محررو لقطة AI – 7
7 أكتوبر 2026
فتحت أربع وعشرون شركة سودانية تعمل في استيراد وتوزيع المنتجات البترولية واحدًا من أكثر ملفات الاقتصاد السوداني حساسية، بعدما رفعت مذكرة إلى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تطالب فيها بإعادة النظر بصورة عاجلة في القواعد المنظمة لاستيراد وتمويل الوقود، وإنهاء ما تصفه بقصر عمليات الاستيراد على عدد محدود من الشركات. وتأتي الخطوة في وقت يعاني فيه السودان اضطرابًا متكررًا في إمدادات المحروقات، بينما أدى توقف مصفاة الخرطوم خلال الحرب إلى زيادة اعتماد البلاد على الوقود المستورد وتحويل أي خلل في الاستيراد والتمويل إلى ضغط مباشر على النقل والإنتاج والأسعار.
القضية التي طرحتها الشركات تتجاوز مطالب قطاعية تتعلق بمن يحق له استيراد البنزين والجازولين. فالمذكرة تضع أمام السلطات سؤالًا أكبر يتعلق بالطريقة التي تدار بها سوق الوقود في اقتصاد أنهكته الحرب وفقد جانبًا كبيرًا من قدراته الإنتاجية، وأصبح الحصول على النقد الأجنبي فيه أكثر صعوبة. وبحسب الشركات، فإن القيود الحالية أضعفت المنافسة وأثرت في انتظام الإمدادات، بينما يمكن أن تنتقل التكلفة الناتجة عن ذلك إلى قطاعات الزراعة والتعدين والصناعة والنقل، ومنها في النهاية إلى المستهلك.
أكثر ما أثار الانتباه في المذكرة هو حديث الشركات عن وصول هامش الربح في بعض شحنات الوقود إلى نحو 7 ملايين دولار للشحنة الواحدة. وهذا الرقم يحتاج إلى قدر كبير من الدقة عند التعامل معه؛ فهو تقدير قدمته الشركات الموقعة على المذكرة، ولم تنشر الحكومة أو بنك السودان المركزي حتى الآن حسابات مستقلة تؤكده، كما لم تتوفر بيانات تفصيلية معلنة عن قيمة الشحنة وتكلفة شرائها ونقلها وتأمينها ورسومها وهوامش الربح في مختلف مراحل التوزيع. ولذلك فإن أهمية الرقم لا تكمن في التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة، وإنما في أنه يفتح الباب أمام مطالبة مشروعة بكشف حساب اقتصادي واضح لسوق تمس حياة السودانيين بصورة مباشرة.
وتربط الشركات بين ارتفاع هوامش الربح التي تتحدث عنها وبين عاملين أساسيين: محدودية عدد الجهات القادرة على الاستيراد، والفارق الكبير في سعر النقد الأجنبي. ووفق الأرقام الواردة في المذكرة، يبلغ سعر الدولار المستخدم في بعض ترتيبات الاستيراد نحو 5,500 جنيه، مقابل نحو 8,300 جنيه في السوق الموازية. وهذه أيضًا أرقام قدمتها الشركات وينبغي قراءتها في إطار المذكرة نفسها، لكنها تكشف حجم المشكلة التي يمكن أن تنشأ عندما يعمل مستوردو سلعة استراتيجية في سوق تتعدد فيها أسعار الصرف وتصبح القدرة على الوصول إلى النقد الأجنبي جزءًا من تحديد تكلفة السلعة وربحية التجارة فيها.
وتزداد أهمية هذا الملف بسبب التحول الكبير الذي أصاب قطاع الطاقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فمصفاة الخرطوم، التي كانت توفر وفق بيانات أوردتها سودان تربيون نحو 70% من احتياجات السودان من الوقود، خرجت من الخدمة، ما أدى إلى اتساع الاعتماد على الاستيراد. وفي اقتصاد طبيعي يمكن تعويض توقف الإنتاج المحلي بزيادة الواردات، لكن الوضع السوداني مختلف؛ فالاستيراد يحتاج إلى عملات أجنبية نادرة، ونظام مصرفي يعمل تحت ضغوط الحرب، وموانئ ونقل وتخزين وتمويل وتأمين، فضلًا عن قدرة الشركات على تحمل تقلبات سعر الصرف.
ولهذا فإن الأزمة لا يمكن اختزالها في اتهام شركة أو مجموعة شركات بتحقيق أرباح كبيرة. السؤال الأهم هو ما إذا كانت القواعد الحالية تسمح أصلًا بوجود منافسة كافية تمنع تكون أسعار وهوامش ربح غير طبيعية. وإذا كان عدد محدود من الشركات فقط قادرًا على الاستيراد، فإن الحكومة مطالبة بتوضيح أسباب ذلك والمعايير المستخدمة لاختيار المستوردين، وكيفية الحصول على النقد الأجنبي، وآلية تحديد حصص التوزيع، وما إذا كانت هناك رقابة فعلية على التكلفة من لحظة شراء الشحنة وحتى وصول الوقود إلى المستهلك.
ويظهر عامل آخر في قلب الخلاف، يتعلق بالضمانات التي فرضها بنك السودان المركزي على مستوردي المحروقات. ففي منتصف يونيو، ألزم البنك المستورد بإيداع 200 غرام من الذهب عن كل شحنة، في إجراء استهدف بحسب ما أُعلن الحد من التلاعب في عمليات الاستيراد والمحافظة على موارد النقد الأجنبي. لكن الشركات ترى أن الضمان بصورته الحالية يزيد الأعباء المالية ويحد من قدرة عدد أكبر من الشركات على دخول السوق، ولذلك تقترح استبداله بضمانات مالية أكثر مرونة من دون إلغاء الرقابة على الاستيراد.
وهنا تظهر معادلة تحتاج إلى معالجة دقيقة. فتح السوق بلا رقابة يمكن أن يسمح بالمضاربة وسوء استخدام النقد الأجنبي، بينما فرض شروط شديدة لا يستطيع الوفاء بها إلا عدد محدود من الشركات قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تقليص المنافسة وترك سوق استراتيجية تحت سيطرة عدد قليل من المستوردين. ومن ثم فإن القضية ليست الاختيار بين الرقابة والمنافسة، وإنما بناء نظام يحقق الاثنين معًا: رقابة تمنع التلاعب، ومنافسة تمنع الاحتكار.
وتقترح الشركات الموقعة على المذكرة فتح الاستيراد أمام جميع الشركات الوطنية المؤهلة وفق معايير معلنة، والسماح لها باستخدام مواردها الذاتية في تمويل المشتريات بما يقلل الضغط على احتياطيات البنك المركزي، إلى جانب وضع آلية شفافة لتوزيع حصص الوقود على الموزعين. كما طالبت بتشكيل لجنة مشتركة تضم بنك السودان والوزارات المختصة وممثلي القطاع لوضع توصيات خلال فترة زمنية محددة. ومن بين الشركات التي أوردتها سودان تربيون ضمن الموقعين ليبيا أويل، وأويل إنرجي، وقابكو السودان، والنهلة للبترول، وسوداغاز، وبترو لاين إنترناشونال، ويونايتد بتروليوم، إلى جانب شركات أخرى.
لكن اختبار أي إصلاح لن يكون في عدد الشركات التي يسمح لها بالاستيراد بقدر ما سيكون في أثره على توفر الوقود وسعره. فالاقتصاد السوداني لا يتحمل أن تتحول معالجة أزمة الاحتكار إلى فوضى استيراد، كما لا يحتمل استمرار نظام يؤدي إلى نقص الإمدادات أو ارتفاع غير مبرر في التكلفة. ولذلك تصبح الشفافية هنا شرطًا اقتصاديًا وليست مجرد مطلب إداري: نشر قواعد منح تراخيص الاستيراد، وتوضيح سعر الصرف المستخدم، وكلفة التمويل والنقل والتأمين والرسوم، وآلية توزيع الكميات، كلها بيانات تسمح للسوق والرأي العام بمعرفة أين تتكون التكلفة الحقيقية.
ويكتسب الملف حساسية إضافية لأن أزمة الوقود لا تتوقف عند محطة الخدمة. ارتفاع سعر الجازولين يرفع تكلفة تشغيل الآليات الزراعية ونقل المحاصيل، ويزيد نفقات التعدين والمصانع والمولدات الكهربائية والشاحنات والحافلات. وفي بلد تضررت فيه شبكات الكهرباء والطرق والإنتاج بسبب الحرب، يمكن لأي زيادة كبيرة في تكلفة الطاقة أن تنتقل بسرعة إلى أسعار الغذاء والنقل والسلع والخدمات. ولهذا حذرت الشركات في مذكرتها من أن استمرار الأوضاع الحالية يمكن أن يضغط على الإنتاج المحلي والصادرات، وبالتالي يقلل قدرة البلاد على توليد النقد الأجنبي الذي تحتاج إليه أصلًا لاستيراد الوقود والسلع الأساسية.
المفارقة أن السودان يواجه هذه الأزمة في وقت أصبحت فيه سوق الطاقة العالمية نفسها أكثر تكلفة وهشاشة. فقد تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في تعاملات الأربعاء، وسط اضطرابات في الإمدادات وتراجع المخزونات العالمية ومخاطر أمنية في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن إصلاح السوق الداخلية لن يعزل السودان عن ارتفاع الأسعار العالمية، لكنه يمكن أن يحدد مقدار التكلفة الإضافية التي يدفعها الاقتصاد بسبب الاختلالات المحلية فوق السعر العالمي للنفط.
من هنا، فإن أخطر ما في مذكرة الشركات الأربع والعشرين ليس رقم السبعة ملايين دولار وحده، على ضخامته. الأخطر هو أن قطاعًا حيويًا يقول للسلطات إن الطريقة الحالية لإدارة الاستيراد قد لا توفر منافسة كافية، بينما يواجه المواطن نقصًا في الوقود وارتفاعًا في الأسعار وتراجعًا في قيمة الجنيه. وإذا كانت تقديرات الشركات صحيحة، فإن المطلوب تحقيق مالي وتنظيمي يوضح كيف تتكون تلك الهوامش. وإذا كانت غير صحيحة، فمن مصلحة الحكومة والسوق نشر الأرقام التي تدحضها بدل تركها تتحول إلى حقيقة متداولة بلا تدقيق.
في النهاية، السؤال الذي فتحته المذكرة أبعد من معرفة من يربح من كل شحنة. المطلوب معرفة كيف يُسعّر الوقود في السودان، ومن يحصل على حق استيراده، وبأي سعر يحصل على الدولار، وما التكلفة الحقيقية منذ شراء الشحنة وحتى وصول اللتر إلى محطة الخدمة. الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المشكلة أزمة إمداد فرضتها الحرب، أم خللًا في إدارة السوق، أم مزيجًا من الاثنين.
أما المواطن، فهو الحلقة التي تنتهي عندها جميع هذه الحسابات. فعندما ترتفع تكلفة الاستيراد أو التمويل أو النقل، لا تبقى الزيادة داخل دفاتر شركات البترول؛ بل تنتقل إلى أجرة المواصلات وسعر المحصول وتكلفة تشغيل المصنع والمولد، ثم تظهر في فاتورة المعيشة اليومية. ولذلك فإن فتح ملف السبعة ملايين دولار ليس نزاعًا تجاريًا بين مستوردين، وإنما اختبار لمدى قدرة الدولة على إدارة واحدة من أهم السلع الاستراتيجية بشفافية ومنافسة ورقابة في اقتصاد الحرب.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات