محررو لقطة AI – 13
16 سبتمبر 2026
بعد سنوات من التوتر والقطيعة والاتهامات المتبادلة، أرسلت الخرطوم إشارة سياسية لافتة إلى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيقاد»، مطالبة المنظمة الإقليمية بدعم عملية الحوار السوداني–السوداني التي بدأت خطواتها التمهيدية داخل البلاد، مع التشديد في الوقت نفسه على أن العملية يجب أن تمضي من دون تدخل أو إملاءات خارجية.
وجاء الطلب خلال الاجتماع الـ74 لوزراء خارجية دول «إيقاد» في جيبوتي، حيث ترأس وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي معاوية عثمان خالد وفد السودان.
وبحسب وزارة الخارجية السودانية، قال معاوية أمام الاجتماع إن الحوار السوداني–السوداني الذي انطلق يهدف إلى «إيجاد حلول لكافة القضايا»، مطالبًا المنظمة الإقليمية بدعم هذه الجهود.
لكن الأهمية السياسية للخبر تتجاوز العبارة الدبلوماسية.
فالعلاقة بين السودان و«إيقاد» لم تكن طبيعية خلال سنوات الحرب. ومرت بمراحل من التوتر الشديد بسبب الخلاف على كيفية تعامل المنظمة مع الأزمة السودانية وأطرافها.
لذلك فإن ذهاب مسؤول سوداني رفيع إلى اجتماع المنظمة، ثم مطالبتها صراحة بدعم الحوار الداخلي، يشير إلى محاولة لإعادة صياغة العلاقة: الخرطوم لا تريد إبعاد «إيقاد» عن الملف السوداني بالكامل، لكنها تريد تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه.
والصيغة التي طرحتها الخارجية واضحة: الدعم الإقليمي مطلوب، لكن ملكية العملية السياسية ينبغي أن تبقى سودانية.
هذا التوجه يلتقي جزئيًا مع الموقف الذي أعلنته الآلية الخماسية عقب زيارتها الأخيرة إلى الخرطوم.
فالآلية، التي تضم الاتحاد الأفريقي و«إيقاد» والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، قالت إن زيارتها استهدفت ربط اتصالاتها التي تجري خارج السودان بالمبادرات الناشئة داخله، وأكدت دعمها لمسار سياسي «يقوده السودانيون ويملكونه». لكنها شددت أيضًا على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع، وأن أي عملية سياسية مستدامة يجب أن تترافق مع خطوات ملموسة لحماية المدنيين وإنهاء الأعمال العدائية.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الاختلاف المحتملة.
فوكيل الخارجية السودانية قال أمام اجتماع جيبوتي إن الأوضاع داخل البلاد شهدت تحسنًا كبيرًا نتيجة ما وصفه بتقدم الجيش في الميدان، بينما تقول الآلية الخماسية إن التسوية العسكرية ليست طريقًا لإنهاء الأزمة.
بمعنى آخر، يوجد اتفاق على ضرورة الحوار، لكن ليس بالضرورة اتفاق كامل حتى الآن على العلاقة بين الحوار ومسار الحرب.
الحكومة السودانية تريد عملية داخلية تنطلق من الواقع السياسي والعسكري الذي تشكل خلال الحرب، بينما تدفع الآلية الخماسية باتجاه مسار سياسي متزامن مع وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين والانتقال في النهاية إلى حكومة مدنية ديمقراطية.
وفي الداخل، بدأت لجنة تهيئة الحوار بالفعل سلسلة مشاورات مع القوى السياسية والمجتمعية.
وقال المتحدث باسم اللجنة عثمان ميرغني إن المشاورات شملت أحزابًا وتحالفات سياسية وشخصيات مستقلة، إضافة إلى التواصل مع أكثر من مئة مجموعة مجتمعية، مؤكدًا أن اللجنة تعمل وفق مبدأ «لا إقصاء ولا استثناء» خلال مرحلة التهيئة.
واللافت أن اللجنة تقول إن دورها سينتهي عند إطلاق الحوار الفعلي، وإنها لن تحدد أجندته أو المشاركين النهائيين فيه أو النتائج التي ينبغي أن يصل إليها.
كما تقول إن الحكومة وافقت على توفير الاحتياجات المالية واللوجستية للحوار من المال العام، وإن العملية لا تعتمد على تمويل خارجي.
وهذا يجعل طلب دعم «إيقاد» بحاجة إلى قراءة دقيقة.
المقصود، وفق المعطيات المنشورة، ليس طلب تمويل خارجي لإدارة الحوار، وإنما الحصول على إسناد سياسي وإقليمي للعملية السودانية.
وهو فارق مهم؛ لأن واحدة من أكبر مشكلات المبادرات التي حاولت إنهاء الأزمة منذ 2023 كانت تعدد المنابر والوسطاء والمسارات السياسية المتنافسة.
إذا استطاعت الخرطوم إقناع «إيقاد» والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي بالتعامل مع عملية داخلية واحدة، فقد يقل خطر ظهور مسارات متوازية تتنافس على تمثيل الحل السوداني.
لكن العقبة الأكبر لن تكون في الحصول على مباركة المنظمات.
ستكون في من يجلس داخل قاعة الحوار.
فالقول إن العملية «سودانية–سودانية» لا يحسم تلقائيًا الخلاف حول القوى التي يحق لها المشاركة، ولا كيفية تمثيل المدنيين والنساء والشباب والنازحين واللاجئين، ولا وضع القوى السياسية الموجودة خارج السودان، ولا العلاقة بين الحوار السياسي والطرفين العسكريين المتحاربين.
وهذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت العملية شاملة بالفعل أم مجرد إعادة ترتيب لقوى موجودة داخل معسكر سياسي محدد.
وفي خطوة دبلوماسية موازية، سلّم معاوية عثمان خالد الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر قيلي رسالة خطية من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تتعلق بالعلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع في السودان.
الرسالة السياسية الأوسع تبدو واضحة:
الخرطوم تريد إعادة التعامل مع المؤسسات الإقليمية، ولكن وفق معادلة مختلفة — المساعدة من الخارج، والقرار في الداخل.
ويبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المعادلة ستقبل بها القوى السودانية المختلفة والمنظمات الإقليمية والدولية، والأهم: هل يستطيع الحوار أن يقترب من وقف الحرب، أم يصبح مسارًا سياسيًا يسير بالتوازي معها؟
فالسودان لا يعاني اليوم نقصًا في مبادرات الحوار.
ما ينقصه هو حوار يستطيع أن يجعل صوت السياسة أعلى من صوت البندقية.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات