بقلم: مصطفى محمود
www.lagtaai.com
4 يوليو 2026
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تعرض الاقتصاد الوطني لهزة عنيفة أدت إلى تراجع الإنتاج وتعطل قطاعات واسعة من النشاط التجاري والصناعي والزراعي. وبينما انشغل كثيرون بمتابعة التطورات العسكرية والسياسية، كانت هناك تحولات اقتصادية عميقة تجري بصمت داخل المجتمع السوداني، لعل أبرزها تنامي الاعتماد على التحويلات المالية القادمة من الخارج كمصدر رئيسي للدخل والمعيشة.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يطرح عدد متزايد من الاقتصاديين سؤالاً مهماً: هل بدأ السودان فعلياً الدخول في مرحلة يمكن وصفها بـ”اقتصاد التحويلات”؟
ما المقصود باقتصاد التحويلات؟
يشير المصطلح إلى حالة يصبح فيها جزء كبير من النشاط الاقتصادي والاستهلاك المحلي معتمداً على الأموال التي يرسلها المهاجرون والمغتربون إلى أسرهم داخل البلاد.
وفي العديد من الدول التي تعرضت لصراعات أو أزمات اقتصادية طويلة، تحولت التحويلات الخارجية إلى شريان حياة رئيسي لملايين الأسر، وأصبحت في بعض الأحيان تفوق عائدات الصادرات أو الاستثمارات الأجنبية.
ويبدو أن السودان يتحرك تدريجياً في هذا الاتجاه.
ملايين السودانيين خارج البلاد
أدت الحرب إلى موجات نزوح وهجرة واسعة النطاق، حيث غادر ملايين السودانيين إلى دول الجوار والخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا.
وفي المقابل، بقيت أسر كثيرة داخل السودان تعتمد بصورة متزايدة على الأموال التي يرسلها الأبناء والأقارب العاملون في الخارج.
ومع تراجع فرص العمل داخل البلاد وانهيار كثير من الأنشطة الاقتصادية، أصبحت هذه التحويلات بالنسبة لعدد كبير من الأسر المصدر الأساسي لتغطية الاحتياجات اليومية من الغذاء والتعليم والعلاج والسكن.
التحويلات تتجاوز دورها التقليدي
في السابق كانت التحويلات تمثل دعماً إضافياً للأسر.
أما اليوم فقد أصبحت في كثير من الحالات المصدر الرئيسي للدخل.
فالعديد من المدن السودانية تشهد نشاطاً اقتصادياً يعتمد بصورة مباشرة على الأموال القادمة من الخارج، سواء عبر القنوات المصرفية أو شبكات التحويل المختلفة.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الأموال التي تدخل السودان عبر التحويلات الفردية أصبح يفوق بكثير ما كان عليه قبل الحرب، رغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة بسبب اتساع السوق غير الرسمي.
اقتصاد استهلاكي أم رافعة للتعافي؟
هنا يبرز التحدي الأكبر.
فالتحويلات المالية تساعد الأسر على الصمود وتخفيف آثار الأزمة المعيشية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد منتج.
إذا ذهبت الأموال إلى الاستهلاك فقط، فإن تأثيرها يظل محدوداً على المدى الطويل.
أما إذا تحولت إلى استثمارات صغيرة ومتوسطة أو مشاريع إنتاجية، فقد تصبح أحد محركات التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
ولهذا تدعو بعض الدراسات إلى تطوير سياسات تشجع المغتربين على توجيه جزء من أموالهم نحو الاستثمار والإنتاج بدلاً من الاقتصار على الإنفاق الاستهلاكي.
فرصة جديدة للجهاز المصرفي
يمثل تصاعد دور التحويلات فرصة مهمة أمام القطاع المصرفي السوداني.
فكلما نجحت البنوك في جذب التحويلات عبر القنوات الرسمية، زادت قدرتها على توفير العملات الأجنبية وتحسين الاستقرار النقدي.
ولهذا تعمل السلطات النقدية خلال الفترة الأخيرة على تشجيع استخدام القنوات المصرفية الرسمية وتقديم حوافز للمغتربين لتحويل أموالهم عبر النظام المالي بدلاً من السوق الموازية.
لكن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً باستعادة الثقة في الجهاز المصرفي وتطوير الخدمات المالية والرقمية.
تجربة عرفتها دول أخرى
ليست هذه الظاهرة جديدة عالمياً.
فدول مثل لبنان والصومال والفلبين والسلفادور اعتمدت بدرجات متفاوتة على تحويلات المغتربين خلال فترات الأزمات.
وفي بعض الحالات أصبحت التحويلات تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي وتلعب دوراً محورياً في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
غير أن التجارب الدولية تظهر أيضاً أن الاعتماد المفرط على التحويلات قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية إذا لم يترافق مع زيادة الإنتاج والاستثمار.
ماذا يعني ذلك للسودان؟
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يصبح السودانيون في الخارج أحد أهم الفاعلين الاقتصاديين في مستقبل البلاد.
فالأموال التي يرسلونها لا تدعم الأسر فقط، بل تساهم في تحريك الأسواق المحلية وتمويل الأنشطة التجارية والخدمية في كثير من المدن.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تحويل هذا المورد المالي من وسيلة للبقاء إلى أداة للتنمية وإعادة البناء.
وهنا يبرز دور الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص في بناء سياسات قادرة على استثمار هذه التدفقات المالية بصورة أكثر فاعلية.
خاتمة لقطة
قد تكون الحرب قد أضعفت قطاعات الإنتاج التقليدية، لكنها في المقابل دفعت ملايين السودانيين في الخارج إلى لعب دور اقتصادي متزايد داخل وطنهم.
ولهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت التحويلات أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد السوداني، بل كيف يمكن تحويل هذا الواقع الجديد إلى فرصة للتعافي والتنمية.
فربما يكون أحد أهم ملامح السودان بعد الحرب هو ظهور اقتصاد جديد يعتمد بدرجة أكبر على شبكات المغتربين والتحويلات العابرة للحدود، في مشهد يعيد رسم العلاقة بين الداخل والخارج بصورة لم يعرفها السودان من قبل.



















