بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
4 يوليو 2026
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من النزاع المسلح الذي أعاد رسم الخارطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للسودان، لم يعد الجدل الاستراتيجي متمحوراً حول موازين القوى العسكرية أو المكاسب الميدانية لهذا الطرف أو ذاك، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً وتأثيراً: ما هو الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى المدنية في حماية الدولة والمجتمع خلال هذه المرحلة المفصلية؟
فالحرب لم تُحدث فقط دماراً واسعاً في البنية التحتية ومؤسسات الدولة، وإنما خلقت واقعاً جديداً فرض على السودانيين إعادة التفكير في كثير من المسلمات السياسية التي حكمت المشهد لعقود طويلة. وبينما تتواصل المواجهات العسكرية وتتسع الأزمات الإنسانية، تبدو الحاجة ملحة إلى دور مدني قادر على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والانشغال بالسؤال الأكبر: كيف يمكن الحفاظ على الدولة ومنع انزلاقها نحو انهيار شامل؟
أولاً: حماية المدنيين.. أولوية أخلاقية ووطنية
في أي نزاع طويل الأمد، تصبح حماية المدنيين الاختبار الحقيقي للقوى السياسية والاجتماعية. وفي الحالة السودانية، حيث يعيش ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء وفقدان الخدمات الأساسية، فإن الدفاع عن حقوق المدنيين لم يعد مجرد نشاط حقوقي أو مطلب إنساني، بل تحول إلى واجب وطني يرتبط بمستقبل البلاد نفسها.
ويشمل ذلك دعم جهود الإغاثة، والدفاع عن وصول المساعدات الإنسانية، والمطالبة بحماية المرافق المدنية، إضافة إلى توثيق الانتهاكات والدفع نحو المساءلة القانونية مستقبلاً، بعيداً عن الانتقائية أو التسييس.
ثانياً: وقف الحرب.. من الشعار إلى الفعل
كثيراً ما رفعت القوى المدنية شعار وقف الحرب، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الشعار إلى استراتيجية عملية قائمة على بناء توافقات واسعة، وتوحيد الرسائل السياسية، والضغط المستمر على الأطراف المختلفة من أجل تغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية.
فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ويزيد من تعقيد فرص التعافي الوطني مستقبلاً.
ثالثاً: المجتمع المدني بوصفه خط الدفاع الأخير
أحد أبرز مشاهد الحرب السودانية كان ظهور شبكات التضامن المجتمعي التي لعبت دوراً محورياً في سد فجوات الدولة. فقد برزت التكايا والمبادرات التطوعية والجهود المحلية في توفير الغذاء والرعاية والدعم للمجتمعات المتضررة.
هذا الواقع أظهر أن المجتمع المدني لا يمثل مجرد نشاط موازٍ للدولة، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر أساسي في الحفاظ على تماسك المجتمع خلال فترات الأزمات. ومن هنا تبرز أهمية حماية استقلالية هذه المبادرات وإبعادها عن الاستقطابات السياسية التي قد تفقدها فعاليتها ودورها الوطني.
رابعاً: هندسة اليوم التالي للحرب
لا يكفي التفكير في كيفية إنهاء الحرب، بل يجب التفكير أيضاً في كيفية إدارة ما بعدها. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الفشل في التخطيط لمرحلة ما بعد النزاع قد يقود إلى عودة الصراع بصورة جديدة.
ويحتاج السودان إلى نقاشات جادة حول عدد من الملفات الجوهرية، من بينها:
- العدالة الانتقالية والمساءلة.
- إعادة بناء مؤسسات الدولة.
- إصلاح القطاع الأمني.
- إعادة الإعمار الاقتصادي.
- معالجة الاختلالات التاريخية بين المركز والأقاليم.
- بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والحقوق المتساوية.
هذه الملفات لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد توقف القتال بالكامل، بل يجب أن تكون جزءاً من النقاش الوطني الجاري منذ الآن.
خامساً: استعادة الثقة بين السياسة والمجتمع
أفرزت السنوات الماضية فجوة واضحة بين قطاعات واسعة من المواطنين وبين النخب السياسية بمختلف توجهاتها. ويعود ذلك إلى تراكم الإخفاقات والصراعات والانقسامات التي جعلت كثيراً من المواطنين يشعرون بأن قضاياهم اليومية ليست ضمن أولويات القوى السياسية.
لذلك فإن استعادة الثقة تتطلب خطاباً مختلفاً ينطلق من احتياجات المواطن الحقيقية، ويركز على الأمن والخدمات والمعيشة والاستقرار، بدلاً من الصراعات النخبوية التقليدية التي استهلكت جزءاً كبيراً من طاقة البلاد دون نتائج ملموسة.
سادساً: الدولة فوق الصراع على السلطة
من أهم الدروس التي أفرزتها التجارب الإقليمية أن الصراع على السلطة يمكن تجاوزه، أما انهيار الدولة ومؤسساتها فيترك آثاراً تمتد لأجيال.
ولهذا يصبح من الضروري التمييز بين معارضة الحكومات أو الأنظمة وبين الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية. فالدول لا تُبنى من الصفر في كل مرة، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار والتطور مهما تغيرت الحكومات والقيادات.
قراءة في التحولات الصامتة
ورغم قتامة المشهد العام، فإن هناك تحولات هادئة تجري داخل المجتمع السوداني. فالحرب دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى إعادة التفكير في مفاهيم الحكم والإدارة والتنمية، كما برزت أصوات مهنية وأكاديمية وشبابية تقدم رؤى مختلفة حول مستقبل البلاد.
وقد لا تبدو هذه التحولات مؤثرة في الوقت الراهن مقارنة بضجيج المعارك، لكنها قد تشكل في المدى البعيد أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل الحياة السياسية السودانية بعد انتهاء الحرب.
خاتمة
إن الدور التاريخي للقوى المدنية في هذه المرحلة لا يتمثل في التنافس على السلطة بقدر ما يتمثل في حماية فكرة الدولة نفسها، والمساهمة في بناء رؤية وطنية قادرة على استيعاب آثار الحرب وتحديات المستقبل.
فالسودان يمر اليوم بواحدة من أكثر لحظاته تعقيداً منذ الاستقلال، ولا يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن فقط في إنهاء الحرب، بل في الإجابة عن السؤال الأكبر: كيف يمكن بناء دولة أكثر تماسكاً وعدالة واستقراراً بعد كل ما جرى؟
لقطة …
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من سيربح الحرب أو يخسرها، بل كيف يمكن للسودانيين أن يحافظوا على دولتهم ومجتمعهم خلال هذه المرحلة الحرجة. فهناك تبدأ مسؤولية القوى المدنية، وهناك أيضاً يتحدد دورها التاريخي في صناعة المستقبل.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















