بقلم: عبدالقادر العوض
www.lagtaai.com
4 يوليو 2026
مقدمة: عندما تتحول الحرب المحلية إلى صراع إقليمي مفتوح
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم يعد المشهد مجرد مواجهة داخلية على السلطة والنفوذ. فمع مرور الوقت، بدأت الحرب تكتسب أبعاداً إقليمية متزايدة، وتحولت البلاد تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية معقدة، الأمر الذي جعل إنهاء النزاع أكثر صعوبة وتعقيداً.
وبينما تتبادل الأطراف السودانية الاتهامات بشأن مصادر الدعم الخارجي، تشير تقارير أممية ودراسات صادرة عن مراكز أبحاث دولية إلى أن استمرار الحرب بات مرتبطاً بصورة أو بأخرى بتدفقات الدعم العسكري والمالي واللوجستي القادمة عبر مسارات إقليمية متعددة، وهو ما ساهم في إطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف مفتوحة.
خريطة التدخلات: تعدد اللاعبين وتباين الأهداف
تتعدد الأطراف الإقليمية المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الملف السوداني، وتختلف دوافعها بحسب مصالحها الاستراتيجية.
فبعض الدول تنظر إلى السودان باعتباره عمقاً أمنياً وجغرافياً مهماً، وترى أن الحفاظ على مؤسسات الدولة التقليدية يمثل أولوية لمنع الفوضى والانهيار الشامل. في المقابل، تنظر أطراف أخرى إلى السودان من زاوية النفوذ الاقتصادي أو التوازنات الإقليمية أو المصالح المرتبطة بالبحر الأحمر والموارد الطبيعية.
هذا التباين في الرؤى جعل السودان ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي، حيث أصبح كل طرف خارجي يقرأ الأزمة من منظوره الخاص، ويعمل بما يتوافق مع حساباته الأمنية والاقتصادية.
دعم القوات المسلحة: بين الاعتبارات الأمنية والحسابات الاستراتيجية
تتحدث تقارير وتحليلات دولية عن حصول القوات المسلحة السودانية على أشكال مختلفة من الدعم السياسي أو اللوجستي من أطراف إقليمية تعتبر المؤسسة العسكرية ركناً أساسياً في الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع انهيارها.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الدعم لا يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل يمتد في بعض الحالات إلى مجالات تقنية ولوجستية مرتبطة بإدارة العمليات العسكرية، بما في ذلك تقنيات الاستطلاع والطائرات المسيّرة والتدريب وتبادل المعلومات.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن دعم المؤسسات العسكرية النظامية يهدف إلى منع تفكك الدولة، بينما يرى منتقدوه أن أي دعم عسكري إضافي يسهم في إطالة أمد الحرب وتأخير الحلول السياسية.
دعم قوات الدعم السريع: اتهامات مستمرة وشبكات معقدة
في المقابل، تواجه أطراف إقليمية اتهامات متكررة بتوفير أشكال مختلفة من الدعم لقوات الدعم السريع، سواء بصورة مباشرة أو عبر شبكات وسطاء وشركات خاصة.
وتشير تقارير دولية متعددة إلى مزاعم تتعلق باستخدام مسارات برية وممرات صحراوية لنقل الوقود والمعدات العسكرية، إضافة إلى شبكات مالية وتجارية يعتقد أنها ساعدت في توفير الموارد اللازمة لاستمرار العمليات العسكرية.
وتنفي الأطراف المتهمة في الغالب هذه المزاعم، بينما يظل جزء كبير من هذه الاتهامات محل جدل وتحقيقات دولية مستمرة بسبب صعوبة الوصول إلى أدلة حاسمة في بيئة نزاع معقدة ومتغيرة.
كيف تتدفق الأسلحة؟
تكشف مراجعة العديد من التقارير الدولية أن تدفقات السلاح والإمداد إلى مناطق النزاع لا تتم غالباً عبر قنوات رسمية ومعلنة، بل من خلال شبكات معقدة تتداخل فيها المصالح التجارية والأمنية.
ومن أبرز هذه الآليات:
1. الوسطاء والشركات الواجهة
تعتمد بعض عمليات الشراء على شركات مسجلة في دول مختلفة تعمل كواجهات تجارية، ما يسمح بإخفاء الوجهة النهائية للشحنات أو الجهة المستفيدة منها.
2. الحدود المفتوحة
يمتلك السودان حدوداً طويلة مع سبع دول، وهو ما يجعل مراقبة حركة الأفراد والبضائع والأسلحة تحدياً بالغ الصعوبة، خصوصاً في المناطق الصحراوية والنائية.
3. الاقتصاد الموازي
تساهم شبكات تهريب الذهب والوقود وبعض الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية في توفير مصادر تمويل مستمرة لأطراف النزاع، ما يساعد على الحفاظ على قدرتها القتالية لفترات طويلة.
الذهب: المورد الذي يغذي الحرب
لا يمكن فهم البعد الإقليمي للنزاع السوداني دون التوقف عند ملف الذهب.
فالسودان يعد من أكبر منتجي الذهب في القارة الأفريقية، وتحولت تجارة الذهب خلال سنوات الحرب إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاشات الدولية.
وتشير تقديرات مختلفة إلى أن جزءاً من عائدات الذهب يمر عبر شبكات إقليمية معقدة، ما يجعل هذا المورد الاستراتيجي عنصراً مهماً في معادلة تمويل الحرب واستمرارها.
ويرى خبراء اقتصاد أن السيطرة على الموارد الطبيعية أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع، ليس فقط لتحقيق مكاسب مالية، بل أيضاً لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري.
السودان كرهينة للخصومات الإقليمية
أحد أخطر تداعيات التدخلات الخارجية يتمثل في أنها تجعل أطراف النزاع أقل استعداداً لتقديم تنازلات سياسية.
فعندما يشعر أي طرف بوجود دعم خارجي مستمر، تزداد قناعته بإمكانية تحسين موقعه العسكري أو السياسي، ما يؤدي إلى تراجع فرص التسوية والتفاوض.
وقد انعكس ذلك على عدد من المبادرات الإقليمية والدولية التي واجهت صعوبات كبيرة في تحقيق اختراق حقيقي، بسبب استمرار القتال وتضارب المصالح بين الفاعلين المحليين والإقليميين.
هل أصبح السلام رهينة التوافق الإقليمي؟
يرى عدد متزايد من الباحثين أن إنهاء الحرب السودانية لن يكون ممكناً عبر التفاهمات الداخلية وحدها.
فالتجارب الدولية تشير إلى أن النزاعات التي تحظى بدعم خارجي متبادل تحتاج غالباً إلى تفاهمات إقليمية موازية توقف تدفقات السلاح والتمويل وتوفر بيئة أكثر ملاءمة للتسوية السياسية.
ومن هذا المنطلق، تبرز دعوات متزايدة إلى إنشاء آلية إقليمية ودولية أكثر فاعلية لمراقبة الحدود ومسارات الإمداد وعمليات التمويل، بالتوازي مع جهود التفاوض بين الأطراف السودانية.
خاتمة
تكشف الحرب السودانية عن حقيقة باتت واضحة في كثير من نزاعات المنطقة: الحروب لا تستمر فقط بسبب الأطراف المحلية، بل أيضاً بسبب شبكات الدعم والمصالح التي تتشكل حولها.
وبينما تبرر الدول المختلفة تدخلاتها بحماية أمنها القومي أو مصالحها الاستراتيجية، فإن النتيجة العملية تتمثل في استمرار حرب أرهقت السودان وأثقلت كاهل شعبه وهددت استقرار الإقليم بأكمله.
إن الوصول إلى سلام دائم يتطلب أكثر من مجرد اتفاق بين المتحاربين؛ فهو يحتاج أيضاً إلى توافق إقليمي يضع استقرار السودان فوق حسابات النفوذ والمنافسة الجيوسياسية.
لقطة …
كلما اتسعت دوائر التدخل الخارجي، تراجعت فرص الحسم العسكري وازدادت كلفة السلام. ولذلك فإن أحد مفاتيح إنهاء الحرب السودانية لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في تجفيف مصادر الدعم والإمداد التي تسمح للصراع بالاستمرار عاماً بعد عام.
عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد



















