محررو لقطة AI – 13
8 أكتوبر 2026
لم تعد أزمة الدواء في السودان مقتصرة على ارتفاع الأسعار أو اختفاء بعض الأصناف من الصيدليات، بل امتدت المخاوف إلى سلامة الأدوية المتداولة وقدرتها على أداء وظيفتها العلاجية، بعدما كشفت مصادر طبية في مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، عن وفيات بين مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم خلال سبتمبر ومطلع أكتوبر، وسط اتهامات بضعف فعالية بعض الأدوية، خصوصًا الأنسولين، نتيجة ظروف النقل والتخزين وغياب الرقابة الدوائية.
ونقل موقع «دارفور24»، الأربعاء 7 أكتوبر، عن مصدرين طبيين أن ما بين سبعة وثمانية مرضى بالسكري توفوا خلال سبتمبر، وأن ضعف فعالية الأدوية المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة ربما أسهم في تلك الوفيات. كما تحدثت المصادر عن تسجيل وفيات بين مرضى ارتفاع ضغط الدم، دون تقديم حصيلة محددة.
لكن هذه المعلومات تظل شهادات طبية أولية، وليست نتائج تحقيق سريري أو مخبري يثبت وجود علاقة سببية بين دواء بعينه والوفيات المسجلة. وقد أوضح الموقع أنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من عدد الوفيات أو أسبابها أو مدى مطابقة الأدوية المتداولة للمواصفات الصحية.
ورغم هذا التحفظ الضروري، فإن خطورة المعلومات تكمن في طبيعة المشكلة التي تشير إليها. فالمريض الذي يحصل على دواء من الصيدلية يفترض أنه يتلقى مستحضرًا آمنًا وفعالًا، لكن انهيار سلسلة الرقابة والتخزين قد يجعل هذا الافتراض غير مضمون، خصوصًا في المناطق التي تعطلت فيها مؤسسات الدولة وتضررت فيها شبكات الكهرباء والإمداد.
الأنسولين بين انقطاع الكهرباء وغياب الرقابة
أرجعت المصادر الطبية التي تحدثت إلى «دارفور24» مشكلات فعالية بعض الأدوية إلى الظروف التي تُنقل وتُخزن فيها، خاصة المستحضرات التي تحتاج إلى درجات حرارة محددة. وأشار مصدر بوزارة الصحة في جنوب دارفور إلى تداول أصناف دوائية لا تتطابق، بحسب تقديره، مع المواصفات السودانية، وإلى دخول أدوية من دول الجوار دون المرور بإجراءات التسجيل والرقابة المعتادة.
ويكتسب هذا الاتهام أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالأنسولين، الذي يعتمد عليه مرضى السكري من النوع الأول بصورة أساسية، ويحتاج إليه أيضًا بعض مرضى النوع الثاني.
فالأنسولين مستحضر حساس لظروف التخزين، وقد تؤدي درجات الحرارة غير الملائمة أو التعرض للحرارة المرتفعة إلى تراجع فعاليته، حتى عندما يكون تاريخ الصلاحية المطبوع على العبوة لم ينتهِ.
ولا تعني هذه الحساسية أن جميع عبوات الأنسولين تحتاج إلى التبريد المستمر بعد بدء الاستخدام؛ إذ تختلف تعليمات التخزين باختلاف المستحضر والشركة المصنعة. لكن العبوات غير المستخدمة تحتاج عادةً إلى سلسلة تبريد مناسبة، ويجب الالتزام بالتعليمات المحددة لكل منتج.
وفي مدينة تعاني اضطراب الكهرباء وارتفاع تكاليف الوقود وصعوبة النقل، تصبح المحافظة على هذه الشروط تحديًا حقيقيًا.
وقد يصل الدواء إلى المريض بعد مروره بعدة مراحل من النقل والتخزين لا تتوافر معلومات موثوقة عن ظروفها. وفي غياب الرقابة الفعالة، يصعب التأكد من تعرض العبوات للحرارة أو من سلامة سلسلة الإمداد.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة احتمالات مختلفة: دواء أصلي تراجعت فعاليته بسبب سوء التخزين، ودواء دون المستوى المطلوب في تصنيعه، ومستحضر مزور أو مجهول المصدر. ولكل حالة أسبابها ومسؤولياتها وإجراءات التحقيق الخاصة بها.
ولا تسمح الشهادات المنشورة من نيالا حتى الآن بتحديد أي من هذه الاحتمالات كان وراء الحالات المبلغ عنها.
لماذا يصبح ضعف فعالية الدواء خطرًا قاتلًا؟
بالنسبة إلى مرضى السكري الذين يعتمدون على الأنسولين، فإن عدم الحصول على جرعات فعالة قد يؤدي إلى ارتفاع خطير في مستوى السكر بالدم، وقد يتطور في بعض الحالات إلى الحماض الكيتوني السكري، وهي حالة طبية طارئة يمكن أن تهدد الحياة إذا لم تُعالج سريعًا.
لكن ارتفاع السكر لدى مريض يستخدم الأنسولين لا يثبت وحده أن الدواء تالف. فقد ينتج أيضًا عن عدوى، أو جرعات غير كافية، أو عدم انتظام العلاج، أو مشكلات في الحقن، أو تغير احتياجات الجسم للأنسولين.
ولهذا فإن إثبات أن دواءً ضعيف الفعالية تسبب في وفاة مريض يحتاج إلى مراجعة السجل الطبي ونتائج الفحوص ونوع المستحضر والجرعات وظروف حفظه، إلى جانب فحص عينات من العبوات المستخدمة عند توافرها.
وهذه الإجراءات لا تهدف إلى حماية الشركات أو الصيدليات من الاتهام، وإنما إلى تحديد السبب الحقيقي ومنع تكرار الضرر.
فإذا ثبت وجود دفعات دوائية غير مطابقة للمواصفات، يصبح من الضروري تتبعها وسحبها من التداول وإبلاغ المرضى والمرافق الصحية بها.
أما إذا كان السبب الرئيسي هو انقطاع العلاج أو عدم انتظام الجرعات نتيجة الغلاء والندرة، فإن التدخل المطلوب سيكون مختلفًا، ويركز على توفير الدواء وضمان وصوله بصورة مستمرة.
أزمة نيالا ليست معزولة عن السودان
تأتي الشكاوى الجديدة بعد أشهر من تقارير كشفت صعوبات واسعة يواجهها مرضى السكري في الحصول على الأنسولين والمحافظة على سلامته.
وفي تحقيق نشرته الجزيرة خلال يونيو 2026، تحدث مرضى سودانيون عن اضطرارهم إلى شراء الأنسولين وسط مخاوف من تلفه نتيجة سوء التخزين، حتى عندما تكون العبوات ضمن فترة صلاحيتها.
كما وثق التحقيق توسع الاعتماد على الأدوية التي تصل عبر قنوات غير رسمية، في ظل تضرر المصانع المحلية وتعطل الإمدادات النظامية.
وتدعم دراسة علمية أجريت على 350 مريضًا بالسكري في سبعة مستشفيات ومراكز سودانية خلال عام 2024 خطورة هذه الظروف.
فقد أفاد نحو 60% من المشاركين بأنهم واجهوا صعوبات في الحصول على أدويتهم، بينما ذكر 69.1% من مستخدمي الأنسولين المشاركين أنهم عانوا مشكلات في تخزينه بسبب انقطاع الكهرباء.
كما اضطر أكثر من نصف المرضى الذين واجهوا صعوبات في الوصول إلى الدواء إلى إيقاف علاجهم مؤقتًا. وهذه نتائج تخص عينة الدراسة، ولا يجوز تعميم نسبها تلقائيًا على جميع مرضى السكري في السودان.
وتكشف هذه المعطيات أن المشكلة ليست حادثة طارئة ظهرت في نيالا خلال الأسابيع الأخيرة، وإنما امتداد لأزمة بنيوية أصابت إنتاج الدواء واستيراده ونقله وتخزينه ومراقبة جودته منذ اندلاع الحرب.
من يتحمل مسؤولية الدواء المتداول؟
لا يمكن معالجة أزمة نيالا باعتبارها مشكلة صيدليات منفردة فقط. فسلامة الدواء مسؤولية تبدأ من جهة الاستيراد أو التصنيع، وتمر عبر النقل والتخزين والتوزيع، وتنتهي عند الصيدلية والمريض.
وإذا تعطلت إحدى هذه الحلقات، فإن الدواء قد يصل إلى المريض دون ضمانات كافية لجودته. ويزداد الخطر عندما تدخل المستحضرات عبر طرق غير رسمية لا تسمح بتتبع مصدرها أو ظروف نقلها.
وتشير المعلومات الواردة من نيالا إلى تراجع دور الرقابة الدوائية، لكن تحديد حجم هذا التراجع ومسؤولية الجهات المختلفة يحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل، يشمل المستوردين والموزعين والصيدليات والسلطات الصحية القائمة في المنطقة.
ويجب أن يبدأ التحقيق بحصر الوفيات المبلغ عنها، ومراجعة الملفات الطبية، وجمع عينات من الأدوية المشتبه بها لفحصها في مختبرات معتمدة، مع توثيق أرقام التشغيلات ومصادر التوريد وظروف التخزين.
كما ينبغي نشر نتائج الفحوص وإصدار تحذيرات واضحة إذا ثبت تداول مستحضرات غير مطابقة للمواصفات، بدل الاكتفاء بتحذيرات عامة قد تدفع المرضى إلى التوقف عن تناول أدويتهم الضرورية.
الغلاء يدفع المرضى نحو خيارات أكثر خطورة
يتزامن الحديث عن ضعف فعالية الأدوية في نيالا مع أزمة اقتصادية تضغط على سوق الدواء في أنحاء السودان.
فقد كشف تقرير نشرته الجزيرة في 3 أكتوبر أن تراجع الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج أديا إلى اضطراب التسعير وتوقف بعض الشركات عن البيع مؤقتًا، بينما حذر مسؤول بوزارة الصحة من تأثير ارتفاع الأسعار في مرضى الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.
وتنشأ هنا دائرة خطيرة: يرتفع سعر الدواء النظامي، فيبحث المريض عن بديل أقل تكلفة، وقد يجد نفسه أمام مستحضر مجهول المصدر أو غير مضمون التخزين. وإذا لم تتحسن حالته، فقد يحتاج إلى دخول المستشفى، ما يضيف أعباء مالية وصحية جديدة على أسرته.
لكن ليس كل دواء مستورد من دولة مجاورة غير فعال، وليس كل دواء منخفض السعر مزورًا. فالمعيار الحقيقي هو التسجيل والجودة وسلامة سلسلة الإمداد، وليس بلد المنشأ وحده.
المطلوب حماية المرضى قبل اتساع الخسائر
تستدعي المعلومات الواردة من نيالا استجابة صحية عاجلة، لا سيما أن مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم يحتاجون إلى أدوية منتظمة، وقد يؤدي انقطاعها أو ضعف فعاليتها إلى مضاعفات خطيرة.
ومن الضروري توفير وسائل آمنة لتخزين الأنسولين، وتعزيز الفحوص الدوائية، وإتاحة قنوات للإبلاغ عن المستحضرات المشتبه بها، مع ضمان استمرار حصول المرضى على العلاج الموثوق.
وينبغي كذلك توعية المرضى بعدم تعديل جرعات الأنسولين أو إيقاف العلاج من تلقاء أنفسهم لمجرد الشك في فعالية العبوة. فإذا استمر ارتفاع السكر رغم الالتزام بالعلاج، أو ظهرت أعراض خطيرة مثل القيء أو اضطراب التنفس أو التشوش، فإن الحالة تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
أما على المستوى الوطني، فإن الأزمة تكشف الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الرقابة الدوائية بوصفها جزءًا من الاستجابة الإنسانية للحرب، وليس ملفًا إداريًا يمكن تأجيله إلى ما بعد توقف القتال.
فالمريض الذي ينجو من القصف والجوع والنزوح لا ينبغي أن يفقد حياته بسبب غياب علاج موثوق لمرض مزمن يمكن السيطرة عليه.
وستكون الخطوة الأهم خلال الأيام المقبلة معرفة ما إذا كانت السلطات الصحية في جنوب دارفور ستفتح تحقيقًا في الوفيات المبلغ عنها، وما إذا كانت ستصدر نتائج فحوص للأدوية المتداولة أو إجراءات محددة لضبط التخزين والتوزيع.
إن أخطر ما تكشفه أزمة نيالا ليس مجرد احتمال وجود دواء ضعيف الفعالية، بل احتمال أن يصبح الحصول على العلاج نفسه مغامرة لا يعرف المريض نتائجها. وفي بلد مزقته الحرب، تصبح حماية سلامة الدواء جزءًا من حماية الحق في الحياة.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات