محررو لقطة AI – 3
30 سبتمبر 2026
رفعت الولايات المتحدة مستوى ضغوطها الدبلوماسية على طرفي الحرب في السودان، في محاولة لدفع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع نحو هدنة إنسانية غير مشروطة، لكن خبراء ودبلوماسيين سابقين يرون أن العقوبات والضغوط السياسية وحدها قد لا تكون كافية لإيقاف حرب دخلت عامها الرابع، في ظل استمرار الرهان على الحسم العسكري وتداخل مصالح قوى خارجية في الصراع.
وتدفع واشنطن حاليًا باتجاه هدنة إنسانية، بالتوازي مع تحركات لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله، مع التلويح باستخدام عقوبات إضافية ضد الجهات التي تعرقل جهود وقف القتال. وقال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس إن لدى الولايات المتحدة «عددًا من الأدوات» التي يمكن استخدامها، تشمل العقوبات والعمل على توسيع حظر السلاح.
غير أن النقاش حول فاعلية هذه الأدوات يتجاوز حجم الضغط الأميركي نفسه إلى السؤال عن قدرة واشنطن على تغيير حسابات الطرفين في الميدان.
وقالت سوزان بيغ، نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركية السابقة، إن عودة الولايات المتحدة إلى الانخراط بصورة أكبر في الملف السوداني تمثل تطورًا مهمًا، لكنها اعتبرت أن الاكتفاء بالتهديد والعقوبات دون تقديم حوافز يجعل فرص قبول الطرفين بالهدنة محدودة، خصوصًا في ظل اعتقاد كل طرف بأنه لا يزال قادرًا على تحسين موقعه عسكريًا.
ويتقاطع ذلك جزئيًا مع تصريحات حديثة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أقر بصعوبة إحراز تقدم في جهود وقف الحرب. وقال إن محاولات سابقة توصلت إلى تفاهمات والتزامات لم تُنفذ، مشيرًا إلى أن أحد الطرفين يتراجع في كل مرة يعتقد فيها أنه قادر على تحقيق مكاسب إضافية في ساحة القتال.
ووضع روبيو عاملًا آخر في قلب الأزمة، هو الدور الخارجي. وقال إن استمرار الحرب مرتبط بمشاركة أطراف خارجية تدعم هذا الطرف أو ذاك، وإن تحقيق تقدم سيظل صعبًا ما لم تستخدم تلك الدول نفوذها للضغط على الجهات التي تدعمها للالتزام بالتفاهمات.
وفي المقابل، تختلف قراءة الأطراف السودانية للضغوط الأميركية. فقد اعتبر القائد السابق للبحرية السودانية فتح الرحمن محي الدين أن الدعوة الأميركية إلى الهدنة تأتي في وقت يعتقد فيه الجيش أنه يحقق مكاسب ميدانية، واتهم واشنطن بالانحياز إلى قوات الدعم السريع. وهذه رؤية عبّر عنها محي الدين وليست تقييمًا مستقلاً لمسار العمليات العسكرية.
وعلى الجانب الآخر، قال رئيس تحرير صحيفة «الوسط» فتحي أبو عمار إن السلام لا ينبغي أن يُبنى على حسابات المكاسب العسكرية، وإن الوصول إلى تسوية يتطلب التعامل مع الواقع السياسي ووجود ضمانات لتنفيذ أي هدنة. كما رفض الرواية التي تقول إن أحد الطرفين بات قريبًا من حسم الحرب عسكريًا.
وتكشف هذه المواقف حجم المعضلة التي تواجه التحرك الأميركي: فكلما اعتقد أحد طرفي الحرب أن الوقت يعمل لمصلحته، تراجعت دوافعه لقبول وقف القتال، بينما يصبح الضغط الخارجي أقل تأثيرًا إذا استمرت شبكات التمويل والسلاح والدعم السياسي القادمة من خارج السودان.
وكان الباحث الأميركي كاميرون هدسون، المسؤول السابق في البيت الأبيض والمتخصص في الشأن السوداني، قد انتقد هو الآخر اعتماد واشنطن المتكرر على الضغوط والعقوبات، معتبرًا أن الولايات المتحدة لم تختبر بصورة كافية سياسة تقديم الحوافز التي تجعل كلفة استمرار الحرب أكبر من مكاسب الدخول في عملية سلام. ويظل هذا تقييمًا تحليليًا له، لا موقفًا رسميًا للإدارة الأميركية.
ولا يعني ذلك أن العقوبات أو حظر السلاح بلا تأثير. فتقييد التمويل وحركة الأسلحة يمكن أن يرفع تكلفة استمرار العمليات العسكرية، لكن فاعلية هذه الإجراءات تعتمد بدرجة كبيرة على تنفيذها وعلى تعاون الدول التي تمر عبرها شبكات التمويل والتجارة والإمداد.
وهنا تبرز أهمية حديث روبيو عن الأطراف الخارجية؛ فالحرب السودانية لم تعد مرتبطة فقط بقرار الجيش والدعم السريع داخل البلاد، وإنما بشبكات مصالح ودعم إقليمية تساعد على استمرار القدرة العسكرية للطرفين. ولذلك ترى بيغ أن الضغط على الجهات الخارجية وحثها على استخدام نفوذها قد يكون ضروريًا لإنجاح أي هدنة.
وبين العقوبات الأميركية، ومحاولة توسيع حظر السلاح، والتحركات الدبلوماسية المتسارعة، لا توجد حتى الآن هدنة متفق عليها تنهي القتال. ويبقى الاختبار الحقيقي لسياسة واشنطن في قدرتها على تحويل الضغط من رسائل سياسية إلى تفاهم قابل للتنفيذ، تتوافر له آليات مراقبة وضمانات والتزام من طرفي الحرب ومن القوى الخارجية المؤثرة فيهما.
فالحرب التي استعصت على سلسلة طويلة من جولات التفاوض لا تبدو قابلة للتوقف بقرار خارجي واحد. وقد تكون الضغوط جزءًا من الطريق، لكن التطورات الحالية تشير إلى أن وقف القتال سيحتاج أيضًا إلى تغيير حسابات الأطراف التي ما زالت ترى في الميدان فرصة لتحقيق ما لم تحققه طاولة التفاوض.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات