الحلقة الأولى: حين أُطفئت الماكينات.. كيف فقد السودان قلبه الصناعي؟
تحقيق استقصائي
محررو لقطة AI – 13
26 سبتمبر 2026
في مايو 2023، وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في السودان، التهم حريق مصنع «ساميل» في الخرطوم، أحد المصانع المحلية المنتجة للأغذية العلاجية المخصصة للأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد. لم تكن الخسارة مجرد مبنى صناعي أصابته الحرب؛ فقد قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» إن الحريق دمر آلات المصنع وأتلف نحو 14,500 كرتونة من الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام، كانت تكفي لعلاج العدد نفسه تقريبًا من الأطفال. وكان المصنع قد أنتج، خلال العام السابق للحرب، نحو 60% من الغذاء العلاجي المستخدم لهذه الفئة من الأطفال في السودان.
تكشف قصة «ساميل» مبكرًا طبيعة الضربة التي تلقتها الصناعة السودانية. فالمصنع لا تقتصر قيمته على المبنى والآلات الموجودة داخله، وإنما يمثل حلقة في شبكة اقتصادية أوسع تضم العمال والفنيين والموردين والنقل والطاقة والتمويل والتوزيع والسوق. وعندما تتوقف هذه الحلقة، لا تخسر الدولة قيمة الأصول الصناعية وحدها، بل تخسر الوظائف والإنتاج المحلي والضرائب، وتزداد حاجتها إلى استيراد ما كانت تنتجه في الداخل.
كانت خطورة الحرب على الصناعة مضاعفة لأن جزءًا مهمًا من النشاط الصناعي السوداني كان متركزًا في الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، وهي المناطق التي تحولت منذ الأيام الأولى للحرب إلى ساحات قتال رئيسية. ومع امتداد المواجهات، تعرضت المنشآت الصناعية لأشكال مختلفة من الضرر؛ فهناك مصانع دمرت مباشرة، وأخرى تعرضت للنهب، ومنشآت ظلت مبانيها قائمة لكنها فقدت معدات أو مواد خام أو مصادر الطاقة أو العاملين الضروريين لتشغيلها.
فاتورة لا تحسبها المباني وحدها
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تشير بيانات وزارة الصناعة التي أوردتها تقارير سودانية حديثة إلى تضرر نحو 1,800 منشأة صناعية، بينها قرابة 650 مصنعًا تعرضت للدمار الكامل، بينما قدر اتحاد الغرف الصناعية خسائر القطاع بما يتراوح بين 50 و58 مليار دولار.
وتحتاج هذه الأرقام إلى قدر من الحذر عند قراءتها. فهي تقديرات حكومية وقطاعية لحجم الخسائر، وليست نتيجة تدقيق محاسبي منشور لكل مصنع على حدة. لكنها، حتى بهذا التحفظ، تكشف اتساع الضربة التي أصابت القاعدة الصناعية للبلاد.
غير أن الرقم الأكثر وضوحًا، وهو عدد المصانع المدمرة بالكامل، قد لا يكون الأكثر قدرة على وصف حجم المشكلة. فهناك منشآت لم تسقط جدرانها، لكنها فقدت قدرتها على الإنتاج. وقد يكون فقدان ماكينة رئيسية، أو محول كهربائي، أو نظام تحكم إلكتروني، أو مخزون قطع الغيار والمواد الخام كافيًا لإيقاف خط إنتاج كامل.
وعندما دخلت رويترز عددًا من المناطق الصناعية في الخرطوم بحري بعد انحسار القتال عن أجزاء واسعة من العاصمة، وجدت مصانع ومستودعات تعرضت لأضرار ونهب واسع، بينما كان أصحاب الأعمال والمهندسون يحاولون إصلاح ما يمكن إنقاذه. وقالت مجموعة CTC إن مجمعها الصناعي تعرض لأضرار جسيمة شملت المباني والأنظمة الكهربائية والمعدات الحيوية التي تعرض بعضها للنهب أو التدمير.
وهنا يظهر الفارق بين المبنى والمصنع. فقد يبقى الأول قائمًا بينما يفقد الثاني معناه الاقتصادي؛ لأن المصنع منظومة تعمل أجزاؤها معًا، وإذا تعطلت حلقات رئيسية منها فإن بقاء الجدران لا يعني بقاء القدرة على الإنتاج.
النهب.. خسارة أخرى بعد المعركة
كان من المتوقع أن يؤدي انحسار المواجهات عن المناطق الصناعية في العاصمة إلى وقف استنزاف ما تبقى من المصانع، إلا أن ممثلين للقطاع تحدثوا لاحقًا عن استمرار عمليات سرقة ونهب في بعض المناطق.
وفي فبراير 2026، قال الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السوداني عباس علي السيد إن مصانع في المنطقة الصناعية جنوب الخرطوم ظلت تتعرض للسرقة، واتهم مسلحين قال إن بعضهم يحمل رتبًا عسكرية بنقل ممتلكات من داخل المنشآت. ولم يقدم التقرير المنشور حصرًا نهائيًا للخسائر أو نتائج تحقيق قضائي تحدد المسؤولية عن جميع هذه الوقائع، ولذلك تظل هذه الاتهامات منسوبة إلى اتحاد الغرف الصناعية.
لكن أهمية هذه الشهادات تكمن في أنها تكشف شكلًا آخر من أشكال تدمير الصناعة. فالقذيفة قد تدمر المبنى في لحظة، بينما يستطيع النهب تفكيك المصنع تدريجيًا عبر سرقة المولدات والمحركات ولوحات التحكم والكابلات والشاحنات والمخزون وقطع الغيار. وفي النهاية قد يبقى الهيكل الخرساني في مكانه، بينما تكون القدرة الصناعية التي كانت بداخله قد اختفت.
والأصعب أن استبدال المعدات المنهوبة ليس عملية صيانة بسيطة. فالآلة المستوردة تحتاج إلى عملة أجنبية وتمويل وشحن وتأمين وإجراءات مصرفية وجمركية، ثم إلى مهندسين وفنيين لإعادة تركيبها وتشغيلها. وفي اقتصاد أضعفته الحرب وتضررت بنيته الأساسية، يمكن أن تصبح إعادة تشغيل مصنع قائم استثمارًا جديدًا يكاد يبدأ من الصفر.
لماذا لم تعد المصانع عندما عاد أصحابها؟
هذه المعضلة تظهر في الأرقام المتعلقة باستئناف النشاط. ففي أبريل 2026، قال عاطف عبد القادر، القيادي باتحاد الغرف الصناعية ومالك المصنع السوداني الماليزي للصناعات الفولاذية، إن نحو 10% فقط من المصانع عادت إلى التشغيل.
ويظل هذا الرقم تقديرًا صادرًا عن مسؤول في القطاع، وليس نتيجة تعداد صناعي شامل منشور، لكنه يوضح الفجوة بين استعادة المناطق الصناعية واستعادة الصناعة نفسها.
فالمصنع لا يعود إلى العمل لمجرد أن صاحبه استطاع الوصول إلى بوابته. وبحسب إفادات ممثلي القطاع، اصطدمت محاولات إعادة التشغيل بصعوبات تتعلق باستيراد قطع الغيار والمواد الخام، وشهادات المنشأ، ورسوم التخزين في الموانئ، والإجراءات المصرفية، إضافة إلى الكهرباء والوقود والتمويل.
وقال عبد القادر إن بعض عمليات إعادة التشغيل استغرقت أكثر من 310 أيام، بعدما كان متوقعًا إنجازها خلال نحو 50 يومًا. وهذا الفارق يكشف أن زمن إعادة الإعمار الصناعي لا يقاس فقط بالوقت المطلوب لإصلاح المبنى، وإنما بقدرة الاقتصاد المحيط به على العودة إلى العمل.
المصنع يبدأ خارج أسواره
الكهرباء مثال واضح على ذلك. فخط الإنتاج مهما كانت حالته الفنية لا يستطيع العمل بصورة منتظمة إذا لم يحصل على طاقة مستقرة، كما أن المصنع يحتاج إلى المياه والطرق والنقل والمصارف والاتصالات والموانئ وسلاسل توريد المواد الخام.
ولهذا لم تقتصر خطط إعادة تأهيل المناطق الصناعية في الخرطوم على إصلاح المصانع. ففي أغسطس 2026، شملت خطة أعلنتها وزارة الصناعة معالجة شبكات الكهرباء والمياه والطرق والصرف وإدارة النفايات، وهو ما يعكس حقيقة أساسية: إعادة المصنع تعني في جانب منها إعادة تأهيل البيئة الاقتصادية والخدمية التي تحيط به.
وتصبح المشكلة أكبر عندما يكون المصنع قادرًا على الإنتاج لكنه لا يستطيع الحصول على المادة الخام، أو عندما تصل المادة الخام ولا يستطيع المصنع تمويلها، أو عندما ينتج السلعة ثم يواجه صعوبة في نقلها إلى الأسواق. في كل حالة من هذه الحالات يمكن أن تتوقف الماكينات من دون أن تكون الحرب قد دمرت المصنع مباشرة.
العمال الذين غادروا مع الحرب
هناك خسارة أخرى لا تظهر في صور المصانع المحترقة، وهي القوى العاملة التي كانت تشغلها. فقد أدت الحرب إلى موجات نزوح واسعة داخل السودان وإلى دول الجوار، وقالت المنظمة الدولية للهجرة في تقريرها عن السنوات الثلاث الأولى من الصراع إن أكثر من 15 مليون شخص مروا بتجربة النزوح داخل البلاد أو عبر الحدود منذ بداية الحرب، قبل أن تبدأ لاحقًا موجات كبيرة من العودة.
ولا توجد بيانات منشورة تحدد بصورة دقيقة عدد عمال المصانع والمهندسين والفنيين الذين كانوا ضمن هذه الموجات، ولذلك لا يمكن تحويل العلاقة بين النزوح وخسارة العمالة الصناعية إلى رقم غير موثق. لكن حجم النزوح من الخرطوم والمراكز الحضرية الرئيسية يجعل فقدان جزء من القوى العاملة الصناعية نتيجة يصعب فصلها عن انهيار النشاط الاقتصادي في تلك المناطق.
وتختلف خسارة العامل الماهر عن خسارة ماكينة. فالآلة يمكن استيراد بديل لها إذا توفر المال، أما الخبرة التي تراكمت لدى فني أمضى سنوات على خط إنتاج معين فلا يمكن استعادتها بالسرعة نفسها. وهو ما يعني أن إعادة المصنع ماديًا قد تسبق قدرته على استعادة مستوى الإنتاج السابق.
عندما نزحت الشركات أيضًا
الضرر لم يتوقف عند الصناعة الثقيلة أو المصانع الكبيرة. ففي تحليل نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026، قدر البرنامج أن الحرب قلصت الاقتصاد السوداني بأكثر من 40%، وأن نحو ثلث الشركات أغلقت أبوابها، بينما انخفض متوسط إيرادات المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بنحو 35.8%.
لكن الرقم الأكثر ارتباطًا بمسار هذا التحقيق هو أن نسبة الإغلاق بين الشركات التي تعرضت للنزوح بلغت 87.8%.
وهذه النسبة تكشف أن النزوح الاقتصادي يختلف عن النزوح البشري. فالإنسان يستطيع، رغم الصعوبات، الانتقال من مدينة إلى أخرى حاملاً جزءًا من ممتلكاته، لكن المصنع مرتبط بالأرض والآلات والكهرباء والمخازن والعمال. ونقل هذه العناصر مجتمعة يحتاج إلى موارد لا تمتلكها غالبية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وهنا بدأت الحرب تفرز مسارين مختلفين. فالشركات الكبيرة التي تملك سيولة وشركاء وشبكات توريد وعلاقات مصرفية خارج السودان أصبحت أكثر قدرة على نقل الإدارة أو تأسيس نشاط جديد أو التعاقد مع مصانع خارج البلاد. أما صاحب المنشأة الصغيرة الذي تتركز ثروته في موقع واحد وماكينات محدودة ومخزون صغير، فقد لا يمتلك أصلًا خيار الانتقال إلى الخارج.
بالنسبة إلى الأول، قد تكون الحرب بداية هجرة رأس المال. أما الثاني فقد تعني ببساطة نهاية المشروع.
عودة بدأت.. لكنها لم تشمل الجميع
مع ذلك، لا تسمح الوقائع بالقول إن الصناعة السودانية اختفت بالكامل. فقد تمكنت بعض المنشآت من استئناف العمل، وبدأت أخرى عمليات إعادة تأهيل متفاوتة.
في أبريل 2026، عاد المصنع السوداني الماليزي للصناعات الفولاذية إلى الإنتاج في الخرطوم. وقال مالكه إن الإنتاج بلغ في المرحلة الأولى نحو سبعة آلاف طن شهريًا، مع خطة لرفعه إلى 12 ألف طن. كما بدأت مجموعة جياد للصناعات الهندسية العمل على إعادة تأهيل منشآتها وخطوط إنتاجها، بينما وثقت رويترز محاولات أصحاب مصانع ومهندسين في الخرطوم بحري إصلاح المعدات وإعادة بعض النشاط.
هذه الحالات مهمة لأنها تكشف أن خريطة الصناعة بعد الحرب ليست خريطة دمار فقط. هناك مصنع دُمر، وآخر نُهب، وثالث بقي مغلقًا، ورابع عاد إلى العمل، وخامس ربما اختار صاحبه أن يبدأ من جديد في مكان آخر.
وهذه الفئة الأخيرة هي التي تنقل التحقيق إلى مرحلته التالية.
السؤال الذي لا تجيب عنه إحصاءات الدمار
بعد مراجعة الأرقام والتقارير المتاحة، يمكن العثور على تقديرات لعدد المنشآت المتضررة وحجم الخسائر ونسبة المصانع التي عادت إلى الإنتاج. لكن لا توجد، حتى الآن، قاعدة بيانات رسمية شاملة تجيب عن سؤال مختلف: كم مصنعًا أو شركة إنتاجية سودانية نقلت نشاطها كله أو جزءًا منه إلى خارج السودان منذ اندلاع الحرب؟
هذا السؤال مهم لأن الخسارتين مختلفتان جذريًا.
المصنع الذي دمرته الحرب يمكن، من حيث المبدأ، إعادة بنائه إذا توفر التمويل والاستقرار والبنية التحتية. أما المصنع الذي أعاد صاحبه تأسيس نشاطه في دولة أخرى، فقد أصبح جزءًا من اقتصاد جديد؛ لديه عمال جدد وموردون جدد وحسابات مصرفية وعلاقات تجارية وسوق يستطيع الوصول إليه. وعندها لا تصبح العودة نتيجة تلقائية لانتهاء الحرب، بل قرارًا استثماريًا يحتاج السودان إلى أن يجعل كلفته ومخاطره أقل من كلفة البقاء في الخارج.
وهنا نعود إلى مصنع «ساميل» الذي بدأنا منه.
المصنع الذي احترق في الخرطوم لم تكن تلك نهاية قصته. الشركة نجت، والمنتج عاد إلى خطوط الإنتاج، والاستثمار أعيد بناؤه. لكن الماكينات لم تعد إلى المكان الذي خرجت منه.
بعد ثلاث سنوات، كانت تدور خارج السودان.
وهذه ليست قصة «ساميل» وحدها. فخلال رحلة البحث عن المصانع التي غابت عن الخرطوم، ظهرت شركات سودانية أعادت تأسيس أعمالها في مصر، وأخرى نقلت عمليات تصنيع إلى الخارج، ورؤوس أموال وجدت في أسواق إقليمية بيئة أكثر قدرة على استقبالها. وفي بعض الحالات أصبحت منتجات تصنع خارج السودان تعود إليه مرة أخرى عبر الاستيراد.
هناك تحديدًا تبدأ الحلقة الثانية من هذا التحقيق.
سنغادر في الحلقة القادمة المصانع المتوقفة في الخرطوم لنتتبع الماكينات ورأس المال وأصحاب الشركات عبر الحدود، بدءًا من رحلة «ساميل» من الخرطوم إلى السويس، مرورًا بالاستثمارات السودانية التي استقرت في مصر، ووصولًا إلى الدور المختلف الذي لعبته الإمارات وشرق أفريقيا.
والسؤال لن يكون فقط: أين ذهب رأس المال السوداني؟
بل السؤال الأصعب اقتصاديًا: إذا وجد المصنع السوداني مكانًا آخر يستطيع فيه الإنتاج، فما الذي سيجعله يعود؟
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات