امتلكوا الشجاعة للاعتراف بالأخطاء.
وبناها المفكرون عندما أنتجوا الأفكار.
وبناها المجتمع عندما قرر أن المستقبل أهم من الثأر.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية السودانية ليس العودة إلى الطاولة فقط.
بل العودة إلى المجتمع أولاً.
فالسياسة لا تستعيد مكانتها عبر البيانات، بل عبر الثقة.
ولا تستعيد الثقة عبر الشعارات، بل عبر مشروع وطني قادر على إقناع السودانيين بأن ما بعد الحرب يمكن أن يكون أفضل مما قبلها.
وعندما تأتي لحظة السلام ــ وهي ستأتي عاجلاً أم آجلاً ــ لن يسأل السودانيون من كان الأعلى صوتاً أثناء الحرب.
بل سيسألون:
من كان يملك رؤية حقيقية لبناء السودان بعد أن صمتت المدافع؟
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد






















