كيف تقود الحرب إلى تفكيك سلاسل الإمداد وارتفاع معدلات سوء التغذية؟
بقلم: سارة الملك
www.lagtaai.com
6 يوليو 2026
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، انشغل الرأي العام المحلي والدولي بمتابعة التطورات العسكرية والتحركات السياسية ومسارات التفاوض المتعثرة، غير أن أزمة أخرى كانت تتسع بصمت بعيداً عن خطوط المواجهة. إنها أزمة الأمن الغذائي التي تحولت تدريجياً من تحدٍ إنساني إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي والصحي والاقتصادي في البلاد.
فالحروب لا تقتصر آثارها على الدمار المباشر والخسائر البشرية، بل تمتد إلى القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية. وفي السودان، يبدو قطاع الغذاء من أكثر القطاعات تأثراً بالنزاع المستمر، نتيجة تعطل الإنتاج الزراعي، وانهيار أجزاء واسعة من سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وتراجع القدرة الشرائية لملايين الأسر.
وتشير تقديرات المنظمات الإنسانية الدولية إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم، حيث بات ملايين الأشخاص يواجهون مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تقترب بعض المناطق من أوضاع توصف بأنها حرجة نتيجة استمرار الحرب وتراجع فرص الوصول المنتظم إلى الغذاء.
الأمن الغذائي.. منظومة متكاملة
لا يقتصر مفهوم الأمن الغذائي على وجود الطعام في الأسواق فحسب، بل يشمل قدرة الأفراد على الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ بصورة مستمرة. ويتطلب ذلك وجود منظومة مترابطة تبدأ بالإنتاج الزراعي والحيواني، مروراً بالتخزين والنقل والتوزيع، وصولاً إلى المستهلك النهائي.
لكن ما حدث في السودان خلال السنوات الأخيرة هو تعرض معظم حلقات هذه المنظومة لضغوط متزامنة. فالحرب لم تؤثر على الإنتاج فقط، ولم تعطل النقل وحده، بل أصابت مختلف عناصر سلسلة الغذاء في وقت واحد، وهو ما ضاعف من حجم الأزمة.
الزراعة في مواجهة الحرب
يعتمد السودان تاريخياً على قطاع زراعي واسع يشكل أحد أهم مصادر الغذاء والدخل لملايين المواطنين. غير أن استمرار النزاع أدى إلى تراجع النشاط الزراعي في عدد من المناطق بسبب عوامل متعددة، من بينها النزوح الواسع للمزارعين، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، ونقص الوقود، وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، وتراجع التمويل.
كما أثرت حالة عدم الاستقرار الأمني على قرارات كثير من المنتجين الزراعيين الذين أصبحوا أكثر تردداً في الاستثمار في مواسم زراعية طويلة الأجل وسط بيئة غير مستقرة.
ويرى مختصون أن أي انخفاض في الإنتاج الزراعي لا ينعكس فقط على المزارعين، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق والمستهلكين وأسعار الغذاء في مختلف أنحاء البلاد.
سلاسل الإمداد.. الحلقة الأكثر هشاشة
تكشف متابعة حركة السلع الغذائية داخل السودان أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في الإنتاج، بل في قدرة المنتجات على الوصول إلى الأسواق.
فالعديد من الطرق الرئيسية التي تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك تأثرت بدرجات متفاوتة نتيجة الأوضاع الأمنية، كما ارتفعت تكاليف النقل بشكل ملحوظ بسبب المخاطر التشغيلية وارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار.
وفي بعض المناطق أصبحت الشاحنات تحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى وجهتها، فيما تعرضت بعض مسارات الإمداد للتعطل أو التغيير، ما أدى إلى زيادة تكلفة السلع الأساسية قبل وصولها إلى المستهلك.
ويؤكد مراقبون اقتصاديون أن اضطراب سلاسل الإمداد يمثل أحد أهم الأسباب وراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال فترة الحرب، حتى في المناطق التي لم تشهد عمليات عسكرية مباشرة.
الأسواق بين الندرة والتضخم
مع تعطل الإمدادات وتراجع الإنتاج المحلي، بدأت الأسواق السودانية تشهد ضغوطاً متزايدة على توفر السلع الأساسية.
وفي العديد من المناطق أصبحت بعض المواد الغذائية تصل بكميات أقل من المعتاد، بينما ارتفعت أسعار سلع أخرى بصورة تفوق قدرة شرائح واسعة من السكان.
وتؤدي هذه المعادلة إلى زيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي، إذ يصبح الغذاء متوفراً نظرياً لكنه خارج القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل.
كما ساهم فقدان الوظائف وتراجع الأنشطة الاقتصادية في تقليص قدرة ملايين السودانيين على مواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
الوقود والطاقة.. عامل خفي في أزمة الغذاء
لا يمكن فهم أزمة الغذاء الحالية بمعزل عن أزمة الطاقة.
فالوقود يشكل عنصراً أساسياً في تشغيل الآليات الزراعية ونقل المحاصيل وتشغيل المطاحن ومرافق التخزين والتبريد.
وعندما ترتفع تكاليف الوقود أو تتعطل إمداداته، تنتقل آثار ذلك مباشرة إلى أسعار الغذاء.
ولهذا يرى خبراء أن جزءاً كبيراً من الضغوط التي تواجه الأسواق الغذائية في السودان يرتبط بشكل مباشر بالأزمات اللوجستية والطاقوية التي رافقت الحرب.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
إذا كانت آثار الأزمة تطال جميع فئات المجتمع، فإن الأطفال يبقون الحلقة الأضعف والأكثر تأثراً.
فالتقارير الإنسانية والصحية تشير إلى تزايد المخاوف من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، خاصة في مناطق النزوح ومناطق النزاع المباشر.
ويؤدي نقص الغذاء أو انخفاض قيمته الغذائية إلى آثار طويلة المدى تشمل ضعف النمو الجسدي والعقلي، وزيادة التعرض للأمراض، وارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بالأمراض القابلة للعلاج.
ويحذر مختصون من أن خسائر سوء التغذية لا تتوقف عند الجيل الحالي، بل قد تؤثر على مستقبل التنمية البشرية في السودان لعقود قادمة.
المساعدات الإنسانية.. بين الضرورة والقيود
رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها المنظمات الإنسانية، إلا أن حجم الاحتياجات المتزايدة يفرض تحديات هائلة على عمليات الإغاثة.
فالوصول إلى بعض المناطق ما يزال يواجه عقبات أمنية ولوجستية، كما أن الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والتمويل المتاح لا تزال واسعة.
وبالتالي فإن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها القصوى، لا تمثل حلاً دائماً للأزمة، بل وسيلة لتخفيف آثارها إلى حين معالجة الأسباب الأساسية المرتبطة بالإنتاج والاستقرار وسلاسل الإمداد.
فهم تداعيات النزاع المستمر وإمكانية رسم مسارات مستقبلية
تكشف أزمة الأمن الغذائي في السودان أن آثار الحرب تتجاوز ساحات القتال لتطال أسس الحياة اليومية للمواطنين. فتعطل الإنتاج الزراعي، وارتفاع تكاليف النقل، وانهيار أجزاء من سلاسل الإمداد، وتراجع القوة الشرائية للأسر، كلها عوامل تتفاعل معاً لتنتج أزمة مركبة لا يمكن معالجتها عبر المساعدات الإنسانية وحدها.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن استمرار النزاع لفترة أطول قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الغذائية في عدد من الولايات، خاصة في المناطق التي تعتمد على تدفقات السلع القادمة من أقاليم أخرى. كما أن تراجع النشاط الزراعي خلال مواسم متتالية قد يخلق تحديات أكبر في المستقبل، تتمثل في انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية.
وفي المقابل، فإن أي تحسن في الوضع الأمني يمكن أن يفتح المجال أمام استعادة جزء من النشاط الاقتصادي والزراعي بصورة تدريجية. فإعادة تأهيل الطرق، وضمان حرية حركة السلع، ودعم المزارعين بالمدخلات الزراعية، وتمويل المشروعات الإنتاجية الصغيرة، كلها خطوات يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل مخاطر الجوع وسوء التغذية.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية تتجاوز الاستجابة الطارئة إلى بناء منظومة غذائية أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية. ويشمل ذلك الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، وتطوير أنظمة التخزين والنقل، وتعزيز الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة الأسواق وسلاسل التوزيع.
خاتمة
تكشف هذه الأزمة أن الأمن الغذائي لم يعد ملفاً إنسانياً منفصلاً عن مسار الحرب، بل أصبح أحد المؤشرات الرئيسية على قدرة الدولة والمجتمع على الصمود. فكل طريق مغلق، وكل موسم زراعي مفقود، وكل شاحنة غذاء متوقفة، ينعكس بصورة مباشرة على حياة ملايين المواطنين.
ومع استمرار النزاع، تتزايد أهمية التعامل مع الأمن الغذائي باعتباره أولوية وطنية واستراتيجية، لا مجرد استجابة طارئة للأزمات. فإعادة بناء السودان مستقبلاً لن تعتمد فقط على وقف إطلاق النار، بل على إعادة تشغيل الحقول والأسواق والطرق وسلاسل الإمداد التي تضمن للمواطن حقه الأساسي في الغذاء والحياة الكريمة.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد




















