بقلم سارة الملك
11 يوليو 2026 – بتوقيت السودان
لم تكن العودة إلى الخرطوم بالنسبة لآلاف السودانيين مجرد رحلة جغرافية نحو الوطن، بل كانت في كثير من الحالات محاولة لاستعادة حياة فقدوها تحت وطأة الحرب والنزوح واللجوء. غير أن ما وجده كثير من العائدين عند وصولهم إلى العاصمة بدا مختلفاً تماماً عما احتفظوا به في ذاكرتهم.
فبدلاً من مدينة تستعد لاستقبال أبنائها بعد شهور طويلة من الغياب، وجد كثيرون أنفسهم أمام واقع تتداخل فيه آثار الدمار مع انهيار الخدمات الأساسية، لتتحول العودة نفسها إلى تحدٍ إنساني جديد لا يقل قسوة عن تجربة النزوح.
عودة إلى مدينة تغيرت ملامحها
خلال سنوات الحرب، تعرضت أجزاء واسعة من الخرطوم لأضرار كبيرة طالت الأحياء السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية الحيوية.
وبالنسبة للعائدين، لم تكن الصدمة مرتبطة فقط بحجم الدمار المادي، بل أيضاً بغياب المقومات الأساسية التي تسمح بعودة الحياة الطبيعية.
الكثير من الأسر التي عادت إلى منازلها وجدت مباني متضررة أو منهوبة أو غير صالحة للسكن، بينما وجد آخرون أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل مؤقتة في ظل محدودية الخيارات المتاحة.
الكهرباء والمياه.. أزمة يومية
أحد أبرز التحديات التي تواجه العائدين يتمثل في ضعف خدمات الكهرباء والمياه.
فانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، أو غيابه بالكامل في بعض المناطق، بات جزءاً من الحياة اليومية، الأمر الذي يؤثر على تشغيل المضخات وحفظ الأغذية والأدوية ويزيد من صعوبة الحياة.
أما المياه الصالحة للشرب، فقد أصبحت هاجساً يومياً لآلاف الأسر التي تضطر إلى البحث عن مصادر بديلة في ظل تضرر أجزاء من الشبكات والخدمات المرتبطة بها.
قطاع صحي تحت الضغط
في الوقت الذي يحتاج فيه العائدون إلى خدمات صحية قادرة على التعامل مع آثار الحرب والأمراض المتزايدة، يواجه القطاع الصحي تحديات هائلة.
فعدد من المستشفيات والمراكز الصحية خرج عن الخدمة أو يعمل بقدرات محدودة، فيما تعاني المرافق العاملة من نقص في الأدوية والمعدات والكوادر الطبية.
وتزداد خطورة الوضع مع انتشار أمراض وأوبئة موسمية، من بينها الكوليرا، في ظل بيئة صحية هشة تعاني من ضعف خدمات المياه والصرف الصحي.
الأسواق موجودة.. لكن القدرة الشرائية غائبة
رغم عودة النشاط إلى بعض الأسواق التجارية تدريجياً، إلا أن الأسعار المرتفعة تمثل تحدياً كبيراً للعائدين.
فالكثير من الأسر فقدت مصادر دخلها خلال الحرب، بينما تواجه تكاليف مرتفعة للحصول على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وبذلك تتحول العودة إلى عبء اقتصادي إضافي بالنسبة لأسر تحاول إعادة بناء حياتها بعد شهور أو سنوات من النزوح.
الأمن والاستقرار.. معادلة لم تكتمل
رغم تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق مقارنة بفترات سابقة، إلا أن العائدين لا يزالون يواجهون تحديات تتعلق بالاستقرار الكامل.
فبعض المناطق ما زالت تعاني من آثار الحرب المباشرة، بما في ذلك المباني المتضررة والمخلفات الخطرة التي تتطلب جهوداً منظمة لإزالتها وتأمين الأحياء السكنية.
كما أن غياب الخدمات والمؤسسات الفاعلة يضيف أبعاداً جديدة للشعور بعدم الاستقرار لدى كثير من الأسر.
المبادرات المجتمعية تملأ الفراغ
في مواجهة هذه التحديات، برزت مبادرات شعبية ومجتمعية عديدة تحاول سد جزء من الفراغ الخدمي.
ففي عدد من الأحياء، يتولى السكان تنظيم حملات لإعادة تشغيل مصادر المياه وتنظيف الشوارع وترميم بعض المرافق الأساسية.
كما تلعب غرف الطوارئ والمبادرات التطوعية دوراً مهماً في تقديم المساعدات الإنسانية والدعم المجتمعي للعائدين، رغم محدودية الموارد والإمكانات.
الفجوة بين العودة والتعافي
تكشف تجربة العائدين أن العودة الجسدية إلى المدن لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة.
فإعادة بناء المجتمعات تتطلب أكثر من فتح الطرق أو استعادة السيطرة على الأحياء، بل تحتاج إلى إعادة تأهيل الخدمات والمؤسسات وخلق بيئة تسمح للسكان باستئناف حياتهم بصورة طبيعية.
ولهذا يرى مختصون أن نجاح العودة الطوعية يرتبط بقدرة السلطات والشركاء الإنسانيين على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية وضمان استدامتها.
خاتمة
تمثل عودة السودانيين إلى الخرطوم خطوة مهمة نحو استعادة الحياة بعد سنوات من الحرب، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التحديات التي لا تزال قائمة.
فالعاصمة التي يعود إليها أبناؤها اليوم ليست المدينة التي غادروها بالأمس. وبين الأمل في بداية جديدة وواقع الدمار ونقص الخدمات، يجد آلاف العائدين أنفسهم أمام معركة مختلفة: معركة إعادة بناء حياتهم من جديد.
ويبقى نجاح هذه العودة مرهوناً بقدرة السودان على الانتقال من مرحلة وقف النزاع إلى مرحلة التعافي الحقيقي، حيث لا تقتصر العودة على الوصول إلى المنزل، بل تشمل استعادة مقومات الحياة الكريمة التي تجعل البقاء ممكناً والمستقبل أكثر أمناً.
لقطة …
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد





















