محررو لقطة
www.lagtaai.com
5 يوليو 2026
تزايد خلال الفترة الأخيرة حضور ملف الإسلاميين السودانيين، المعروفين شعبياً باسم “الكيزان”، في التحليلات والدراسات الأمريكية المتعلقة بالحرب في السودان، خاصة في سياق البحث عن الأسباب العميقة التي ساهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية السياسية.
ورغم تداول عبارات مثل “أسوأ نموذج حكم” في النقاشات الإعلامية والسياسية، فإن الصياغات الأكاديمية والرسمية الأمريكية لا تستخدم غالباً هذا الوصف كعنوان مباشر، لكنها تربط بوضوح بين تجربة حكم الإسلاميين منذ عام 1989 وبين عدد من النتائج التي مهدت للانهيار الحالي، من بينها إضعاف مؤسسات الدولة، وتسييس الأجهزة الأمنية، وتوسيع شبكات الولاء الحزبي داخل الخدمة العامة والاقتصاد.
جوهر القراءة الأمريكية
تركز كثير من الدراسات والتحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية على أن الأزمة السودانية لا يمكن فهمها فقط باعتبارها مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل باعتبارها نتيجة تراكم طويل من الاختلالات المؤسسية التي تعود جذورها إلى فترة حكم نظام الإنقاذ.
وتشير هذه القراءات إلى أن شبكات النظام السابق احتفظت، حتى بعد سقوط عمر البشير في عام 2019، بقدرة على التأثير داخل مؤسسات أمنية وعسكرية ومدنية، ما جعل مسار الانتقال المدني أكثر هشاشة وعرضة للاختراق والتعطيل.
من الحكم إلى الدولة العميقة
تقدم هذه الدراسات الإسلاميين السودانيين بوصفهم شبكة سياسية وتنظيمية متجذرة، لا مجرد حزب خرج من السلطة. فالتأثير الذي راكمته الحركة الإسلامية خلال ثلاثة عقود لم يكن محصوراً في المؤسسات السياسية، بل امتد إلى الإدارة والاقتصاد والإعلام والأمن والعلاقات الخارجية.
وبحسب هذه القراءة، فإن خطورة هذه الشبكات لا تكمن فقط في وجودها التنظيمي، بل في قدرتها على إعادة التموضع داخل الأزمات، واستثمار الفوضى لإعادة بناء نفوذها أو منع تشكل بديل مدني مستقر.
لماذا يثير هذا الملف قلق واشنطن؟
يرتبط القلق الأمريكي بعدة عوامل، أبرزها تاريخ السودان في التسعينيات، عندما أصبح تحت حكم الإسلاميين موضع اتهامات دولية باستضافة شخصيات وجماعات متطرفة، إضافة إلى العقوبات والعزلة التي واجهتها البلاد لاحقاً.
كما تخشى دوائر أمريكية من أن يؤدي استمرار نفوذ هذه الشبكات إلى تقويض أي تسوية سياسية، أو إعادة إنتاج نموذج حكم مغلق يعيد السودان إلى العزلة والصراع الداخلي.
ولهذا السبب، تركز بعض التوصيات الأمريكية على ضرورة تفكيك البنية السياسية والأمنية التي تسمح بعودة النظام السابق أو استمرار تأثيره داخل مؤسسات الدولة.
بين المصطلح الشعبي واللغة البحثية
مصطلح “الكيزان” يظل مصطلحاً شعبياً سودانياً ذا حمولة سياسية واجتماعية واضحة، بينما تستخدم الدراسات الغربية عادة تعبيرات أكثر رسمية مثل “الحركة الإسلامية السودانية”، أو “شبكات النظام السابق”، أو “الإسلاميون داخل مؤسسات الدولة”.
لكن المعنى المقصود في كثير من هذه الأدبيات واحد تقريباً: الحديث عن شبكة سياسية وأمنية واقتصادية تشكلت خلال حكم الإنقاذ، وما زالت تمثل عاملاً مؤثراً في المشهد السوداني الراهن.
هل هناك تقرير رسمي بعنوان “أسوأ نموذج حكم”؟
لا توجد، حتى الآن، إشارة مؤكدة إلى تقرير أمريكي رسمي يحمل هذا العنوان تحديداً. لكن مضمون عدد من الدراسات والتحليلات الأمريكية يذهب في اتجاه اعتبار تجربة حكم الإسلاميين في السودان نموذجاً شديد السلبية من حيث نتائجه على الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
لذلك، فإن الصياغة الأكثر دقة مهنياً ليست القول إن “الكونغرس وصف الكيزان بأسوأ نموذج حكم”، بل القول إن:
“دراسات وتحليلات أمريكية تربط الانهيار السوداني بتجربة حكم الإسلاميين وتغلغل شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة.”
الخلاصة
تكشف القراءة الأمريكية المتزايدة للملف السوداني أن الحرب الحالية لا تُفهم فقط من خلال المعارك الميدانية، بل من خلال البنية السياسية والأمنية التي حكمت السودان لعقود وخلّفت دولة ضعيفة ومؤسسات منقسمة وشبكات نفوذ يصعب تجاوزها.
وبينما تظل الحرب هي العنوان الظاهر للأزمة، ترى هذه الدراسات أن معالجة جذور الانهيار تتطلب تفكيك مراكز النفوذ القديمة، وبناء مؤسسات وطنية لا تخضع لحزب أو تنظيم أو شبكة مصالح مغلقة.
لقطة …
ليست خطورة “الكيزان” في الاسم المتداول شعبياً، بل في النموذج الذي تركته التجربة: دولة مخترقة، ومؤسسات مسيّسة، واقتصاد منهك، وانتقال مدني معطل. ولهذا تعود هذه الشبكات إلى قلب الاهتمام الدولي كلما طُرح سؤال المستقبل في السودان.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















