أسئلة صعبة تطرحها قضية أحمد شفا على العدالة السودانية
عبود النصيح
www.lagtaai.com
2 يوليو 2026
في الدول التي تمر بالحروب والأزمات الكبرى، تصبح العدالة آخر ما يتمسك به المواطن عندما تتداعى بقية المؤسسات. فالقضاء ليس مجرد جهة تفصل في النزاعات، بل هو الضمانة الأساسية التي تمنع المجتمع من الانزلاق إلى منطق القوة والغلبة والانتقام. ولهذا السبب تثير القضايا المرتبطة بحرية الرأي والتعبير حساسية خاصة، لأنها تمس العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين القانون والسلطة، وبين العدالة والحرية.
ومن هذا المنطلق أثارت قضية الطبيب الصيدلاني أحمد شفا وما انتهت إليه من حكم بالسجن والغرامة نقاشاً واسعاً تجاوز حدود الملف القضائي نفسه. فبالنسبة لكثير من السودانيين لم تعد القضية تتعلق بشخص واحد أو بواقعة محددة، بل تحولت إلى مناسبة لطرح أسئلة أعمق حول طبيعة العدالة في زمن الحرب، وحدود حرية التعبير، والمساحة المتاحة للمواطن كي يعبّر عن رأيه دون خوف من الملاحقة أو العقاب.
ولأن القضية ما تزال في إطارها القانوني وقابلة للاستئناف، فإن النقاش هنا لا يستهدف إصدار أحكام على القضاء أو التشكيك في حق المحكمة في النظر في الدعوى، وإنما يهدف إلى مناقشة الأبعاد السياسية والمجتمعية التي كشفتها هذه القضية، والأسئلة التي فرضتها على الرأي العام السوداني.
هل أصبح الاختلاف في الرأي خطراً؟
الحروب بطبيعتها تخلق حالة من الاستقطاب الحاد. ومع مرور الوقت يصبح المجتمع منقسماً بين معسكرات متقابلة، ويبدأ البعض في النظر إلى أي رأي مخالف باعتباره تهديداً يجب إسكاته لا رأياً يجب مناقشته.
لكن التجارب الإنسانية أثبتت أن المجتمعات التي تخلط بين الاختلاف والخيانة تدفع ثمناً باهظاً على المدى الطويل.
ففي أوقات النزاعات تبرز الحاجة إلى النقاش أكثر من أي وقت آخر، لأن القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلام ومستقبل البلاد لا يمكن أن تكون حكراً على صوت واحد أو رؤية واحدة. ومن حق المواطنين أن يؤيدوا الحرب أو يعارضوها، وأن ينتقدوا الأطراف المختلفة، وأن يعبروا عن مخاوفهم وآمالهم تجاه ما يجري في بلادهم.
السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم ليس متعلقاً بأحمد شفا وحده، بل بمبدأ عام: هل يجوز أن يُعاقب الإنسان بسبب رأي سياسي سلمي؟ وهل يمكن أن يصبح التعبير عن موقف من الحرب مدخلاً للمساءلة الجنائية؟
هذه أسئلة لا تخص هذه القضية وحدها، بل تخص مستقبل الحريات العامة في السودان كله.
العدالة لا تُقاس فقط بالأحكام
في أي دولة حديثة لا تُقاس قوة القضاء فقط بالأحكام التي يصدرها، بل أيضاً بدرجة الثقة التي يحظى بها لدى المواطنين.
فعندما يقتنع الناس بأن المحاكم تعمل باستقلالية وحياد، فإنهم يقبلون حتى الأحكام التي لا تعجبهم. أما عندما تبدأ الشكوك في التسلل إلى الرأي العام بشأن وجود ضغوط أو تأثيرات سياسية أو اجتماعية على العدالة، فإن المشكلة تصبح أكبر من أي قضية منفردة.
ولهذا فإن استقلال القضاء ليس مطلباً للنخب القانونية فقط، بل هو مصلحة عامة للمجتمع كله.
فالعدالة لا يجب أن تنتصر فحسب، بل يجب أن يراها الناس منتصرة أيضاً.
من يحمي حق الاختلاف؟
السودان اليوم في حاجة إلى توسيع مساحة الحوار الوطني لا تضييقها.
فالحروب لا تنتهي فقط عبر الانتصارات العسكرية، بل تنتهي أيضاً عندما تتمكن المجتمعات من إدارة خلافاتها بوسائل سلمية وقانونية. وعندما يشعر المواطن بأن التعبير عن رأيه قد يكلفه حريته أو مستقبله، فإن الخوف يحل محل الحوار، ويصبح الصمت بديلاً للنقاش.
والخوف لا يبني دولة.
بل إن المجتمعات التي تخاف من الأصوات المختلفة غالباً ما تجد نفسها عاجزة عن تصحيح أخطائها أو مراجعة سياساتها أو معالجة أزماتها بصورة صحية.
ولهذا فإن حماية حق الاختلاف ليست خدمة تُقدَّم للمعارضين أو المؤيدين، بل هي حماية للمجتمع كله.
القضية أكبر من أحمد شفا
سواء اتفق الناس مع أحمد شفا أو اختلفوا معه، فإن جوهر النقاش يتجاوز شخصه بكثير.
فالقضية الحقيقية تتعلق بحق المواطن السوداني في أن يمتلك رأياً مستقلاً، وأن يعبر عنه بصورة سلمية، وأن يشعر بأن القانون يحميه لا أنه يلاحقه بسبب موقفه الفكري أو السياسي.
كما تتعلق بقدرة الدولة على الفصل بين الخصومة السياسية والإجراءات العدلية، وبين الخلاف في الرأي والأفعال التي يجرمها القانون.
فإذا اختلطت هذه الحدود، يصبح الجميع معرضين للخطر، لأن ما يحدث اليوم لشخص قد يحدث غداً لغيره.
السودان الذي نريده
السودان الذي يحلم به مواطنوه ليس دولة يخاف فيها الناس من الكلام، ولا دولة تُدار بالاصطفاف الإجباري أو الإجماع القسري.
إنه السودان الذي يتسع للمؤيد والمعارض، ولمن يرفع شعار الحرب ولمن يرفع شعار السلام، ولمن يخطئ ولمن يصيب، طالما ظل الجميع داخل إطار القانون واحترام حقوق الآخرين.
فالدولة القوية لا تخاف من الرأي، بل تحمي حق الناس في التعبير عنه.
والقضاء القوي لا يحتاج إلى إسكات الأصوات المختلفة، بل يحتاج إلى أن يبقى فوق الصراعات السياسية، وأن يحظى بثقة جميع المواطنين دون استثناء.
خاتمة
قد تختلف المواقف من أحمد شفا، وقد تختلف القراءات القانونية للقضية، لكن ما لا ينبغي أن يختلف عليه السودانيون هو أهمية حماية العدالة من التسييس، وحماية القانون من التحول إلى أداة في معارك الاستقطاب.
فالعدالة ليست انتقاماً، والمحاكم ليست ساحات لتصفية الحسابات، والقانون لا ينبغي أن يُستخدم لمعاقبة الأفكار أو الآراء السلمية.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه القضية مفتوحاً أمام الجميع:
هل تُحاكم الآراء أم الأفعال؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير قضية واحدة فحسب، بل ستحدد أيضاً شكل العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحرية والعدالة، في السودان الذي يتشكل وسط أهوال الحرب وآمال المستقبل.



















