المحرر
www.lagtaai.com
2 يوليو 2026
مقدمة: عندما تتحول الأرقام إلى قصص بشرية
قد لا تعكس الأرقام وحدها حجم التحولات التي شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة، لكن خلف كل نسبة مئوية توجد أسرة فقدت مصدر دخلها، أو موظف تراجعت قدرته على إعالة أسرته، أو شاب وجد نفسه خارج سوق العمل. ولهذا فإن الحديث عن الفقر في السودان اليوم لم يعد مجرد نقاش اقتصادي، بل حديث عن واقع يعيشه ملايين المواطنين يومياً.
وفي وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع فرص العمل وتتسع دائرة الاحتياجات الأساسية غير الملباة، تبرز مؤشرات الفقر باعتبارها واحدة من أكثر المؤشرات قدرة على قياس حجم التأثير الذي أصاب المجتمع السوداني. ومن هنا تكتسب الأرقام والبيانات الاقتصادية أهميتها، ليس بوصفها إحصاءات مجردة، بل باعتبارها مرآة تعكس التحولات العميقة التي طرأت على حياة المواطنين خلال السنوات الماضية.
أرقام صادمة: الفقر يتضاعف خلال 36 شهراً
تشير التقديرات الاقتصادية والإنسانية إلى تصاعد مستمر في معدلات الفقر منذ عام 2023، حيث تضاعفت النسبة خلال فترة وجيزة لتشمل أكثر من ثلثي السكان.
- 2023 (قبل الحرب): 38%
- 2024: 52%
- 2025: 65%
- يونيو 2026: 73%
وتعني هذه الأرقام أن ملايين السودانيين الذين كانوا يُصنفون ضمن الطبقة الوسطى أو الفئات ذات الدخل المحدود أصبحوا اليوم ضمن الفئات الفقيرة أو الأشد فقراً، في واحدة من أسرع موجات التدهور المعيشي التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
أين اختفت الطبقة الوسطى؟
على مدى عقود، كانت الطبقة الوسطى السودانية تمثل عنصر التوازن داخل المجتمع. فقد ضمت موظفين ومعلمين وأطباء ومهندسين وأصحاب أعمال صغيرة ومتوسطة، وكانت تشكل القوة الشرائية الرئيسية ومحرك النشاط الاقتصادي في المدن والبلدات.
لكن السنوات الأخيرة وجهت لهذه الطبقة ضربات متتالية أدت إلى تآكلها بصورة ملحوظة.
فقدان الوظائف
توقفت آلاف المؤسسات والشركات عن العمل أو خفضت نشاطها بشكل كبير، كما أغلقت مصانع وورش ومتاجر أبوابها نتيجة الظروف الاقتصادية والأمنية، ما أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من المواطنين لمصادر دخلهم.
تآكل الأجور
حتى الذين احتفظوا بوظائفهم واجهوا واقعاً مختلفاً، إذ فقدت الأجور والمرتبات جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية.
خسارة الأصول
تعرضت أعداد كبيرة من الأسر لخسائر مباشرة شملت المنازل والمتاجر والمزارع والمدخرات، ما دفعها من حالة الاستقرار النسبي إلى دائرة الفقر خلال فترة قصيرة.
الاقتصاد ينكمش.. والفقر يتمدد
لا يرتفع الفقر بهذه السرعة إلا عندما يتعرض الاقتصاد لسلسلة من الصدمات المتزامنة.
فخلال السنوات الثلاث الماضية، واجه السودان تراجعاً في النشاط الإنتاجي، وتعطلاً في قطاعات اقتصادية حيوية، وانخفاضاً في الإيرادات العامة، إلى جانب اضطرابات واسعة في الأسواق وسلاسل الإمداد.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الاقتصاد أقل قدرة على خلق فرص العمل وتوليد الدخل، بينما تتزايد أعداد الأسر التي تحتاج إلى الدعم والمساعدة.
الذهب.. المورد الذي لم ينعكس على حياة المواطنين
رغم استمرار السودان ضمن الدول الأفريقية المنتجة للذهب، فإن العائد الاقتصادي لهذا القطاع لم ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطنين.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من بينها اضطراب بيئة الإنتاج، وضعف الرقابة على سلاسل التسويق، وتنامي أنشطة التهريب، فضلاً عن محدودية الاستفادة من العائدات في دعم الخدمات العامة وبرامج الحماية الاجتماعية.
وبينما ارتفعت أسعار الذهب عالمياً خلال السنوات الأخيرة، ظل المواطن السوداني يواجه تحديات متزايدة في توفير احتياجاته الأساسية.
التضخم والنزوح: وقود الأزمة
التضخم
كان التضخم أحد أبرز العوامل التي ساهمت في توسيع دائرة الفقر. فقد ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والطاقة والنقل بمعدلات تفوق بكثير نمو الدخول والأجور، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة مستمرة.
ومع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، كانت أعداد إضافية من المواطنين تنزلق نحو دائرة الفقر أو تقترب منها.
النزوح الجماعي
في الوقت نفسه، ساهم النزوح الواسع في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. ففقدان المساكن والأراضي والأعمال الخاصة حرم ملايين الأشخاص من مصادر دخلهم وأدوات إنتاجهم، وجعلهم أكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية أو الأعمال المؤقتة محدودة الدخل.
الفقر ليس رقماً فقط
عندما تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي السكان يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه، فإن الحديث لا يدور عن أرقام مجردة.
فالواقع يعني:
- أسر تقلص عدد وجباتها اليومية.
- طلاباً يواجهون صعوبات في مواصلة تعليمهم.
- مرضى يعجزون عن تحمل تكاليف العلاج.
- شباباً تتراجع فرصهم في الحصول على وظائف مستقرة.
- مجتمعات كاملة تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.
ولهذا فإن آثار الفقر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى التعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي وفرص التنمية المستقبلية.
هل يمكن عكس المسار؟
يرى خبراء الاقتصاد أن خفض معدلات الفقر يتطلب أكثر من مجرد تقديم المساعدات الإنسانية، إذ لا بد من معالجة الأسباب الهيكلية التي أدت إلى تفاقم الأزمة.
وتشمل الأولويات الرئيسية:
- استعادة النشاط الإنتاجي في الزراعة والصناعة والخدمات.
- إعادة تشغيل الأسواق وتحسين سلاسل الإمداد.
- الحد من معدلات التضخم وتحقيق استقرار نقدي أكبر.
- توسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
- تعزيز الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية.
- جذب استثمارات قادرة على خلق فرص عمل مستدامة.
الخاتمة: قصة مجتمع بأكمله
الانتقال من 38% إلى 73% خلال ثلاث سنوات ليس مجرد تغير في المؤشرات الاقتصادية، بل تحول اجتماعي واسع يعكس حجم التحديات التي يواجهها السودان.
فخلف كل نسبة مئوية توجد قصة إنسانية، وخلف كل رقم توجد أسرة تكافح للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل السنوات المقبلة: هل يستطيع السودان إعادة بناء اقتصاده واستعادة فرص الإنتاج والعمل، أم أن آثار هذه الأزمة ستستمر في رسم ملامح المجتمع لفترة أطول؟
المصادر والمنهجية:
استند التقرير إلى مراجعة بيانات وتقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والبنك الدولي، وتقارير المنظمات الإنسانية العاملة في السودان، إضافة إلى مؤشرات التضخم والنزوح وتراجع النشاط الاقتصادي خلال الفترة 2023–2026. وتمثل بعض الأرقام الواردة تقديرات تحليلية مبنية على هذه المؤشرات وليست إحصاءات رسمية نهائية.



















