الوعد الذي لا يتحقق أبداً (2)
عندما يبدأ المجتمع والدولة في دفع ثمن الحرب
بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
في الجزء الأول، ناقشنا كيف تبدأ الحروب عادة بوعدين كبيرين: النصر السريع والأمن والاستقرار. لكن الحروب لا تُختبر في أيامها الأولى، بل في قدرتها على الصمود أمام الزمن. وعندما تطول سنوات القتال، يبدأ السؤال الحقيقي في الظهور: ماذا يحدث للدولة والمجتمع عندما تتحول الحرب من حدث استثنائي إلى واقع دائم؟ هنا تبدأ الوعود الأخرى في مواجهة اختبار أكثر قسوة.
الوعد الثالث: إنقاذ الدولة
في كثير من النزاعات تُرفع راية حماية الدولة باعتبارها المبرر الأكبر للحرب.
ويبدو هذا الشعار منطقياً للوهلة الأولى، لأن بقاء الدولة يمثل مصلحة عامة لكل المواطنين.
لكن التجربة التاريخية تكشف مفارقة معقدة.
فالحرب التي تبدأ من أجل إنقاذ الدولة قد تتحول مع الوقت إلى عامل يستنزف الدولة نفسها.
فالاقتصاد يضعف.
والخدمات تتراجع.
والبنية التحتية تتضرر.
والتعليم والصحة والإدارة العامة تعمل تحت ضغوط هائلة.
ومع استمرار الصراع، تجد الدولة نفسها مضطرة إلى تخصيص معظم مواردها للبقاء بدلاً من التنمية.
وهنا يبرز السؤال الصعب:
هل يمكن إنقاذ الدولة عبر وسائل تؤدي إلى إنهاكها على المدى الطويل؟
إنه سؤال لا يملك إجابة سهلة، لكنه يظل واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في كل الحروب الحديثة.
غير أن الدولة لا تُقاس فقط ببقاء مؤسساتها السيادية أو استمرار وجودها القانوني، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فعندما تتراجع المدارس، وتتوقف المستشفيات، وتتآكل الإدارة العامة، ويصبح الحصول على الكهرباء والمياه والخدمات أمراً استثنائياً، فإن الدولة تبدأ في فقدان جزء من معناها حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الحرب قسوة؛ إذ قد تنجح الدولة في البقاء سياسياً، لكنها تخرج من الحرب أقل قدرة على القيام بالدور الذي وُجدت من أجله.
اقتصاد الحرب… عندما تصبح الحرب سوقاً
من أخطر التحولات التي تصنعها الحروب ظهور ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الحرب.
فكلما طال أمد الصراع، نشأت أنشطة اقتصادية لم تكن موجودة في زمن السلم.
أسواق جديدة.
طرق تهريب.
شبكات وساطة.
تجارة سلاح.
أسواق موازية للعملة.
اقتصاد للمساعدات الإنسانية.
بل وحتى وظائف ومصالح ترتبط بصورة مباشرة باستمرار الحرب.
وهنا تكمن المشكلة.
فكلما اتسعت المصالح المرتبطة بالحرب، أصبح السلام نفسه يهدد تلك المصالح.
وتتحول بعض القوى من السعي إلى تحقيق النصر، إلى السعي لإدارة الصراع وإطالته، لأن استمرار الحرب أصبح أكثر ربحاً من نهايتها.
ولهذا لا يعود إنهاء الحرب قراراً عسكرياً فقط، بل يصبح قراراً اقتصادياً أيضاً.
ولهذا تنظر كثير من الدراسات الحديثة إلى اقتصاد الحرب باعتباره أحد أكبر العقبات أمام التسويات، لأن بعض الشبكات التي تنشأ خلال النزاع تصبح أكثر استفادة من استمرار الوضع القائم من عودته إلى حالة السلم.
الوعد الرابع: إنهاء الفوضى
نادراً ما تُطرح الحرب باعتبارها مصدراً للفوضى.
بل تُقدَّم عادة كعلاج للفوضى القائمة.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
فالحروب لا تلغي الفوضى دائماً، بل كثيراً ما تنتج أشكالاً جديدة منها.
فإذا كانت هناك فوضى سياسية قبل الحرب، فقد تظهر بعدها فوضى اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية.
وإذا كانت هناك أزمة محددة قبل اندلاع الصراع، فقد تتولد عنها أزمات أخرى أكثر تعقيداً أثناء الحرب.
ولهذا فإن الفوضى التي يُراد القضاء عليها قد لا تختفي، بل قد تتغير صورتها فقط.
ويرى كثير من الباحثين أن الحرب لا تُنهي الفوضى، وإنما تعيد توزيعها.
فقد تتراجع المواجهات العسكرية، لكن تظهر أزمات النزوح، وانهيار الخدمات، وتفكك الأسواق، وغياب مؤسسات العدالة، وارتفاع معدلات الفقر، واتساع اقتصاد الظل.
وبذلك لا تختفي الأزمة، بل تنتقل من شكل إلى آخر.
وهنا يكتشف الناس أن المشكلة لم تكن في وجود الفوضى وحده، بل في الاعتقاد أن الحرب قادرة دائماً على القضاء عليها.
الوعد الخامس: وحدة الوطن
ربما يكون هذا أكثر الوعود حساسية وتأثيراً.
فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل شعور جماعي بالانتماء والمصير المشترك.
ولهذا تُرفع وحدة الوطن دائماً باعتبارها أحد أهم مبررات الحرب.
لكن الحروب الأهلية والصراعات الداخلية تحمل مفارقة قاسية.
فبينما تُخاض باسم الوحدة، فإنها قد تترك وراءها جروحاً عميقة داخل المجتمع نفسه.
تتسع الانقسامات.
وتتراكم المرارات.
وتنشأ مسافات نفسية واجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.
وقد يبقى الوطن موحداً على الخريطة، لكنه يخرج من الحرب أكثر انقساماً على المستوى الاجتماعي.
وهذا من أثقل الأثمان التي تدفعها المجتمعات في زمن النزاعات.
فالوحدة السياسية يمكن أن تُفرض بالقوة، لكن الوحدة الاجتماعية لا تُبنى إلا بالثقة.
والثقة من أكثر الأشياء هشاشة في زمن الحرب، ومن أكثرها صعوبة في إعادة البناء بعد توقفها.
الدرس السوداني
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، يبدو هذا النقاش أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فالسودانيون، مثل شعوب كثيرة سبقتهم، وجدوا أنفسهم داخل حرب طويلة ومكلفة أعادت تشكيل حياتهم بصورة لم يكن كثيرون يتوقعونها.
ملايين الأشخاص اضطروا إلى النزوح أو اللجوء.
وتعرض الاقتصاد لضغوط غير مسبوقة.
وتضررت الخدمات الأساسية.
وتبدلت أولويات الناس من التفكير في المستقبل إلى البحث عن سبل العيش والأمان.
لكن التحول الأعمق ربما لم يكن في المدن أو الاقتصاد وحدهما، بل في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة.
فبعد سنوات من الاعتماد على مؤسسات الدولة، وجد ملايين السودانيين أنفسهم يعتمدون على المبادرات المجتمعية، والتحويلات المالية من الخارج، والتكايا، والمنظمات الإنسانية، وشبكات الأقارب، لتوفير أبسط مقومات الحياة.
وهذا تحول اجتماعي كبير قد يستمر تأثيره حتى بعد توقف الحرب.
كما أعادت الحرب رسم الخريطة السكانية بصورة غير مسبوقة، عبر موجات النزوح الداخلي واللجوء الخارجي، وخلقت واقعاً جديداً لأجيال كاملة لم تعرف الدولة إلا وهي تعمل في ظروف الحرب.
ولم يعد السؤال الذي يشغل كثيراً من السودانيين متعلقاً فقط بمن سينتصر عسكرياً، بل أصبح يتعلق بكيفية استعادة الحياة الطبيعية، وإعادة بناء المدارس، والمستشفيات، والأسواق، وعودة ملايين النازحين إلى منازلهم.
ولذلك قد تكون إعادة بناء المدن أسهل من إعادة بناء المجتمع نفسه. فالجسور والطرق يمكن إعادة تشييدها خلال سنوات، أما الثقة التي تتآكل في زمن الحرب فقد تحتاج إلى جيل كامل حتى تستعاد.
يتبع في الجزء الثالث…
في الجزء القادم:
لماذا تستمر الشعوب في تصديق الوعود نفسها رغم أن التاريخ يعيد النتيجة ذاتها في كل مرة؟
لقطة …
ربما تستطيع الحروب أن تعيد رسم الخرائط، لكنها تعجز عن إعادة الزمن إلى الوراء. فكل عام يمر في ظل الحرب يترك خسائر لا تُقاس فقط بما تهدم من مبانٍ، بل بما يتغير داخل المجتمع نفسه، حيث يصبح إصلاح الإنسان أصعب كثيراً من إعادة إعمار الحجر.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد.




















