بقلم: سارة الملك
7 يوليو 2026
شهد مطلع يوليو 2026 تطوراً سياسياً لافتاً في الملف الفلسطيني مع إعلان حركة حماس حل هيكلها الحكومي الذي تولى إدارة قطاع غزة خلال السنوات الماضية، في خطوة اعتبرتها الحركة جزءاً من ترتيبات سياسية وإدارية تستهدف تهيئة الأجواء لمرحلة جديدة من إدارة القطاع.
ورغم أن القرار يبدو إدارياً في ظاهره، إلا أن أبعاده السياسية تتجاوز مسألة إدارة الخدمات اليومية لتلامس واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: من يحكم غزة بعد الحرب؟
خطوة تحمل رسائل متعددة
أعلنت الحركة حل اللجنة الحكومية التي كانت تدير شؤون القطاع، مع انتقال المهام الإدارية والخدمية إلى لجنة وطنية فلسطينية جرى التوافق عليها ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بمستقبل الإدارة المدنية في غزة.
وتقول الحركة إن الهدف من هذه الخطوة هو إزالة إحدى الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار العمليات العسكرية، والمتمثلة في رفض بقاء القطاع تحت إدارة حماس بعد انتهاء الحرب.
ومن هذا المنطلق، تحاول الحركة إرسال رسالة سياسية مفادها أنها لا تتمسك بالسلطة الإدارية بقدر تمسكها بإنهاء الحرب وفتح المجال أمام ترتيبات وطنية أوسع.
هل يتغير المشهد فعلاً؟
على المستوى النظري، تبدو الخطوة مهمة لأنها تعكس استعداداً للتعامل مع أحد أبرز شروط المرحلة المقبلة، وهو إيجاد صيغة إدارة مدنية جديدة للقطاع.
لكن على المستوى العملي، لا تزال هناك أسئلة كبيرة دون إجابات واضحة.
فاللجنة الوطنية التي يُفترض أن تتولى إدارة القطاع لم تبدأ عملها فعلياً على الأرض، كما أن قدرتها على ممارسة مهامها ترتبط بعوامل سياسية وأمنية معقدة، في مقدمتها موافقة إسرائيل على دخول أعضائها إلى غزة وتوفير الظروف اللازمة لعملها.
ولهذا يرى مراقبون أن الإعلان يمثل حتى الآن خطوة سياسية أكثر منه تحولاً إدارياً مكتمل الأركان.
موقف الوسطاء
لقي القرار ترحيباً من بعض الأطراف الإقليمية المنخرطة في جهود الوساطة، خاصة مصر وقطر وتركيا، التي تنظر إلى أي خطوة تسهم في تقريب وجهات النظر الفلسطينية باعتبارها عاملاً مساعداً لإنجاح ترتيبات ما بعد الحرب.
ويرى الوسطاء أن توحيد الإدارة المدنية للقطاع تحت مظلة وطنية قد يسهم في تسهيل تنفيذ أي اتفاقات مستقبلية تتعلق بإعادة الإعمار أو إدارة المساعدات الإنسانية أو تثبيت وقف إطلاق النار.
التشكيك الإسرائيلي
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه التطورات بدرجة كبيرة من الحذر والتشكيك.
فداخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية لا يزال هناك اعتقاد بأن أي تغييرات إدارية لا تعني بالضرورة تراجع نفوذ الحركة أو انتهاء دورها السياسي والعسكري.
ولهذا تستمر الحكومة الإسرائيلية في التركيز على قضايا تعتبرها أساسية، مثل مستقبل السلاح في القطاع والترتيبات الأمنية طويلة المدى، وهي ملفات لم تحسمها هذه الخطوة.
ما وراء القرار
تكشف الخطوة عن إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون شبيهة بما قبلها.
فالحرب أحدثت تغيرات عميقة في البنية السياسية والإدارية والإنسانية داخل القطاع، وأصبح من الصعب تصور العودة إلى الصيغ السابقة دون تعديلات جوهرية.
وفي هذا السياق يمكن قراءة قرار حماس باعتباره محاولة للتكيف مع معادلات جديدة أكثر منه انسحاباً كاملاً من المشهد.
السيناريوهات المحتملة
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تتفرع عن هذه الخطوة:
أولاً: نجاح اللجنة الوطنية في مباشرة مهامها وتوسيع دورها تدريجياً داخل القطاع.
ثانياً: بقاء القرار في إطاره الرمزي بسبب العقبات السياسية والأمنية التي تحول دون تطبيقه عملياً.
ثالثاً: التوصل إلى صيغة أوسع تشمل ترتيبات فلسطينية داخلية جديدة بإشراف إقليمي ودولي.
ويظل تحقق أي من هذه السيناريوهات مرتبطاً بمسار الحرب نفسها وبالتفاهمات التي ستنتج عنها.
الخلاصة
لا يمكن النظر إلى قرار حماس بحل حكومتها في غزة باعتباره مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة سياسية تحمل رسائل موجهة إلى الفلسطينيين وإسرائيل والوسطاء والمجتمع الدولي في آن واحد.
لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بالإعلان عنها، بل بقدرتها على إحداث تغيير فعلي في إدارة القطاع وفتح الطريق أمام ترتيبات أكثر استقراراً في مرحلة ما بعد الحرب.
لقطة …
في الصراعات الكبرى لا تكون القرارات الإدارية معزولة عن الحسابات السياسية. وما جرى في غزة قد يكون بداية لتحول حقيقي في شكل الإدارة الفلسطينية، وقد يكون مجرد محطة جديدة في معركة التفاوض الطويلة. أما الإجابة النهائية، فستكتبها التطورات الميدانية والسياسية خلال الأشهر المقبلة.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















