محررو لقطة
www.lagtaai.com
5 يوليو 2026
في خطوة تحمل أبعاداً قانونية وسياسية تتجاوز حدود دول الساحل الإفريقي، أكدت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تسلمها إخطارات رسمية من كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو للشروع في إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي، المعاهدة المؤسسة للمحكمة.
ويأتي القرار في سياق تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها منطقة الساحل، حيث تتجه الحكومات العسكرية الحاكمة في الدول الثلاث إلى إعادة صياغة علاقاتها مع المؤسسات الدولية التقليدية، ضمن توجه أوسع يركز على ما تصفه هذه الحكومات بـ”استعادة السيادة الوطنية” وتقليص النفوذ الغربي في المنطقة.
ماذا يعني الانسحاب قانونياً؟
وفقاً للمادة (127) من نظام روما الأساسي، فإن الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية لا يصبح نافذاً بمجرد تقديم الإخطار الرسمي، بل يتطلب فترة انتقالية تمتد لمدة عام كامل.
وبالتالي فإن مالي والنيجر وبوركينا فاسو ستظل خاضعة قانونياً لالتزاماتها الحالية تجاه المحكمة طوال هذه الفترة، كما أن الانسحاب لا يلغي المسؤوليات أو الالتزامات القانونية التي نشأت أثناء فترة العضوية.
وتؤكد المحكمة أن أي تحقيقات أو إجراءات قضائية بدأت قبل دخول الانسحاب حيز التنفيذ ستظل قائمة من الناحية القانونية.
أكثر من قرار قانوني
يرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءً قانونياً فقط، بل تمثل جزءاً من إعادة تموضع سياسي واستراتيجي تشهده دول الساحل منذ عدة سنوات.
فالحكومات العسكرية في باماكو ونيامي وواغادوغو تبنت خلال الفترة الماضية سلسلة من القرارات التي عكست رغبة متزايدة في تقليص الاعتماد على المؤسسات الغربية وإعادة بناء تحالفاتها الإقليمية والدولية.
وشملت هذه التوجهات مراجعة العلاقات مع بعض الشركاء الغربيين، والانسحاب من ترتيبات إقليمية معينة، وتعزيز التعاون مع شركاء دوليين جدد.
لماذا تنتقد دول الساحل المحكمة؟
تتهم الحكومات الثلاث المحكمة الجنائية الدولية بعدم تطبيق معايير العدالة بصورة متوازنة، وترى أن المحكمة استهدفت خلال العقود الماضية دولاً إفريقية بصورة أكبر من غيرها.
وتصف بعض القيادات السياسية والعسكرية في المنطقة المحكمة بأنها أداة تعكس اختلالات النظام الدولي أكثر مما تعكس مفهوم العدالة العالمية المتساوية.
في المقابل، ترفض المحكمة هذه الاتهامات وتؤكد أنها تعمل وفق معايير قانونية مستقلة تستند إلى الأدلة والإجراءات القضائية المعتمدة دولياً.
قلق داخل المحكمة
أبدت المحكمة الجنائية الدولية قلقها من قرار الانسحاب، معتبرة أن الخطوة قد تؤثر على الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب في الجرائم الخطيرة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وترى المحكمة أن عضوية الدول في نظام روما تمثل جزءاً مهماً من منظومة العدالة الدولية التي تهدف إلى ضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن القيام بذلك.
ماذا يعني ذلك لإفريقيا؟
يفتح القرار الباب أمام نقاش أوسع داخل القارة الإفريقية بشأن مستقبل العلاقة مع المحكمة الجنائية الدولية.
فمنذ سنوات تدور نقاشات متكررة حول طبيعة العلاقة بين إفريقيا والمحكمة، بين من يرى أن المحكمة تمثل آلية ضرورية لتحقيق العدالة، ومن يعتبرها مؤسسة تحتاج إلى إصلاحات جوهرية لضمان التوازن والحياد.
ويرى بعض المحللين أن انسحاب دول الساحل قد يشجع أطرافاً أخرى على إعادة تقييم عضويتها، خاصة في ظل التحولات السياسية التي تشهدها القارة.
انعكاسات محتملة على السودان
ورغم أن القرار يتعلق مباشرة بدول الساحل الثلاث، إلا أن التطورات تحظى بمتابعة واسعة في السودان نظراً للارتباط المستمر بين الملف السوداني والمحكمة الجنائية الدولية.
فالمحكمة لا تزال طرفاً مؤثراً في عدد من الملفات المرتبطة بالسودان، ما يجعل أي تحول في موقع المحكمة أو علاقتها بالدول الإفريقية محل اهتمام خاص لدى المتابعين للشأن السوداني.
قراءة في المشهد
يعكس القرار اتجاهاً متنامياً في بعض دول إفريقيا نحو إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع المؤسسات الدولية التي تشكلت بعد الحرب الباردة، وهو اتجاه يتداخل فيه السياسي مع القانوني والاستراتيجي.
لكن في الوقت ذاته، يثير الانسحاب تساؤلات حول البدائل الممكنة لضمان المساءلة القانونية ومكافحة الإفلات من العقاب داخل الدول التي تختار الابتعاد عن منظومة العدالة الدولية.
لقطة …
لا يتعلق انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو من المحكمة الجنائية الدولية بالمحكمة وحدها، بل يعكس تحولات أعمق في توازنات النفوذ والعلاقات الدولية داخل إفريقيا. وبين خطاب السيادة الوطنية وخطاب العدالة الدولية، تبدو منطقة الساحل بصدد فتح فصل جديد في علاقتها مع النظام الدولي القائم.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















