بين فخ التضليل وقبضة الرقابة
محررو لقطة
www.lagtaai.com
9 يوليو 2026
الحقيقة كانت دائماً أول ضحايا الحروب، لكن في العصر الرقمي أصبحت من أكثر ضحاياها استهدافاً.
ففي زمن المنصات المفتوحة والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، لم يعد الصراع يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على ما يراه الناس ويصدقونه ويتداولونه.
وفي السودان، حيث تتداخل المعركة العسكرية مع معركة الروايات المتنافسة، أصبح الصحفي مطالباً بأداء دور يتجاوز نقل الخبر إلى التحقق منه وحمايته من التلاعب قبل أن يصل إلى الجمهور.
المعلومات المضللة.. سلاح الحرب الجديد
خلال السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أهم ساحات الصراع السوداني.
فلم تعد هذه المنصات مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل أصبحت مسرحاً لحرب نفسية وإعلامية متواصلة.
يتم تداول آلاف المنشورات يومياً.
صور قديمة يعاد تقديمها كأحداث جديدة.
مقاطع فيديو خارج سياقها الحقيقي.
حسابات مجهولة تنشر روايات متناقضة.
ومحتوى مصمم خصيصاً للتأثير على الرأي العام أو توجيهه.
وفي ظل هذا التدفق الهائل للمعلومات، أصبح المواطن العادي يواجه صعوبة متزايدة في التمييز بين الحقيقة والدعاية.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج الحرب الرقمية: فقدان اليقين.
فحين يصبح كل شيء قابلاً للتشكيك، تتراجع الثقة في المصادر الإعلامية، ويصبح التضليل أكثر قدرة على التأثير من الحقيقة نفسها.
الصحفي كمحقق رقمي
في الماضي كان التحدي الأساسي أمام الصحفي هو الوصول إلى المعلومة.
أما اليوم فأصبح التحدي هو التحقق منها.
ولهذا لم يعد الصحفي في السودان مجرد ناقل للأحداث، بل تحول إلى ما يشبه المحقق الرقمي.
فكل صورة تحتاج إلى فحص.
وكل فيديو يحتاج إلى التحقق من مكانه وزمانه.
وكل رواية تحتاج إلى مقارنة بمصادر أخرى.
ومع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتلاعب الرقمي، أصبحت عملية التحقق أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
لكن المشكلة أن هذه المهمة تتطلب أدوات تقنية ووقتاً وخبرات لا تتوفر دائماً للصحفيين الذين يعملون وسط ظروف الحرب والانقطاع المتكرر للاتصالات وضعف الموارد.
استمارات التسجيل.. تنظيم أم تقييد؟
بالتوازي مع معركة التضليل، تواجه الصحافة السودانية جدلاً متصاعداً حول الإجراءات التنظيمية الجديدة الخاصة بالمنصات الرقمية.
فالجهات الرسمية تطرح هذه الخطوات باعتبارها وسيلة لتنظيم الفضاء الإعلامي والحد من انتشار المعلومات الكاذبة.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى التسجيل باعتباره إجراءً إدارياً يهدف إلى معرفة الجهات الناشرة للمحتوى وضبط الممارسات الإعلامية.
لكن قطاعاً واسعاً من الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.
فالمخاوف لا تتعلق بالتنظيم نفسه، بل بإمكانية تحوله إلى أداة تحدّ من حرية العمل الإعلامي أو تمنح السلطات قدرة أكبر على مراقبة النشاط الصحفي والرقمي.
ولهذا لم يعد الجدل يدور حول الاستمارة نفسها، بل حول الحدود الفاصلة بين التنظيم المشروع والتقييد غير المبرر لحرية الصحافة.
الصحفي بين المطرقة والسندان
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس التضليل وحده، ولا الرقابة وحدها، بل اجتماع الاثنين معاً.
فالصحفي الذي يحاول الالتزام بالمعايير المهنية يواجه ضغوطاً متعاكسة.
إذا تسرع في النشر، قد يقع ضحية للمعلومات المضللة.
وإذا تمهل للتحقق، قد يخسر السبق الصحفي أمام التدفق السريع للمحتوى الرقمي.
وإذا مارس النقد المهني، قد يتعرض لاتهامات بالانحياز.
وإذا مارس رقابة ذاتية مفرطة، يفقد دوره الأساسي كوسيلة للمساءلة وكشف الحقائق.
وهكذا يصبح الصحفي عالقاً بين الحاجة إلى حماية المهنة والحاجة إلى حماية نفسه.
حرب على الوعي
ما يجري اليوم يتجاوز حدود الإعلام التقليدي.
فالهدف النهائي للحرب السيبرانية ليس السيطرة على الأخبار فقط، بل التأثير على وعي المجتمع نفسه.
فعندما تتكرر المعلومات المضللة بصورة منظمة، وعندما تتراجع الثقة في المصادر المهنية، يصبح المواطن أكثر عرضة للتوجيه والاستقطاب.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لم تعد على الخبر وحده، بل على قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
ما الذي تحتاجه الصحافة السودانية؟
تظهر التجربة الحالية أن حماية الصحافة لا تتعلق فقط بحرية النشر.
بل تحتاج أيضاً إلى:
- بيئة قانونية تحمي الصحفيين.
- مؤسسات مستقلة للتحقق من المعلومات.
- تدريب متقدم في الصحافة الرقمية والتحقق المفتوح المصدر.
- تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور.
- توفير أدوات تقنية تساعد الصحفيين على مواجهة حملات التضليل.
فالحقيقة في زمن الحرب تحتاج إلى حماية لا تقل عن حماية المدنيين أنفسهم.
خاتمة لقطة
تكشف الحرب السودانية أن معركة المعلومات أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع الحديث. وبينما تتزايد قدرة التكنولوجيا على إنتاج المحتوى ونشره بسرعة غير مسبوقة، تصبح الحاجة إلى صحافة مهنية مستقلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فالمجتمعات تستطيع التعافي من الدمار المادي مع مرور الوقت، لكنها تدفع ثمناً أكبر بكثير عندما تُفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والوهم.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















